مجلة شهرية - العدد (504)  | محرم 1440 هـ- أكتوبر 2018 م

الممثل المنتج في الدراما الاستئثار بالبطولة

بمرور السنوات أخذت ظاهرة الممثل المنتج تشكل حضوراً كبيراً على ساحة الدراما السورية، ولم تعد مقتصرة على نجوم الصف الأول بل امتدت لتشمل ممثلين آخرين، إضافة إلى دخول بعض الممثلات في  غمار تلك التجربة.
ردود فعل متباينة أثارتها تلك الظاهرة، فمن مؤيد رأى فيها خطوة تعزز من مكانة الدراما عبر إتاحة فرص أكثر لتقديم عمل فني متحرر من عقليات الإنتاج التقليدية وشروطها التي لا تمت إلى الفن بصلة في كثير من الأحيان، إلى معارض لم يجد فيها إلا إرهاقاً  للدراما والعاملين فيها وذلك بسبب العقلية التي تغلف تعامل الممثل المنتج، ذلك الممثل الذي لم يدخل ميدان الإنتاج- بحسب رأي الكثيرين- إلا هرباً من فشل تمثيلي أو غياب بريق النجومية أو رغبة عارمة بالاستئثار بالبطولة عبر أدوار مفصلة على قياسه تماماً.

• تبرز تجربة  الفنان أيمن زيدان مع شركة الشام كواحدة من أكثر التجارب شهرة وإثارة للاختلافات، تلك التجربة التي بدأت تلفت الأنظار إليها عبر تقديمها لأعمال مثل نهاية رجل شجاع، الجوارح، أخوة التراب بجزأيه، الطويبي، يوميات مدير عام وغيرها, وذلك مع مخرجين من أمثال نجدت أنزور، باسل الخطيب وهشام شربتجي.
بعد انحسار تلك التجربة بدأت تظهر تجارب كثيرة على الساحة الدرامية، من مثل تجربة الممثل فراس إبراهيم، ذلك الممثل  الذي عرف عنه جنوحه الدائم نحو المبالغة في الأداء.
دخل فراس ميدان الإنتاج في عام 2003م عندما أنشأ مؤسسة فراس إبراهيم للإنتاج والتوزيع الفني مؤكداً أنه يسعى بافتتاح تلك المؤسسة إلى طرح وجهة نظره الخاصة، تلك الوجهة التي لم يستطع أن يوصلها عبر عمله ممثلاً.
مضيفاً أنه يمتلك طموحاً لتقديم أفكار مهمة، وأنه سيكون مسؤولاً عن التجربة واختيار الأفكار والممثلين والمخرج نافياً أن يكون الاستئثار بالبطولة هدفاً له.
لكن الأعمال التي قدمتها تلك المؤسسة من مثل أعيدوا صباحي و أسير الانتقام و ليل و رجال لم تنجح في تحقيق أي نجاح يذكر لا على المستوى الجماهيري أو النقدي، ولم يستطع فراس إبراهيم الممثل الخروج من دائرة أدائه النمطي ولا تقديم أفكار جديدة أو إبراز وجوه جديدة عند المخرجين الذين تعامل معهم، وبقي فراس إبراهيم الممثل مديناً  لبقائه في ذاكرة المتابع التلفزيوني لدور محسن الذي قدمه مع المخرج المخضرم هيثم حقي في مسلسل خان الحرير بجزأيه قبل أكثر من عشر سنوات.
• أما الممثلة جمانة مراد التي عرفها الجمهور  عبر مشاركتها في أعمال ما سمي بالفانتازيا التاريخية مع زوجها السابق المخرج نجدت أنزور، فلقد قررت دخول ميدان الإنتاج منطلقة مع مسلسل حمل اسم «الخيط الأبيض» كتبه نهاد سيريس الذي سبق وقدم أعمالاً مهمة في الدراما السورية مثل خان الحرير والثريا، وتصدى لإخراجه المخرج هيثم حقي الذي يشكل علامة مميزة في مسيرة الدراما السورية، أما البطولة الرجالية فكانت للنجم جمال سليمان. مع كل تلك العناصر تفاءلنا بتقديم عمل فني متكامل، ولكن النتيجة كانت أكثر من مخيبة للآمال، وبدا أن العمل برمته لم يكن أكثر من مساحة تستحضر جمانة مراد عبرها جمالها وأنوثتها ممضية الكثير من مشاهد العمل وهي تتأمل وتعاني وتصفن أو تطقطق بالكعب العالي مؤكدة أن نرجسيتها تأتي في المقام الأول.
ويبدو أن جمانة اكتشفت بعد ذلك المسلسل أن التعامل مع الأسماء الكبيرة لا يناسبها وربما لا يسمح لها بالاستمتاع بأداء دور المنتج، لذلك حرصت في مسلسلها الثاني «انتقام الوردة» على استقدام مخرج يخوض تجربته الإخراجية الأولى ونعني به محمد رجب، واستبقت عرض المسلسل بالتأكيد أنه سيكون عملاً مهماً يقدم الكاتب محمود عبد الكريم عبره أفكاراً جديدة، ويطرح المواضيع بطريقة مختلفة، كما يستخدم المخرج أسلوباً سينمائياً في عمل سيصور بين سورية وإيطاليا.
اعتقد البعض أننا سنكون أمام تجربة  جديدة تصحح ما وقعت فيه جمانة من أخطاء فادحة في تجربتها الإنتاجية الأولى، لكن ماعرض على شاشاتنا كان عملاً كارثياً بكل معنى الكلمة، عملاً يفتقر إلى أبسط عناصر الدراما نصاً وتمثيلاً وإخراجاً، عملاً سموه بوليسياً لكنه لم يكن أكثر من رحلة سياحية إلى أحضان روما وفينيسيا، رحلة خاضتها جمانة مع حبيبها مروان الذي اكتشفت في النهاية خيانته ونواياه الخبيثة.
في مسلسل «انتقام الوردة» نجحت جمانة مراد بامتياز في تقديم عروض أزيائها الخاصة واستعراضاتها الرشيقة، وإخراج كل ما في خزانتها لخدمة العمل المحشو بثرثرات لا حد لها وإخراج يجهل أبسط ما يتعلق بالممثل وحركته في الكادر، والإيقاع، وحركة الكاميرا.
تجربتا جمانة مراد أثبتتا أنها لا تتعامل مع الإنتاج إلا بالقدر الذي يتيح لها تقديم نفسها بأحلى صورة ممكنة بعيداً عن أي بعد درامي أو فني.
• تجربة إنتاجية أخرى بطلها الممثل المخضرم رشيد عساف الراسخ في ذاكرة الملايين عبر أداء دور الفارس في أعمال كثيرة بدءاً من مسلسل البركان مع المخرج محمد عزيزية في نهاية الثمانينيات، ومن ثم مع نجدت أنزور في أعمال مثل الكواسر والبواسل.
عندما قرر رشيد دخول تجربة الإنتاج تعامل مع نص صراع الأشاوس للكاتب هاني السعدي واستقدم لإخراجه المخرج سالم الكردي، وقال عن تلك التجربة:«تصديت لإنتاج العمل وأعتقد أنه سيحقق متابعة  جماهيرية كبيرة عند عرضه كون الحكاية مثيرة وتتضمن علاقات متماسكة وجميلة وصراعاً على أشده بين الشخصيات». كما أعاد رشيد ما قاله الممثلون الآخرون عن كون الإنتاج يتيح لهم حرية الاختيار.
- لكن أصداء العمل كانت على نقيض التصريحات،إذ جاء العمل خالياً من أي صراع يذكر، أو علاقات متماسكة أو غير متماسكة أو جماليات مشهدية، معانياً من فقر إنتاجي واضح، وهو الأمر الذي أثار جملة من التصريحات على لسان كاتب العمل هاني السعدي متناولاً فيها محدودية موهبة المخرج وعدم سخاء الشركة المنتجة مما أدى إلى خروج العمل على ذلك الشكل.
بعد تلك التجربة المتعثرة عاد رشيد عساف إلى الأعمال المعاصرة ليقدم مسلسلي الغدر عن قصة بائعة الخبز، ومسلسل الهشيم، وكلاهما من سيناريو عبد المجيد حيدر وإخراج بسام سعد، وهما عملان زخرا بصراعات كلاسيكية ذكرتنا بالدراما السورية قبل عشرين عاماً. ولقد ظهر رشيد في العمل الأول شاباً ثلاثينياً واستمر في أداء الشخصية ذاتها حتى تجاوزها الخمسين من العمر، بينما قبل في المسلسل الثاني أن يظهر في الخامسة والأربعين منذ الحلقة الأولى.
- تجربة إنتاجية أخرى بطلتها الممثلة سوزان نجم الدين التي سمعنا منذ أكثر من عشر سنوات عن نيتها تأسيس شركة إنتاج، لكن الإعلان عن ولادة تلك الشركة التي أطلق عليها اسم سنا كان في عام 2007م مما جعلنا نعتقد أن وراء ذلك التريث الكثير من المفاجآت السارة.
استهلت الشركة أعمالها مع مسلسل الهاربة للمخرج الشاب زهير قنوع الذي قدم في العام الذي سبقه تجربته الإخراجية الأولى مع مسلسل«وشاء الهوى».
تكررت قصة الممثل المنتج في تجربة سوزان نجم الدين فقدمت عملاً لم ينجح في تحقيق أي نجاح يذكر كونها حرصت على تركز أحداث العمل جميعها عندها، مقدمة أداء تمثيلياً باهتاً لا يرقى إلى مستويات الأداء التي قدمتها في مسيرتها الفنية مع مخرجين من أمثال هيثم حقي وحاتم علي وباسل الخطيب. وفوق كل ذلك قدمت نفسها في صورة الفنان الذي لا يقبل أي شكل من أشكال النقد حتى ولو تناول ذلك النقد موضوع تنكرها الساذج في المسلسل في زي رجل وكأنها تستخف بعقول المشاهدين الذين يجب عليهم تصديقها، أو جعلها من ممثلين يصغرونها بعشر سنوات عشاقاً واقعين تحت سطوة غرامها.
«الهاربة» مسلسل لم تستفد منه سوزان نجم الدين إلا في هروب الكثير من رصيدها مما يستوجب منها التروي ودراسة خطواتها القادمة جيداً.
الممثل سامر المصري، عكيد باب الحارة في المسلسل الشهير، دخل هو الآخر تجربة الإنتاج عبر شركته«ورد»، محولاً بعض حلقات المسلسل الإذاعي الشهير «حكم العدالة» الذي يبث منذ عام 1977م إلى حلقات تلفزيونية حملت عنوان «وجه العدالة»، و لكن تلك التلفزة لم تؤتِ ثمارها، و لم توفق في تقديم صورة بصرية تعادل على الأقل ما كان يحققه الاستماع. بل لم ينجح صناع العمل في تقديم أي  حبكة درامية مقنعة على امتداد الحلقات التي أخرجها سيف الشيخ نجيب في أول تجاربه التلفزيونية.
أما شخصية الرائد هشام التي أداها الممثل سامر المصري، فقد انتهت حلقات المسلسل دون  أن نعرف عنها شيئاً باستثناء أن الرجل  يعرف كيف يرمي السهام في غرفة مكتبه أو يصفن في سبيل التوصل إلى حلول للجرائم المعقدة على طريقة كل ممثل منتج؟
• بعد هذا العرض لأهم التجارب الإنتاجية التي تصدى لها ممثلون سوريون لا يمكننا إلا التأكيد أن القضية ليست بالبساطة التي يعتقدها كثيرون بل هي مسألة تحتاج قبل كل شيء إلى وسط فني أسس تقاليده ويعرف تماماً كيفية احترامها.


pantoprazol 60mg pantoprazol takeda pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات