مجلة شهرية - العدد (492)  | محرم 1439 هـ- أكتوبر 2017 م

البحث عن بكتر

قبل عقدين تقريباً، كنت أرتب مع والدي المكتبة، نضع الكتب القديمة في أماكن خاصة، وبينما كنت أناول والدي الكتب وقعت يدي على كتاب صغير قديم جداً؛ لدرجة أن أوراقه الصفراء تتفتت في يدي من قدمها، نظرت إليه فإذا هو لكاتب يدعى علي أحمد باكثير.. عرفت هذا الاسم من قبل لأن أبي كان يوصيني دوماً بقراءة (و إسلاماه) لنفس المؤلف! أخذ والدي الرواية من يدي وقال: هذه لا تناسبك!
طبعاً حثه لي أن أقرأ وإسلاماه دون هذه، وقوله «لا تناسبك»، كان هذا دافعاً لقراءة سرية ممتعة! أخذت الرواية خلسة، وضعتها تحت وسادتي، وفي الليل بدأت اقرأ الرواية الصفراء بحذر حتى لا تتلف أوراقها، كانت رواية استثنائية بحق، لم أقرأ في حياتي رواية عشت أحداثها كرواية (سلامة القس)، لم أنم تلك الليلة حتى أنهيت الرواية وفي اليوم التالي كنت أفتش في كتاب الأعلام للزركلي عن (علي أحمد باكثير) ثم عرفت أنه من مواليد مدينة (سورابايا) بإندونيسيا!

مرت أعوام طويلة ثم سافرت إلى إندونيسيا، وقضيت عدة أسابيع في جاكرتا، ثم سافرت إلى مدينة سورابايا المدينة التي ولد فيها كاتبنا لأعرف مرحلة مفقودة من حياته مرحلة لم تنقلها الكتب!
سألت عن عائلة باكثير ولم نجد من يدلنا على منزله، سألنا يوم.. يومان.. ثلاثة، ولكن كل الجهود باءت بالفشل..
عندما وصلنا إلى مالانج؛ كنا في ضيافة الأخ (جمال الحريبي)، ذهبت مع جمال ومع صهره (حسن بارجاء) إلى النزهة في مناطق مجاورة، وكانت فعلاً رحلة رائعة.. ونحن في طريق العودة جاءني اتصال مفاده أن الأخ حسن بارجاء الذي يصحبني جده لأمه هو شقيق كاتبنا!! عرفت فيما بعد أن اللقب تم تحريفه من (باكثير) إلى (بكتر) وهذا التحريف وارد لأن الجميع هناك لا يتكلم اللغة العربية! عندما عرف (حسن) أنني من المهتمين بأدب جده زاد من اهتمامه بي ووضع برنامجاً لزيارة عائلة (باكثير) والقرى والمساكن التي يقطنونها.
في اليوم الأول من برنامج الرحلة كانت وجهتنا إلى مدينة سورابايا وكان المقصد زيارة المنزل الذي ولد فيه (علي باكثير)، وهناك وعلى امتداد شارع (كتابنج باسر) منزل على اليسار يحمل الرقم (24).. منزل متناهٍ في القدم له بابان؛ باب صغير من خشب تعلوه طحالب وقد تقشر دهان الجدار المحاط به، وباب آخر كبير من الحديد والواجهة العلوية عبارة عن روشان من خشب قديم جداً.. في ذلك المنزل أطلق (علي أحمد باكثير) صيحته الأولى وذلك عام 1910م. وقد بيع هذا المنزل لعائلة (بادحدح) بعد أن كان لعائلة (بوبسيط) أخوال كاتبنا، وقد كان منزل جده لأمه، طرقت الباب ولم يرد أحد، ظننت أن المنزل مهجور، طرقت باب المنزل الذي بجواره، وقد كان لعائلة (بوبسيط)، رحبوا بنا وأصروا علينا أن ندخل لشرب الشاي، وهناك رأيت صورة للملك فهد رحمه الله معلقة في صدر المجلس، استغربت وعندما سألت عرفت أن العائلة سعودية ولكنهم يقيمون هناك، الأغرب من هذا كله، أنهم لا يتكلمون العربية!
أخبروني أن المنزل الذي بجوارهم كان لهم ولكنه بيع لعائلة (بادحدح).. شربنا الشاي وشكرنا المرأة التي استقبلتنا على حسن الضيافة ثم رجعنا إلى المنزل وطرقناه مرة أخرى وفتح الباب.. رحب بنا أهل المنزل وقمنا بتصور المنزل من الداخل بعد أن شربنا القهوة ثم خرجنا سريعاً لأن المطر بدأ يتساقط!
وفي 15 مارس من عام 2006م وفي تمام الساعة السابعة صباحاً توجهنا إلى مدينة (جمبر)، وهي تبعد عن مدينة (سورابايا) قرابة 300 كيلو، برفقة حسن بارجاء وامرأة فاضلة تدعى سلمى بارجاء. انطلقنا بسيارة من نوع (كيجان) ومررنا بمدينة لاوانج ومحافظات صغيرة أخرى. الطريق رغم خطورته لا يمل فالمسطحات الخضراء والأنهار الصغيرة والعديدة تنسيك عناء الطريق!
بعد أربع ساعات وصلنا إلى مدينة (جمبر) وهي مدينة صغيرة ونظيفة والابتسامات لا تنقطع عن أوجه الناس هناك!! أول محطة لنا كانت إذاعة (أكبر) والتي يملكها عبدالرحمن باكثير. حدثني عن عمه (علي أحمد باكثير) كثيراً ومما أفادني به أن علي أحمد باكثير رزق من زوجته الأولى بابنتين توفيتا في الصغر ولم يرزق بعد ذلك، ولكن له ربيبة من زوجته المصرية وكانت ربيبته تدعى (إجلال) ولا تزال على قيد الحياة وقد تجاوزت الستين.
المحطة الثانية مطعم (طه) الذي تناولنا فيه وجبة الغداء المكون من الأرز الأبيض والساتي ومرق اللحم، على ضيافة الأستاذ عبدالرحمن.
المحطة الثالثة إلى منزل الشيخ أحمد باكثير والد علي أحمد باكثير.. دخلنا إلى المنزل والذي كان بجواره مصنع كبير للأرز يملكه باكثير. المنزل رغم العقود الطويلة التي مرت عليه إلا أن أهله اعتنوا به بشكل فائق، هذا المنزل ذو الطلاء الأبيض والأشجار المقلمة والأزهار المتناسقة كان هو المأوى الذي يأتي إليه علي باكثير إذا قدم من حضرموت أو من القاهرة، استقبلتنا السيدة سعاد باكثير مرحبة بنا وزاد ترحيبها عندما علمت أن زيارتنا بسبب عمها الأديب.
قامت بإدخالنا الغرفة الخاصة بعلي باكثير والتي كان بها مكتبه وكتبه وأغراضه الشخصية، وفي الصالون كانت هناك صور للشيخ  أحمد باكثير وزوجته السيدة  نورة بوبسيط والدة كاتبنا رحم الله الجميع.
عند الخروج تجد صورة لكاتبنا وهو مرتدٍ الزي العربي كتب في أسفلها (علي باكثير بالزي العربي عام 1353هـ)، وقبل أن نخرج زرنا مزرعة للأبقار يمتلكها غازي باكثير وشربنا هناك الحليب الطازج ثم شكرنا السيدة سعادة وذهبنا لزيارة الدكتور خالد باكثير شقيق الأستاذ عبدالرحمن، وأخبرني بالمهتمين بأدب باكثير وجمعية باكثير التي تحفظ حقوقه, ورأيت بعض الرسائل التي لها صلة، بعدها تناولنا الشاي ثم أخذنا صورة جماعية.
المحطة الأخيرة كانت زيارة لجدة رفيقي حسن بارجاء أطلعتنا خلالها على مكتبة زوجها أبوبكر باكثير شقيق علي أحمد باكثير ثم ركبنا سيارتنا متأهبين للعودة.
الزيارة كانت مدتها ساعتين تقريباً بينما أخذ منا الطريق ثمان ساعات ذهاباً وإياباً، ولكن كانت الـ120 دقيقة تلك التي قضيتها في مدينة (جمبر) مترعة بالدهشة والجمال والوفاء!
وفي الثالث من أبريل من عام 2006م، كنت أسحب حقيبتي في مطار جاكرتا متجهاً إلى جدة، وأنا سعيد جداً بهذا الرحلة التي جعلتني أكتشف بعض الحقائق عن إنسان وأديب أحبه وأحب قلمه.
ذو صلة
التعليقات

   فاطمة فؤاد
   fat9993@hotmail.com
   سعودية -جدة
   الأحد 07/08/2011
جهود تشكر عليها طاهر .. وكاتب يستحق البحث عنه وعن سيرته وأعماله
pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv
   د. عبد الحكيم الزبيدي
   zubaidi@bakatheer.com
   إمارات عربية متحدة - أبوظبي
   الجمعة 05/08/2011
أشكر الأستاذ طاهر على هذا المقال القيم. أنا أدير موقعاً على الإنترنت عن الأديب علي أحمد باكثير (bakatheer.com) وأرغب في التواصل مع الأستاذ طاهر إذا تكرم. أرجو التواصل معي عبر البريد الإلكتروني: zubaidi@bakatheer.com ولكم موفور الشكر.