مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

علاقة الأخوة في العصر الجاهلي

أخوة القرابة في الأصل من أقرب القرابات وأوثقها صلة ووشيجة، وقد أوضح الشاعر الجاهلي حاجته إلى أخيه في السراء والضراء. يقول عبيد بن الأبرص:
إني امرؤ في الناس ليس له أخ
              إما يسر به وإما يغضب
ويقول قصي بن كلاب مصوراً اعتزازه بأخيه وامتناعه به:
رزاح ناضري وبه أسامي
         فلست أخاف ضيماً ما حييت
فإحساسهم بأخوة الدم لا يقل عن إحساسهم بالأبوة، كما تشير على ذلك مأثوراتهم وتجاربهم، فهذا أحدهم يقتل ابن أخيه فيحجم الأب عن الثأر لابنه من أخيه على ما للثأر عندهم من قداسة، ثم يقول في تبرير إحجامه  عن ذلك:
أقول للنفس تأساء وتعزية
         إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه
      هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وقد سجل دريد بن الصمة تفوق علاقة الأخوة على علاقة الزوجية حين قال بعد تطليقه لزوجته انتصاراً لكرامة أخيه:
أعبدالله إن سبتك عرسي
         تقدم بعض لحمي فوق بعض
إذا عرس امرئ شتمت أخاه
            فليس فؤاد شانيه بحمض
معاذ الله أن يشتمن رهطي
          وأن يملكن إيرامي ونقضي
ومما يعكس تفوق الحس الأخوي عندهم أن أكثر مراثيهم في إخوتهم. وفي موقف المهلهل من أخيه ما يوضح متانة هذه العلاقة، فعندما قتل كليب جز المهلهل شعره وقصر ثوبه وآلى على نفسه ألا يهتم بلهو ولا يشم طيباً ولا يشرب خمراً ولا يدهن بدهن حتى يقتل بكل عضو من كليب رجلاً من قاتلي أخيه، وقد صور احتشاده للثأر في هذه الأبيات التي عاهد كليباً فيها على ترك كل ملذات الحياة حتى يأخذ بثأره. يقول:
خذ العهد الأكيد عليّ عمري
              بتركي كل ما حوت الديار
وهجري الغانيات وشرب كأس
                 ولبسي جبة لا تستعار
ولست بخالع درعي وسيفي
            إلى أن يخلع الليل النهار
وكذلك كانت محبة الأخت لأخيها قوية طاغية كما يشهد بذلك رثاءها العميق له، وفي شعر الخنساء في أخيها صخر ما يكفي للدلالة على قوة هذه المحبة وتفوقها، فقد عبرت عن حبها له في قصائد كثيرة تصاعدت من قلب مقروح ونفس حزينة متوجعة، على حين لا نجد لها شعراً ذا بال في ذويها وأحبائها، فقد خصت أخاها بصادق فنها ومرهف مشاعرها، وقد لاحظ ذلك أحد معاصريها فقال لها:
ما مدحت أخاك حتى هجوت أباك. فقالت في معرض الرد:
جاري أباه فأقبلا وهما
               يتعاوران ملاءة الحضر
حتى إذا نزت القلوب وقد
              لزت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف الناس أيهما
         قال المجيب هناك لا أدري
برزت صفيحة وجه والده
         ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه
            لولا جلال السن والكبر
وهما كأنهما وقد برزا
         صقران قد حطا على وكر
وعلى الرغم من أن الشاعرة أنشدت هذه الأبيات لتدفع بها ظنة التعاطف مع الأخ على حساب الأب، فإنها لم تزد على أن ساوت بين أبيها وأخيها وجعلتهما في مرتبة واحدة مع أن حق الأب يقتضي التقديم، بل لقد ذهبت إلى أكثر من ذلك فجعلت الابن يسبق أباه وإن اعتذرت للأخير عن التخلف عن صنوه بسبب جلال السن وفعل السنين.
وإذا كان هذان الشاعران مثلاً عالياً في عمق الإخاء فإن المنهج العام لعلاقة الأخوة في الجاهلية يجري على هذا السنن من القوة والأصالة. وقد سجل الشاعر الجاهلي مظاهر حبه لأخيه في مختلف الأحوال والمواقف والصور، وألم في تصوير شعوره نحوه بكل المعاني والأوامر التي تنطوي عليها الأخوة، كالانتساب والقرب والألفة والاتحاد والنصح والصلة والمناصرة والمواساة والمودة والارتياح والأنس.
1- فهذا أحد الشعراء الجاهليين يصور ما يجري بينه وبين أخيه من حق وباطل تصويراً واضحاً في أبيات جميلة وصفت بأنها تصلح للحفظ، لما فيها من شرف اللفظ وحسن الرونق وصحة المعنى، فهو يناجي أخاه في الحق وفي الباطل ويدل عليه لوثوقه من محبته فيفرط عليه ويتجرأ، ويسوؤه ما يسوؤه ويذود عنه بروحه ويدافع عنه بكل ما يملك. يقول:
أناجي أخي في كل حق وباطل
                   وأرغمه حتى يمل ملائلي
فإن رامه بالظلم غيري وجدتني
             له باذلاً من ذات نفس مقاتلي
فأظلمه جهدي وأتبع ظلمه
              بجهد ولا أخليه شحمة آكل
فإن سيم خسفاً أو هواناً تربدت
              قسائم وجهي واعترتني أفاكلي
وخضت غمار الموت دون مناله
            حفاظاً ولم أسلم أخي للمناضل
2- ويصور كعب الغنوي شحوب جسمه وضآلته بسبب حزنه الشديد على أخيه أبي المغوار، وما صاحب ذلك الحزن من عزوف عن الطعام والشراب وكأن الطبيب أمره بالحمية الأمر الذي جعل زوجته تسأله عن أسباب هذا الشحوب، فيجيبها على ذلك بأنه حزين على إخوانه، ثم يعبر عن حبه لأخيه فيتمنى لو استطاع أن يعيد إليه الحياة مقدماً عينيه أو إحدى يديه ثمناً وفداء لما تمنى، ثم يشير إلى سبب تعلقه بأخيه فيذكر أنه كان سنده ومعينه على نوائب الدهر. يقول:
تقول سليمى ما لجسمك شاحباً
                   كأنك يحميك الطعام طبيب
فقلت ولم أعِيَ الجواب ولم ألح
              وللدهر في صم السلام نصيب
تتابع أحداث تخرمن إخوتي
              فشيبن رأسي والخطوب تشيب
فلو كانت الدنيا تباع اشتريته
              بما لم تكن عنه النفوس تطيب
بعيني أو إحدى يدي وقيل لي
             هو الغانم الجذلان حين يؤوب
أخ كان يكفيني وكان يعينني
               على نائبات الدهر حين تنوب
3- ويعبر أبو العيال الهذلي عما يكنه لأخيه من أمه عبد بن زهرة من مشاعر الود والإعجاب، فيشيد بشجاعته ويصور الحزن يصيب رأسه بالصداع وجسمه بالألم، ويصور عينه تذرف الدمع غزيراً كأنه سيل يتسرب من مزادة مثقوبة، ثم يصور ليله كئيباً لأن الذكريات تتوافد عليه فيه، ولأن فراغه في الليل يسلمه لهواجسه وبلابله، ثم يشير على أسباب وجده به وحزنه عليه وهي قرابة المودة التي وكدت أسبابه به، فصار أخاً خالصاً له من دون أقربائه وبني عمومته. يقول فيها:
على عبد بن زهرة طـو
              ـل هذا الليل أنتحبُ
أخ لي دون من
         لي من بني عم وإن قربوا
طوى من كان ذا نسب
                 إليّ وزاده النسبُ
أبو الأضياف والأيتام
                   ساعة لا يُعد أبُ
4- ويصور دريد بن الصمة مواساته لأخيه وموقفه منه في الميدان وإجابته حين دعاه، حين ذكر أن أخاه لما دعاه إلى نجدته وسط المعمعة هب إليه مسرعاً ولم يتريث عنه لأنه أخوه الذي تربى وإياه في حجر أم رؤوم نشأتهما على الحب والصفاء والعطف والحنان، فلما وصل إليه وجد الرماح تتناوله من كل جانب. ولها خشخشة ووقع كوقع صياصي الحاكة في ثوب ينسج، ففزع وحزن لهذا المنظر المروع كما تفزع الناقة لذبح ولدها وحشو جلده تبناً لخداعها وإدرارها اللبن، فطاعن عنه الخيل حتى تبددت بعد أن بذل جهداً كبيراً أحال لونه إلى سواد، ولا غرو في ذلك فقد كان طعانه من أجل أخيه وهو عديل نفسه، معرضاً نفسه للهلاك الذي لن ينجو منه أحد. يقول:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه
                فلما دعاني لم يجدني بقعدد
أخ أرضعتني أمه بلبانها
                   بثدي صفاء بيننا لم يجدد
فجئت إليه والرماح تنوشه
         كوقع الصياصي في النسيج الممدد
وكنت كذات البوِّ ريعت فأقبلت
                   إلى قطع من جلد بوٍّ مجلد
فطاعنت عنه الخيل حتى تنهنهت
              وحتى علاني حالك اللون أسود
طعان امرئ آسى أخاه بنفسه
و                    يعلم أن المرء غير مخلد
5- ومن إعجاب الشاعر بفتوة أخيه قول معية بن الحمام المري في أخيه الحصين بن الحمام: «إن أخي لا مثيل له بين الناس، فهو أعظمهم مهابة وأعزهم ركناً وأصلبهم عوداً في الشدائد والخطوب، ومن يمن طالعي أن هذا الشجاع الفرد أخي الشقيق وابن أمي الموافق لي في السراء والمواسي لي في العزاء وحين البأس» يقول:
إذا لاقيت جمعاً أو فئاماً
              فإني لا أرى كأبي يزيدا
أشد مهابة وأعز ركناً
         وأصلب ساعة الضراء عودا
صفيي وابن أمي والمواسي
       إذا ما النفس شارفت الوريدا
6- ولعل أقسى ما يمتحن به المرء أن يرى أخته في محنة ولا يستطيع إنقاذها، وقد عاش عمرو بن معديكرب هذه التجربة وصورها في أبيات شاكية حزينة أنشدها في أخته ريحانة حين سباها الصمة الجشمي، وكان أغار على زبيد في قيس فاستاق أموالهم وسبى ريحانة وانهزمت زبيد من بين يديه، وتبعه عمرو وأخوه عبدالله بن معديكرب وهو يناشده أن يخلي عنها له فلم يفعل، فلما يئس منها ولى وهي تناديه بأعلى صوتها يا عمراه فلم يقدر على انتزاعها فقال في أسى وحسرة:
أمن ريحانة الداعي السميع
              يؤرقني وأصحابي هجوع
سباها الصمة الجشمي غصباً
              كأن بياض غرتها صديع
وحالت دونها فرسان قيس
         تكشف عن سواعدها الدروع
7- ومن إعجاب المرأة بأخيها تقول أم جميل بنت حرب في أخيها أبي سفيان مبينة مكانته بين قومه، حيث جعلته سيد سادات العشيرة المقدم فيها بالرياسة والقيادة في جميع أحوالها، فهو رئيسها في النوائب والخطوب وقائدها في الحل والترحال، وقد ورث المكارم كابراً عن كابر، فكان في نظرها أعلى الناس مقاماً وأعظمهم شرفاً وأسخاهم يداً. تقول:
زين العشيرة كلها
              في البدو منها والحضر
ورئيسها في النائــ
         ـبات وفي الرحال وفي السفر
ورث المكارم كلها
                   وعلا على كل البشر
ضخم الدسيعة ماجد
                يعطي الجزيل بلا كدر
8- وتصور الخنساء تعلقها الشديد بأخيها صخر وحزنها العميق عليه، فتعاهده أن تظل مرتبطة بذكراه حتى الممات، وكيف تنساه وكل ما حولها يذكرها به، فقد كان لها الدنيا بأسرها، فهي تتذكره صباح مساء، وإن جزعها عليه ليدفعها إلى التفكير في قتل نفسها، ولولا مشاركة الكثيرين معها في مثل هذه المحنة لما ترددت في ذلك، فقد فارقت بفقده بهجة الحياة وأنسها ولم يترك لها غير التحسر والأسى. تقول:
ألا يا صخر لا أنساك حتى
              أفارق مهجتي ويشق رمسي
يذكرني طلوع الشمس صخراً
                وأذكره بكل مغيب شمس
فلولا كثرة  الباكين حولي
              على إخوانهم لقتلت نفسي
فقد ودعت يوم وداع صخر
                 أبي حسان لذاتي وأنسي
فيا لهفي عليه ولهف أمي
          أيصبح في الضريح وفيه يمسي
9- ولما كان الإنسان الجاهلي في أغلب الأحيان باراً بأخيه محباً له، فقد كان كذلك على جانب كبير من البر بأبناء أخيه. ويشير حجية بن المضرب إلى أسباب حبه لأخيه ووفائه له من خلال بره ببني أخيه وإيثارهم على أولاده الذين من صلبه، فيقول مخاطباً زوجته الغاضبة عليه لأجل ذلك: ÷كيف أبخل عليهم وأنا أتذكر بهم من لو كان حياً وأتيته مسلوباً لسواني بنفسه وأعانني ما استطاع، هو أخي ومن إذا ناديته لم يقعد عن نصرتي، وإن غضبت غضباً يؤدي إلى اشتعال نار الحرب حارب من يحاربني، فأنا بذلك مدين له بكل ما أملك، فإذا هلك مال بني أخي رحمتهم وواسيتهم وذلك حق واجب علي. يقول:
بني أحق أن ينالوا سغابة
              وأن يشربوا رنقاً لدى كل مشرب
ذكرت بهم عظام من لو أتيته
                   حريباً لآساني لدى كل مركب
أخي والذي إن أدعه لملمةٍ
         يجبني وإن أغضب إلى السيف يغضب
رحمت بني معدان إذ ساف مالهم
                   وحق لهم مني ورب المحصب
10- وإذا كان الإخوة في عمومهم على هذا المستوى من الألفة والنصرة فإن قليلاً منهم انحرف قليلاً عن هذه الجادة، الأمر الذي ألجأهم إلى المعاقبة والتشكي.
ويعاتب ضمرة بن أبي ضمرة أخاه على ظلمه له وتحيفه لحقه وجوره على حقوق إخوته، فهو لا يذكره إلا عند الشدائد ولا يدعوه إلا عند الكريهة، وهو يضيق بهذا الظلم حتى إنه ليضيق بالإقامة معه. يقول:
يا جندب أخبرني ولست بمخبري
              وأخوك ناصحك الذي لا يكذب
هل في القضية أن إذا استغنيتم
                      وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرة
                  أشجتكم فأنا المحب الأقرب
ولجندب سهل البلاد وعذبها
                  ولي الملاح وحزنهن المجدب
عجباً لتلك قضية، وإقامتي
                 فيكم على تلك القضية أعجب
هذا لجدكم الصغار بعينه
                   لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
تقول ثريا عبدالفتاح: ÷والحقيقة أن حب الأخ عندهم لم يكن بأقل من حب الابن، وبخاصة حين يكون سيداً بين قومه فارساً منجداً أو عمدة أهله وأخيه.


ذو صلة
التعليقات