مجلة شهرية - العدد (506)  | ربيع الأول 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

الخيل والشعر

كلما رأيت الخيل أو قرأت عنها أتذكر على الفور فرس (امرئ القيس) الذي يعتبر الأكثر شهرة في الأدب العربي لقوته وسرعته فهو الذي قال عنه صاحبه:     مكر مفر مقبل مدبر معا 
كجملود صخر حطه السيل من عل
أبدع الشاعر في وصف فرسه بصورة مكانية تشاهد في لحظة من الزمان، وقد حقق المكانية بإثبات تزامن الحركة في الاتجاه والاتجاه المضاد، فالفرس يكر ويفر ويقبل ويدبر معاً وبهذه الحركات الأربع أعطت الصورة بعدها الفني الرمزي وإن لم يقبله المنطق أحياناً إلا أن للشعر منطقه الخاص.
ثم يليه فرس آخر اعتبره رمزاً للسرعة هو فرس (عنترة بن شداد) الذي يحكي الرياح إذا جرى ويستشعر فارسه فيغنيه عن استخدام السوط أو اللجام، وفيه قال عنترة:
ولى فرس يحكي الرياح إذا جرى
لأبعد شاو من بعيد مرام
ولا غريب في القول (يستشعر فارسه) لأن فرس عنترة فرس يمتلك حساسية مرهفة أسرنا بها حين سالت دموعه التي وصفها صاحبه في قوله:
مازلت أرميهم بثغرة نحره 
ولبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه 
وشكا إلىَّ بعبرةٍ وتحمحم
لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى 
ولكان لو علم الكلام مكلمي
وإن كان فرس عنترة مثل صاحبه يمتلك الحس الرقيق والقوة في آن واحد فمن سرعته يسري البرق خلفه.
فالفرس في الشعر الجاهلي نال حظوة من الفخر به لسرعته وقوته فخلدته قصائد عربية كثيرة.
ومن الطريف أننا نجد في العصر الحديث لم يبخل الشعراء على الفرس الهزيل النحيل بالخلود وإن كان هذا من باب المداعبة لصاحبه. فقد خلد أمير الشعراء أحمد شوقي فرس صديقه الدكتور محجوب ثابت، حيث كان محجوب يمتلك حصاناً يرتاد به ما شاء من أحياء القاهرة في أيام الثورة وكان أصدقاؤه يسمون حصانه (مكسويني) وهو اسم بطل أيرلندي مشهور انتحر جوعاً، يكنون بذلك عن هزال الحصان وجوعه وعدم العناية به. وقد نظم شوقي خلال ثورة 1919 قصيدة في تحية (مكسويني) قال فيها:
تفديك يا مكسي الجياد الصلادم
وتفدي الأساة النطس من أنت خادم
كأنك إن حاربت فوقك عنترة
وتحت ابن سينا أنت حين تسالم
ستجزى التماثيل التي ليس لمثلها
إذا جاء يوم فيه تجزى البهائم
فإنك شمس والجياد كواكب 
وإنك دينار وهن الدراهم
وصفوة القول.. أياً كان الحصان قوياً أو هزيلاً فهو صديق لصاحبه تجمعهما علاقة ود، كما أن تاريخه مع صاحبه يجعله جديراً بهذا الحب. والحيوانات المستأنسة عامة جديرة بالحب والمعاملة بالرفق لأنها خير معين للإنسان على قضاء حوائجه في حله وترحاله وغذائه وحراسته.
ذو صلة
التعليقات