مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

المجمع عليه

بالأمس البعيد, كان الاختلاف كفراً سياسياً بواحاً في فقه دولة الاستقلال يوجب إقامة الحد رمياً بالرصاص إخماداً لنار الفتنة اليوسفية، وصوناً لعرى الوحدة القومية، ولكن السؤال المحرج المطروح اليوم على أصحاب الدعاوى القضائية هو: هل كان سيتسع صدر اليوسفيين آنذاك –لو مكن لهم في الأرض– لخصومهم من معتنقي البورقيبية؟. 
أما بالأمس القريب, فكان لابد أيضاً من إسكات الصوت والجلد بالسوط وإن اقتضى الأمر قنص ألف أو ألفين في شارع المجاهد الأكبر. لا ضير, فـالسبعة حسب زعمهم أكرم من (الأربعطاش) حتى لو كانت من المشتقات والمضاعفات.
 كيف لا وقد حرم الاختلاف منذ بيعة الميثاق التي وقعت عليها التيارات المختلفة سياسياً وإيديولوجياً بعد أن بشرهم بزوال الخلافة الآلية والحقيقة أن الرجل غلطهم، فقد أثبت التاريخ أنه كان يتلاعب بالكلمات قاصداً منع الاختلاف وليس الخلافة، وكلاهما من المشتقات لكنهم لم يفهموه.
في عهده اضمحل الاختلاف واستبدل بالإجماع والتجمع حتى أن المعارضة تجاوزت خلافاتها وتجمعت هي الأخرى في 18 أكتوبر وأجمعت على كلمة سواء ووثيقة سواء.
أما اليوم فقد حل التجمع وتحللت شعاراته وحلت محلها أحزاب مختلفة تبشر جميعها بـنهضة البلاد وتكتل السواعد من أجل بناء الجمهورية الثانية والسعي لتجديد الفكر وتشجيع المبادرة وبعث مواطن الرزق وتحقيق الكرامة والسلم والنماء في إطار الوحدة الشعبية والجمع بين الأصالة والحداثة ضمن مشروع ديمقراطي تقدمي يعنى بالثقافة ويرعى حقوق العمال ويصون مكتسبات المرأة في ائتلاف يجعل تونس الخضراء بعد الرابع عشر في الطليعة على المستويين المغاربي والقومي. 
الكل مجمع على ضرورة القطع مع عقود التخلف السياسي ومعالجة مخلفاتها الناجمة عن مصادرة حق الاختلاف، ولم لا تضمينه كغيره من الحقوق صلب مجلد الدستور المنشود.
ما المزعج اليوم إن اختلف الأحزاب من بينهم، فالاختلاف رحمة إلهية وسنة كونية وحاجة إنسانية ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم. 
فالمفترض أن الاختلاف لا يفسد للود قضية بين من جمعتهم الديكتاتورية وفرقتهم الديمقراطية لكن شريطة ألا يتحول الأمر إلى مؤامرة سياسية قد يعجز معها برنامج حق الاختلاف عن تطويق الخلاف فنجد أنفسنا في الاتجاه المعاكس لأهداف الثورة. 
بالأمس كان الأخ..تلاف منبوذاً فلا تكاد تعثر في أدبيات السلطة القمعية إلا على بعض مشتقاته مثل المخالفة وبخاصة مخالفة التعليمات أما اليوم فقد تعددت المشتقات وأصبحنا ببركات الاختلاف نستحضر مفهوم الاستخلاف في الأرض ونسمع عن الخلف والسلف ونتطلع -ولو مجازاً- للخلافة الراشدة السادسة بل ونتوهم إقامة دولة الخلافة على أنقاض دولة الفساد دون مراعاة في كثير من الأحيان لفقه الخلاف وأدب الاختلاف.

ذو صلة
التعليقات