مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

ذو الساق الخشبية

لكي يجابه الصحراء ويواجه العطش ويقاتل الحيوانات ويقود قوافله عبر البراري الموحشة؛ احتاج العربي إلى ما يبدد وحشته، وينشر الأنس حوله، وقد كان الغناء هو الوسيلة المثلى للترويح عن النفس، فهو يبعث الحماس ويطرد السأم والملل عن النفس. وقد اعتبر بعض المؤرخين هذا الغناء النواة الأولى لشجرة الشعر العربي الضخمة. وقد ظل الشعر العربي طوال قرونه الأولى محتفظاً بأغراضه المعروفة وقوالبه التقليدية في الأسلوب والعمود والقافية، غير أن رياح التغيير التي تهب بين الحين والحين لم تترك الشعر 
على تقليديته؛ فمع سقوط بغداد بأيدي المغول سقطت دولة القصيدة العربية, وبدأت عصور الانحطاط, وقد عرف الشعر العربي فيها فترة طويلة من الركود والجمود والضعف، وكان السلاطين والملوك أعاجم لا يعنون بتشجيع الشعراء ولا يقربونهم، ولذلك كسدت سوق الشعر وبدأ الوهن يدب إلى جسد اللغة ودخلها التحريف واللحن؛ فانتشرت العامية وابتعد الناس عن الفصحى وكانت ولادة الشعر العامي الذي تلقفته الجماهير بحفاوة بالغة واعتبره بعض النقاد امتداداً للشعر العربي.
والحق يقال لقد استطاع الشعر العامي خلال فترة وجيزة قلب الطاولة واقتياد الجمهور بساق خشبية إلى منصة النجومية والشهرة، وتأمل معي كيف كان الإعلام (المرئي والمسموع والمقروء) العصا السحرية التي اجتذبت له الأضواء وهيأت له فرص السيطرة والتأثير خارج حدود القبيلة والإقليم والوطن.
وبعيداً عن التحيز ودوائر الخلاف المعتمة أقول: لقد وضع الشعر العامي بصمته على المجتمع وتمكن من دخول الخيمة العربية بكل سهولة ويسر؛ ليعيد منسي التراث ويكون السفينة التي تحمل مختلف هموم طبقات المجتمع.
ذو صلة
التعليقات