مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

الازدواجية الأمارة

 من الحقائق الثابتة في مباحث اللسانيات الاجتماعية أن الناس يعيشون في مواجهة لغات عدة، تبعاً لقاعدة كون الناس حتماً شعوباً وقبائل، فإضافة إلى اللغة الأصلية للإنسان (اللغة الأم)، يواجه الكائن البشري لغات أخرى ويحتك بها، بغض النظر عن موقفه منها، أو قدرته على فهمها والتواصل معها. فليس بدعاً من القول المنكر إن مجتمعاتنا العربية تعيش حالة من التعدد اللغوي، يواجه فيها الفرد شبكة معقدة من أشكال لغوية متداخلة ومتفاوتة الحضور والفعل، بدءاً من الأشكال اللغوية المحلية، المغرقة في خصوصيتها العائلية أو العرقية، والمحصورة ضمن حيز تواصلي ضيق ومحدود، مروراً باللغات الإقليمية التي تسود كل إقليم أو حيز جغرافي من الوطن الواحد، وصولاً إلى لغات الأوطان الرسمية، ثم إلى لغة عامة وشاملة تعبر الأوطان والحدود. وهي تعددية تتخذ أشكالاً من التعايش بين لغة أو لغات فصحى مكتوبة، وبين لهجات شفهية وحتى إشارية ورمزية. فالتعددية اللغوية إذن قدر مشترك بين الشعوب، وقاعدة عامة لا تستثني أية بقعة من بقاع الأرض التي يتواجد عليها بشر. 
 غير أن الأمر الداعي إلى الاستغراب والقلق، هو أن تساق هذه التعددية نحو استخدامات مرضية غير بريئة، وتتحول إلى ظاهرة سلبية تنبئ بمواقف فئة اجتماعية مثيرة حقاً، تجاهر بانسلاخها عن جلدها اللغوي، وتأبى إلا أن تتخلى طوعاً عن لغتها الأم، وتستسلم بالمجان للغة أخرى أجنبية. فأنا لا أفهم كيف أنه في بعض الأقطار العربية كالمغرب مثلاً، حيث تعد العربية اللغة الأم لغالبية السكان، وهي لغة الوطن الرسمية في الدستور وفي التعليم والإعلام الرسمي، وهي لغة الدين ولغة التوحيد العربي، رغم ذلك تجد فئة عريضة، تقبل على الفرنسية وتتخذها وسيلة تواصلية مثلى؛ خاصة في بعض المدن الكبرى داخل البلد، كالرباط والدار البيضاء والقنيطرة، حيث يسترعي انتباه أي مراقب سيطرة التواصل باللغة الفرنسية بين الشباب في الشارع، وبين الآباء والأبناء، وبين العوائل فيما بينها، وبين عديد من الموظفين في الإدارة العمومية وفي القطاع الخاص. هناك تفضل فئة عريضة من الآباء والأبناء العرب بالأصالة، الهجرة الناعمة نحو الفرنسية، وتختار أن تتنازل عن لغتها الأم، وتتخلى عنها لترتمي بين أحضان اللغة الفرنسية، التي لا ترتبط في مخيلة الإنسان المغربي إلا بالمستعمر الغازي، الذي أذاق المغاربة قاطبة سنوات من ويلات الحروب والاستنزاف الاقتصادي والتوهين الجسدي والنفسي والمسخ الثقافي والأخلاقي، وسخر كل ما يملك من إمكانات، وانتهج كل السبل غير الشرعية التي أتاحها له تفوقه وقوته لمسخ الهوية المغربية. 
 إن هذه الفئة التي تنسلخ عن لسانها العربي المبين، وتستبدله بلسان فرنسي أعجمي وافد، تتوهم أن في ذلك تمايزاً عن الآخرين، وأنها تراعي النموذج الغربي المتحضر، وتجعل من نفسها فئة متميزة، تحسبها من طبقة البورجوازية الأوروبية التي كانت تنظر إلى الفرنسية بوصفها لغة الحرية والحقوق ولغة آداب اللياقة العامة. وتنسى أنها تساهم بالمجان في تأمين تفوق الفرنسية وسيطرتها على اللغة المحلية. وتساهم بذلك في النيل من مقومات الهوية الوطنية. فليس من البراءة في شيء هذا الاختيار غير المبرر.
ذو صلة
التعليقات