مجلة شهرية - العدد (544)  | يناير 2022 م- جمادى الثانية 1443 هـ

الموسوعات العربية في مواجهة (ويكيبيديا)

حاولت شركة (مايكروسوفت) الأمريكية العملاقة مواجهة تحديات (ويكيبيديا) عبر دعمها اللامحدود لموسوعتها الإلكترونية (إنكارتا) -تأسست إلكترونياً العام 1997م- إلا أنها أوقفت الإصدار الإلكتروني الخاص بهذه الموسوعة على الشبكة العنكبوتية، لتعلن على صفحتها بأن الموسوعات التقليدية قد تغيرت.. والناس باتوا يبحثون عن المعلومات ويقومون باستهلاكها بطرق مختلفة عما كانت عليه في السنوات الماضية. وكجزء من سعي مايكروسوفت لإيصال المصادر الأكثر فاعلية وتنافسية إلى المستخدم، قررت توقيف عملها الخاص بموسوعة إنكارتا.
في مارس العام 2009، أعلنت مايكروسوفت أنها أوقفت موسوعة إنكارتا على الأقراص والنسخة التي تعمل على الإنترنت. فيما أصبحت كل مواقع إنكارتا للدول لا تعمل، وأبقت الشركة الأم على القاموس dictionary.msn.com حتى تم إقفال الشبكة الكلي العام 2011. وهكذا يمكن القول إن موسوعة (ويكيبيديا) انتصرت رغم الانتقادات اللاذعة التي وجهت لها.
(قوقل) تخسر الرهان
شركة عملاقة أخرى حاولت أن تشق لنفسها طريقاً منافساً أمام (ويكيبيديا) باعترفها.. لكنها لم توفق؛ (قوقل) أنشأت موسوعة (نول)، وعينت طاقم المحررين من الخبراء، كي تتجنب ما وقعت فيه (ويكيبيديا) التي جعلت المشاركين في عضويتها من العامة محررين لمحتواها الإلكتروني. 
(نول) مشروع جوبه بانتقادات حادة، إذ وصفه البعض بأنه (أرض النفايات للمقالات المنقولة من مصادر أخرى والمحتويات التي قد تكون مكررة أو غير محدثة) وفق ما جاء في (ويكيبيديا)، كما أنتقد (نول) بشكل متكرر بسبب ضمه لمعلومات ناقصة وغير دقيقة.
وبعد سلسلة من الانتقادات الحادة، أغلقت (قوقل) الموقع في نوفمبر 2011م، وصرحت الشركة أن العملية ستتم على عدة مراحل.
 العرب في دائرة التحدي
وفي حلقة جديدة من المواجهة مع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) –بدأت بثها الإلكتروني العام 2001م–، قررت مجموعة شركات طلال أبو غزالة الدولية –ومركزها في العاصمة الأردنية عمان- إنشاء موسوعة عربية تحمل اسم (تاجي بيديا) تشتمل حتى الآن على 250 ألف معلومة عربية، ومن المتوقع الإعلان عنها خلال العام الحالي 2012، أو العام المقبل.
وقال الرئيس التنفيذي للمجموعة طلال أبو غزالة في تصريح لـ(أريبيان بزنس) إن موسوعة تاجي بيديا ستكون متاحة للجميع مجاناً، ولكن لا يحق لأحد إدخال أي معلومة إلا بعد التدقيق والمراقبة للتأكد من فائدتها.
واعتبر أبو غزالة أن ويكيبيديا (مشروع عظيم لكن به عيوب بالنسبة للعرب)، حيث تضم معلومات (غير صحيحة وخاطئة) عن المنطقة العربية، وذلك نتيجة قلة المحتوى العربي فيها (مقارنة بالكثافة السكانية في الوطن العربي وحضارتنا ولغتنا والمحتوى العربي الكبير).
ويأمل أبو غزالة أن تصبح (تاجي بيديا) مرجعاً للطلبة والطالبات والباحثين من خارج الوطن العربي، معتبراً أنها ستكون محيطاً معلوماتياً مختلفاً عن ويكيبيديا.
بنكهة عربية
الباحث في شؤون التقنية خير الله أبو سعود يؤكد «الحاجة إلى وجود موسوعة بنكهة عربية تستطيع أن تقدم نفسها للجمهور في شكل ومضمون منافس لنظيرتها الغربية، رغم إشارته لوجود موسوعات حاولت أن تفرض جدارتها في الفضاء الإلكتروني، إلا أن ما تقدمه به الكثير من الثغرات في حال مقارنتها مع الموسوعات الغربية»، ويشير على سبيل المثال إلى «الوراق.. الموسوعة العربية الإماراتية، إلا أنها تراثية وتاريخية ولم تتطرق إلى قضايا العصر».
كما يتناول أبو سعود «موسوعة (المعرفة) التي هي مشروع لجمع وخلق المحتوى العربي، لإنشاء موسوعة دقيقة، متكاملة، متنوعة، مفتوحة، محايدة ومجانية، بدأت بثها الإلكتروني العام 2007م، ورغم أنها منافسة قوية إلا أنها في بعض الأحيان تبدو وكأنها نسخة عن (ويكيبيديا)، إذ أن المواد المنقولة فيها تتطابق مع الموسوعة الحرة».
ويرى أنه «من الخطأ الاعتماد في تحرير المحتوى الإلكتروني على أعضاء غير خبراء، إذ أن الضرورة تقتضي وجود محررين مختصين في الحقول المعرفة المختلفة التي يتم طرق أبوابها، وإلا وقعت الموسوعة في أخطاء عدم الدقة»، بيد أنه لا ينفي حق «المشارك أو العضو أو القارئ في المناقشة والتعقيب، ففي هذه الحالة يمكن أن يكون هنالك حيز لملاحظات القارئ قد يؤخذ بها من قبل المحرر في حال كانت تنويهات لا يمكن تجاهلها».
وعلى المستوى الطبي يشير إلى «موسوعة (الملك عبدالله بن عبدالعزيز) كأول موسوعة عربية طبية أعلن عن إطلاقها العام الجاري، وهنالك موسوعة الكتب الإلكترونية العربية وهي أشبه ما تكون بمكتبة على الإنترنت ومثلها مكتبة المصطفى الإلكترونية».
ويتطرق إلى أن العمل الموسوعي الإلكتروني العربي أخذ ومنذ سنوات عناية المؤسسات البحثية، فكانت (الوراق) و(المعرفة)، والآن في هذا العام تستعد مؤسسة (إبداع للأبحاث والدراسات والتدريب في غزة) لإطلاق موسوعة إلكترونية هي الأولى من نوعها على مستوى شبكة الإنترنت والمواقع الإلكترونية تختص بالتوثيق الإلكتروني لتاريخ النكبة الفلسطينية والتي حدثت عام 1948.
ويتابع أن الموسوعة ستضم «الباحثين والمختصين وستتكون مما يزيد على 15 قسماً أهمها قسم خاص بالقرى الفلسطينية المدمرة, وقسم آخر لمخيمات اللجوء وأماكن تواجد اللاجئين الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة والدول المجاورة, وقسم يختص بالمجازر اليهودية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني, بالإضافة إلى عدة أقسام أخرى لكل ما يتعلق بالنكبة»، مشيراً إلى أن «هنالك موسوعات مماثلة تعمل في هذا النطاق ومنها (فلسطين في الذاكرة) وتبث من الأردن، و(بيت الذاكرة الفلسطينية) وتبث من سوريا».
انتقادات للمحتوى الإلكتروني
يرى محمد العلي أن الموسوعات الحرة على الشبكة العنكبوتية ما تزال دون المستوى المطلوب «رغم ما تقدمه من زخم معلوماتي يتجاوز المصنفات من موسوعات في المكتبات العامة»، ويرجع الباحث الأمر إلى «إمكانية تحريف الموسوعات الإلكترونية عبر المحررين المشتركين بها، وتغيير محتواها الإلكتروني بما يناسب توجه العضو المشارك، وأحياناً يكون المحتوى موجهاً من قبل المنشئ، ما يجعل الدقة فما يقدم موضع شك».
ويشير العلي إلى أن «بعض الموسوعات تلجأ إلى مقالات الرأي –في بعض الأحيان– كمرجع أو مصدر للمعلومات المقدمة، وفي هذا الباب نكون أمام توجيه للمعلومات من طرف ما، قد لا يكون محايداً، أو متحاملاً تجاه قضية معينة، وكثيراً ما يكون الموضوع الإشكالي متضارباً في معلوماته دون توضيح ملابسات الإشكالية وجذورها، لاسيما في القضايا السياسية»، مشيراً إلى أن «الموسوعات الغربية تأخذ بعين الاعتبار في تصنيفاتها قوانين الغرب دون اكتراث لرؤية الشرق أو العرب أو المسلمين، حيال قضايا كـ(الهلوكوست) و(القضية الفلسطينية)، وكثيراً ما تحاول أن تظهر بشكل حيادي إلا أن هذه المحاولات تعدو كونها (ذر رماد في العيون)». 
ويضيف أن «بعض الموسوعات تلجأ في تصنيف الشخصيات إلى نشر السيرة الذاتية لها، فنكون أمام تفاصيل لا ضرورة لها، فيما نقرأ في الموسوعات الورقية نبذة مختصرة عن الشخصية تحاول أن تحيط بها، وأن تغفل ما لا يستحق الإضافة»، إلا أنه يستدرك قائلاً: «ربما يعود الأمر إلى طبيعة الموسوعات الإلكترونية القادرة على جمع معلومات تفوق ما لدى الموسوعات التقليدية».
وثمة مشكلة أخرى في الموسوعات التي تأتي على شكل أقراص مدمجة، أو مضغوطة، وتقدم لقارئها مكتبة شاملة وأحياناً متخصصة، إذ –والكلام للعلي– «تغفل أحياناً أجزاء من كتاب، قد يسقط خلالها اسم المؤلف، أو مقدمة الكتاب». 
وحول مصير الموسوعات الورقية، يرى أن «انتشار التقنيات الحديثة ساهم في وضع الكتب عموماً –والموسوعات– على رف الإهمال، إلا أن ذلك لا يعني انقطاع الجمهور عنها لاسيما الباحثين، إذ أن البعض ما يزال يعتبر مصادر الشبكة العنكبوتية في البحث تأتي في ذيل المصادر والمراجع».
ومقابل العيوب التي أشار إليها في السابق، يرى أن «البحث من خلال الموسوعات الإلكترونية أكثر سهولة، كما أن بعض الموسوعات تقدم المعلومات بلغات شتى في حين نجد الموسوعة الورقية بلغة واحدة أو لغتين، كما أن اقتناء الموسوعة عندما تكون مسلسلة وضخمة أمر صعب على بعض الباحثين إذا ما أخذ بعين الاعتبار السعر وحجم الموسوعة».
ويختم حديثه للمجلة العربية قائلاً «إن بعض الموسوعات على الإنترنت متخصصة، ومنها الحزبية كموسوعة (إخوان ويكي) التي تعود للإخوان المسلمين، وهنالك موسوعات قانونية، ويوجد موسوعات عامة ومن أشهرها ويكيبيديا –أمريكية– (الحرة)، المعرفة، وغيرها الكثير».
عنصر الزمن يتفوق
عائشة التركي –أمينة مكتبة سابقة– تقول لـ(المجلة العربية) إن «الموسوعات الإلكترونية متوفرة في كل بيت، على عكس الموسوعات التقليدية التي تحتاج إلى جهد لتحصيل المعلومة منها؛ لأن المكتبات تشترط عدم إعارة الموسوعات والمراجع الرئيسية –كما هو دارج في العادة– ما يعني أن الباحث سيلجأ إلى قضاء جل وقته متنقلاً بين المكتبات لتحصيل ما يريده من معلومات، أو لتصوير ما يلزم، الأمر الذي يجعل التكلفة المادية عليه مضاعفة، علاوة على عنصري الجهد والوقت اللازمان لإنجاز ما هو مطلوب».
وتضيف التركي أن «الاستهلاك للموسوعات التقليدية يلحق ضرراً بها، فأحياناً ونتيجة إهمال المراجعين، أو الاستخدام غير الصحيح للكتب ومن ضمنها الموسوعات، يتم تمزيق صفحة بدلاً من تصويرها، أو الكتابة بجانبها، ما يتسبب في خسارة لأي باحث أو مراجع، فيما يكون البحث الإلكتروني داخل موسوعات التقنية أكثر يسراً وسهولة، نظراً لإمكانية تحديد حقول بعينها كمفاتيح البحث عن كلمات أو كلمة محددة»، مشيرة إلى أن «بعض المكتبات العامة، ومن باب اللحاق بتطور التكنولوجيا عملت حوسبة لعناوين محتوياتها لتسهيل عملية البحث، وهنالك من لجأ إلى حوسبة بعض المحتويات وإدخالها ضمن أقراص مدمجة، أو في شبكات إلكترونية داخلية، لتلبية الطلب المتزايد على المراجع، وتسهيل عملية البحث أمام الزوار».
وترى أنه «بالإمكان احتواء الكتب بمختلف الحقول ضمن مكتبة منزلية، لكنها تتساءل حينما يتعلق الأمر بموسوعات أو مجلدات ضخمة مثل تاريخ الطبري وابن كثير، أو موسوعات حديثة كالموسوعة البريطانية (بريتانيكا) أو بلادنا فلسطين، وغيرها الكثير من المصنفات، فإنها تحتاج إلى مساحة، وجهد في الترتيب، على عكس المحتوى الإلكتروني الذي يستطيع تخزين مئات الآلاف من الصفحات في حيز محدود وخلال وقت قصير».
وتشير إلى أن «الزمن تغير وله متطلبات مختلفة عما كان عليه قبل ظهور شبكة الإنترنت»، ورغم الملاحظات حول طبيعة محتوى بعض الموسوعات –من قبل بعض الباحثين– إلا أنها تعتقد «أن إمكانية تجاوز هذه الأخطاء وارد، والتحقق من المعلومات على الإنترنت ومطابقتها مع ما تتضمنه بعض الموسوعات ممكن وليس أمراً عسيراً على من يريد التثبت من معلوماته».
وفيما يتعلق بالمقارنة بين الموسوعات بنطاقيها الورقي والإلكتروني، تقول إن «الموسوعات الورقية مكلفة من حيث ثمنها في السوق في حال أراد الباحث اقتناءها، على عكس الإلكترونية التي لا تحتاج إلا لاشتراك في الإنترنت»، فيما تشير إلى أن «هنالك موسوعات تلجأ إلى تحديث معلوماتها، وتنقيحها، ما يعني صدورها في طبعة جديدة، وهذا بحد ذاته يعني الحاجة لاقتناء الجديد المنقح الذي يحتوي على إضافة قد تكون نوعية، في حين تكون الإلكترونية في حالة تحديث مستمرة –قد تكون آنية ولحظية– دون أن يتحمل المشترك –في برنامجها المجاني– أي تكاليف، أو جهد للبحث عن الطبعة المنقحة والمزيدة».
ذو صلة
التعليقات