مجلة شهرية - العدد (506)  | ربيع الأول 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

ألف ليلة وليلة في التشكيل والرسم

التشكيل كغيره من الفنون يتمحور حول النص، ذلك أن النص تعريف لا يتعلق بالكتابة فقط، بل يشمل كل أشكال التعبير الممكنة سواء بالكتابة أو التصوير وكذا الموسيقى وأشكال التعبير المحتملة، ولقد كانت (ألف ليلة وليلة) ولا تزال منبعاً ومصدراً يستلهم منه مئات من المصورين والموسيقيين والقصاصين والروائيين والمسرحيين بعض إبداعاتهم.

من منطلق وحدة الفنون امتلك مبدعو (ألف ليلة وليلة) من الوعي التشكيلي ما وسع وعمق وأثرى نصوصهم الأدبية رغم أن أداءهم في التعبير الفني كانت الكلمة، إلا أنها لم تكن مجرد أداة تقريرية مباشرة، بل كانت تشكيلية في المقام الأول ولذلك كان من السهل على القارئ أن يتخيل نصوصهم بالصورة التشكيلية أكثر من فهمه المباشر للكلمة المجردة، مما يدل على أن عبقريتهم احتوت معظم آفاق التعبير الفني فاتخذت عناصر وملامح واتجاهات ارتادت معظم الاتجاهات التشكيلية، كالكلاسيكية والرومانسية والواقعية والانطباعية والسريالية وغيرها، ولعل من أسرار الجاذبية العالمية ذلك الخيال الجامح الذي وصل للقراء من خلال الصور التشكيلية المتخيلة وإعادة إنتاجها بصرف النظر عن اللغات التي ترجمت إليها.
إن قيم وعناصر الفن التشكيلي كما تمثل في وحدة العمل الفني والخط والمساحة واللون والشكل والأرضية والكتلة والنسب والضوء والتوزيع والتوازن والصياغة لا تتأثر كثيراً بالترجمات. ويرى الدكتور عمر عبدالعزيز في دراسته (عن التعابير الفنية المتوارية) بمجلة الدوحة أن من يتأمل لوحات ألف ليلة وليلة سيدرك أهمية توظيف نصوصها المكتوبة بسخاء عند كبار الفنانين التشكيليين في الحركة التشكيلية العربية والعالمية المعاصرة فليس من الغريب أن يطور السينمائيون العالميون أفلاماً عبر فقه نصوص ألف ليلة وليلة بأفكارها العربية والشرقية وعوالمها، وليس غريباً أيضاً أن تتسع رؤى الفنون ومنها الفن التشكيلي لذلك فالقيمة الأساسية في الليالي قيمة تشكيلية كما هي قيمة أدبية، ولعل عبقرية مبدعيها ترجع إلى قدراتهم الواعية واللاواعية على مزج قدرات التجسيد الأدبي بالقيم والعناصر التشكيلية وهو ما تبلور بعد ذلك بقرون عديدة فيما عرف بنظرية وحدة الفنون ولذلك فالليالي تعتبر ثورة أدبية وتشكيلية في نسيج الأدب العربي منذ بداياته الجاهلية قبل أكثر من ستة عشر قرناً، ولعل الحضارة العربية قد أشعلت خيال الأدباء والفنانين الذين تبدو بغداد مثلاً في قصصهم كلوحات متتابعة من الفن التشكيلي الموصوف بالكلمة والذي أوحى بعد ذلك لفنانين ومستشرقين وتشكيليين بتحويل الوصف المكتوب إلى صور مرئية منفذة، ولعل النقد السوسيولوجي لليالي يوضح لنا من خلال الصور الأدبية نوعية المجتمع العباسي ذروة الحضارة والأبهة والجمال وتحوله إلى صور تشكيلية فهناك نهر دجلة الذي يبدو في ضوء القمر كنهر من فضة والأشجار التي تتمايل عليه والحدائق التي وصفت بدقة لا مثيل لها في أماكن أو بيئات أخرى وكذلك القصور التي وضعت بدقة سواء في الداخل أو في الخارج بكل تفاصيلها، من خلال الصور الموحية التي أبدعتها مخيلة هؤلاء الفنانين، من ناحية أخرى احتلت ثنائية الواقع والخيال مساحة عظمى في الفكر الإبداعي الإنساني واتجه الابتكار التشكيلي نحو آفاق لانهائية تضيق فيها المساحة بين الواقع والخيال إلى أدنى درجة لما يمثل تيار (الواقعية السحرية) الإبداعي الذي انتشر مؤخراً في الحركة الفكرية العالمية لاسيما الأدبي منه بداية من أمريكا اللاتينية تأثراً بجواهر ألف ليلة وليلة حتى ردت إلينا عطيتنا على صعيدي الكلمة والصورة، غير أن تأثير الليالي في الفن التشكيلي جاء متأخراً بدليل أن اهتمام التشكيل الغربي قبل ترجمة جالان لليالي (1704م-1717م) كان يستلهم موضوعات دينية قديمة من التراث الإغريقي الروماني قبل ذلك يمكن تتبع ملامح الليالي في التصوير الإسلامي العربي والفارسي والتركي والهندي أو في الخط العربي والمنمنمات الإسلامية عامة. بعد ترجمة جالان وما تلاها من ترجمات لمختلف اللغات الأوروبية كثرت الرسوم التزيينية والتوضيحية التي رافقت معظم طبعات الترجمات أسهم فيها مئات الفنانين التشكيلين باختصاصاتهم المختلفة، ويرى الدكتور محمود شاهين أن الاستشراق في الفن التشكيلي العالمي ظاهرة مستمرة وليست جديدة ولم تتوقف حتى الآن، وأن الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون كان يردد دائماً أن الليالي كانت أول الطريق إلى الاستشراق وانتشار حركته فقد كان الوطن العربي ومنذ بروز الحضارة الإسلامية ومازال محط اهتمام الفنانين التشكيلين العالميين الذين وجدوا فيه ملاذاً آمناً لأرواحهم ومعيناً لا ينضب لإلهاماتهم وإبداعاتهم بينهم رواد وأعلام كبار مثل : ديلاكروا، بول كلي، كاند ينسكي، بيكاسو، ماتيس وغيرهم الكثير، بعضهم زار ومكث في بعض الدول العربية، وبعضهم الآخر تواصل معها عبر من زارها من الفنانين والرحالة والدبلوماسيين إما شفاهة أو من خلال الكتب والدراسات والأعمال الفنية التي وضعوها بتأثير من هذه الزيارات أو عبر الترجمات التي تمت لأمهات الكتب ومنها (ألف ليلة وليلة) إلى اللغات العالمية، ويرى الدكتور ثروت عكاشة أن مصدر إلهام الكثير من التشكيليين الأوروبيين كان إسلامياً كما أن عالمهم الخيالي مستمد من الليالي فقد رسموا بعيونهم وألوانهم لوحات عديدة من وحيها بعد أن وجدوا في المشرق مادة غنية لفنهم كما وجدوا في سحره المفعم بالحكايات والأساطير والغموض المثير نبعاً تموج به الحياة وتتجدد فتحول المشرق إلى وحي وملهم فتناولوا في إبداعاتهم المساجد والحارات والفروسية والصحاري والطبيعة والإنسان العربي والمدن كالقدس ودمشق والقاهرة وبغداد وبيروت إضافة إلى تصوير القيان والحريم ومشاهد الطرب، رصدوا كل ذلك بلغة فنية كلاسيكية رصينة شديدة الإتقان تذكر بالمعلمين التشكيليين الكبار الذين وصلوا في فنهم إلى تقنية عالية في تصوير الواقع وصلت إلى حد الإعجاز على أن الفنان الفرنسي فرديناند فيكتور أوجين ديلاكروا (ولد 26 إبريل 1798م- توفي 13 أغسطس 1863م) وهو زعيم الرومانسيين كان أكثر اهتماماً بتتبع أسرار الشرق العربي، وفتحت الليالي آفاق مخيلته الرحبة فسافر إلى طنجة ومكناس بالمغرب وإلى وهران بالجزائر وأقام فيها فترة يشحن ذاكرته ويزود خياله ويغذي وجدانه بما شاهده وعايشه عن كثب فبقي ينهل من كنوز ما ادخره في إقامته حتى نهاية حياته تاركاً أروع اللوحات الشرقية العربية، ومنذ العام 1870م لم يعد الفن الاستشراقي مقتصراً على الفرنسيين والبريطانيين فاستقبلت باريس عدداً كبيراً من الفنانين الأوروبيين والأمريكان، والحقيقة أنه كان للشرق جاذبيته الخاصة بوصفه عالم أساطير شهرزاد وألف ليلة وليلة الذي يفسر العلاقة الرومانسية بالمرأة كرافد جمالي مثير للإبداع، ومما لاشك فيه أن فكرة الحريم كانت تعابث خيالهم كلما تذكروا الشرق وحقيقة البيوت المغلقة من الخارج المفتوحة على إيوان تطل منه السماء من الداخل، ولقد حاول ديلاكروا الارتقاء بصورة المرأة كنموذج إنساني يحتفظ بلهبه التاريخي، فالمرأة الشرقية المحجبة تجسد بعداً خفياً عسيراً على الإدراك لكنها تمثل جاذبية خاصة، وإذا كان عدد من الفنانين الغربيين قد حاولوا فك رموز الحريم الشرقي إلا أن دولاكروا كان الوحيد الذي وافته الفرصة التاريخية لرؤية الحريم بالجزائر فأدرك ماهية الشرق الحقيقي في أكثر عناصره غموضاً وسحراً فشرع في رسم لوحته المشهورة (نساء الجزائر) عام 1834م من وحي ألف ليلة وليلة معتمداً على ذاكرته والاستكشافات (الدراسات الأولية التمهيدية)، فشخصية المرأة الشرقية تنضح شاعرية ورهافة ورخاء يذكرنا بعالم (ألف ليلة وليلة)، هذا الكتاب الذي كان أول الطريق إلى الاستشراق، وترى مي الحسيني أن لوحة (نساء الجزائر) من أجمل اللوحات العالمية كما وصفها رينوار حيث قال: «إن المرء عند وقوفه أمامها تغمره السعادة وكأنه في الجزائر بكل أجوائها الساحرة». ولقد أثارت الدهشة والإعجاب لدى الكثيرين فدعتهم لدراستها ونقدها وتحليلها حيث وصفها جوستاف بلانش بأنها أشبه بقصيدة، فقد دون دولاكروا بريشته أدق التفاصيل والتقاليد، فعبرت وجوه النساء عن الوقار وعكست الانتماء الطبقي البرجوازي بملابسهن وحليهن الفخمة، كما ركز على الإضاءة لنقل ذلك الجو الحقيقي الهادئ، ولدى لاكروا العديد من اللوحات المحفوظة في متحف اللوفر وغيره، من أشهرها (الحرية تقود الشعب) التي رسمها عام 1830م و(سلطان المغرب) عام 1845م، ومن أجواء ألف ليلة وليلة استوحى بيير أوجست رينوار (25 فبراير 1841م – 3 ديسمبر 1919م) رائد المدرسة الانطباعية، وهنري ماتيس (1869م – 1954م) أكبر أساتذة المدرسة الوحشية fanvisme وإنجر ودى كامب أجمل لوحاتهم من ألف ليلة فرسموا الجواري والجميلات، كما استوحى فان دونجن لوحته المعروفة (راقصة شرقية) وشكل إنج تيسييه من شخصية شهرزاد لوحات فنية زيتية مشعة بالجمال والأنوثة، أما الرسام والنحات جان ليون جيروم (11 مايو 1824م – 10 يناير 1904م) يعد أبرز المستشرقين الذين قدموا إلى الشرق في القرن التاسع عشر ومجموعة رسوماته تتناول أساطير تاريخية إغريقية وشرقية ولقد طبقت شهرته الآفاق كما قام برحلة طويلة عام 1868م إلى مصر وآسيا الصغرى وزار في القاهرة الجوامع الأثرية وصور الكثير من العمارة الإسلامية، ولعل أشهر لوحاته المستلهمة من ألف ليلة لوحاته (سوق الرقيق) Amédée Thierry طبقاً للدكتورة سهير القلماوي في دراستها الرائدة (ألف ليلة وليلة) التي نالت بها درجة الدكتوراه ونشرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2010م، كذلك من أهم لوحاته (حمام الحريم) و(امرأة شرقية) ولوحته King Cardaules.
وطبقاً للباحث إبراهيم كامل أحمد تأثر الرسام الأمريكي روبرت سوين جيفورد (1840م-1905م) بحكاية السندباد البحري عن حادثة كسر بعض التجار لبيضة الرخ ذلك الطائر الخرافي العملاق فأبدع لوحته (بيضة الرخ) TheRoc,s Egg عام 1874م وهي بالألوان المائية على الورق ومعروضة في متحف فرانسورث للفن Frans Worth ArtMuseu m بمدينة روكلاند بولاية (مين) وقد أهدت اللوحة للمتحف السيدة دوروثي هيس عام 1959م، ويذكر الدكتور عفيف بهنسي أن الفنان السويسري التجريدي بول كلي (1879م -1940م) تمسك بأسلوب فردي تتفاعل فيه تأثيرات عدة وخاصة الفن العربي، طالع كلي كتب الشاعر داخله وخاصة (الديوان الشرقي للمؤلف الغربي) الذي حفل بصورة الصوفية، كما زار تونس والمغرب وكانت زيارته بمثابة الحلم المعرفي للتعرف عن كثب على الحضارة الإسلامية وللتعرف على الضوء في بلاد الشمس التي انعكست في أعماله حينها، وعلى حد تعبير الفنانة التشكيلية والباحثة اللبنانية سوزان شكرون في مقالتها المنشورة بمجلة العربي العدد 622 بعنوان (الفنون الحديثة ومصادرها القديمة): «تسنى لبول كلي حضور أحد الأعراس العربية التي رأى فيها ألف ليلة وليلة، فقد كانت الحياة بالنسبة له بعد زيارته الدول العربية أشبه بالقصص الخرافية». ولقد كشفت مذكراته عن مدى ارتباطه الوثيق بحضارة وسحر الشرق وقصص ألف ليلة. كتب الناقد (بيزومب) في كل مرة يشعر فيها الغرب بالفراغ يتجه إلى الشرق، ويرى الدكتور كاظم شمهود بالعدد 2165 مجلة اليوم الإلكترونية أن زيارة كلي للدول العربية كانت أشبه بالقصص الخيالية، فقد كان مبهوراً ومسحوراً، فقد عثر على مبتغاه ووجد نفسه فجاء في مذكراته.. ومع ذلك فقد كانت جد واضحة أنها قصة من حكايات الليالي تقبع في أعماقي إلى الأبد. ويرى هربرت ريد في كتابه (حاضر الفن) أن عالم بول كلي عالم فكري ساحر مختلف عن أي عالم، عالم أشباح وأقزام وعفاريت وموسيقى، وفي العام 1928م زار مصر وقام فيها ببعض دراسات مهمة كتبها في مجلة (الباو هاوس) بعنوان: (تجارب دقيقة في مجال الفن) حيث تحدث عن الضوء والألوان والأحياء القديمة وأثرها في أعماله حيث سجلت بصورة حاسمة ناضجة، وطبقاً لغروهمان استفاد من الخط العربي وجمالياته ووظفه في إبداعاته مثل لوحة (عالم هاربور) كأول محاولة أوروبية لتطويع الحرف العربي في الرسم الحديث مما أثر في الفنان الأسباني المعروف خوان ميدو وعدداً آخر مثل يوما يستد وتوملان مما أسس أسلوباً ومدرسة جديدة قامت على دعائم وركائز شرقية لفتت أنظار فناني الغرب والشرق إلى المنجم الحضاري والقيم الجمالية التي تملكها الحضارة العربية.
وقد قام الرسام هـ، ج فورد H.J. ford برسم لوحته (التاجر والعفريت) عام 1898م من ضمن لوحات أخرى توضح الحكايات وهي منفذة بأسلوب الحفر Engraving وهي مستلهمة من حكاية (التاجر والعفريت) وتأتي في الصفحات الأولى من (ألف ليلة وليلة) وهي كذلك تبدأ في الليلة الأولى.
الفن الأمريكي
في مطلع القرن الماضي كان الفنان الأمريكي ماكس فيلد باريش أحد ثلاثة فنانين الأكثر شعبية في العالم اعتماداً على نسبة مبيعات إبداعاتهم بعد فان جوخ وبول سيزان وبحلول عام 1925م كان بالإمكان رؤية لوحات باريش في واحد من كل أربعة بيوت أمريكية فقد كانت سماواته الزرقاء اللامعة وطبيعته القشية وشخصياته الحالمة علامة فارقة أثارت مخيلة الناس لزمن طويل وتتكرر في لوحاته المناظر الرعوية والنساء الحالمات والغروب الأرجواني وعندما كانت إحدى لوحاته توضع في حالة العرض كان الجمهور يتقاطر بالآلاف لمشاهدتها، كانت موهبته غير عادية في استخدام الألوان وخلق عوالم فانتازية، برع على وجه الخصوص في توظيف اللون الأزرق الذي يميز لوحاته بظلاله المختلفة والمتدرجة من اللازوردي والنيلي والأزرق، من أهم لوحاته (الفجر) Day break وكانت في وقتها أكثر شعبية من لوحات وارهول ودافنشي، وتميز باريش في كثير من اللوحات مثل (ملك الجزر السوداء) و(النجوم) و(عازف العود) و(حدائق الله) كما ظهرت رسوماته الإيضاحية في كثير من الروايات أشهرها (ألف ليلة وليلة) و(سندريلا) واجتذبت لوحاته ومازالت كبار الموسيقيين الذين وظفوها في تزيين أعمالهم الموسيقية مثل إينيا ومايكل جاكسون وإلتون جون وغيرهم.
لوحات شهرزاد وسندباد
كانت شهرزاد مثالاً للمرأة المتمردة على علاقات مقاصير الحريم ونظمها وقوانينها وضوابطها، ومثالاً للمرأة الشهوانية المثيرة التي تفضح وتعري بنات جنسها وتصف أدق خصوصياتهن في علاقاتهن مع الرجل، فسحرت شهريار وخلبت لبه بحكاياتها وكانت قد قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك وأخبار الأمم وقيل إنها جمعت ألف كتاب من كتب تاريخ الأمم السابقة والملوك الخالية والشعراء ففتنت المبدعين من الأدباء الموسيقيين والرسامين وألهمتهم أعمالاً رائعة أثرت تراث الإنسانية وفي الوقت نفسه ظلت مثالاً للجمال الشرقي والمعرفة والحكمة والذكاء وبدا لهم ذلك أقرب إلى الأسطورة فاستوحوا من شخصيتها أجمل اللوحات، ويرى الدكتور محمد عبدالرحمن يونس في مقالته (ألف ليلة في آداب الأمم والشعوب) بمجلة الكويت العدد 272 أن رحلات السندباد البحري كانت بعوالمها الغرائبية والسحرية معيناً لا ينضب وقادراً على أن يشكل مزيداً من اللوحات فاستوحى الفنان فان دونجن لوحته المعروفة (راقصة شرقية)، كما شكل ِإنج تيسييه من شخصية شهرزاد لوحات زيتية مشعة بالجمال والأنوثة، كما استمرت الصور الشعبية المستلهمة من خلال كمية كبيرة من روايات الرحالة والأعمال الأدبية وقصص المغامرات عن نساء وأطفال ألف ليلة طبقاً للباحث علي النويشي، أما اللوحة الشهيرة (الحمام التركي) للفنان الفرنسي أنجر فهي في رؤية مهند عبدالحميد في قراءته لكتاب (شهرزاد ترحل إلى الغرب) إصدار المركز الثقافي العربي بيروت 2007م والمنشورة على الإنترنت بتاريخ 2/10/2008م – هي رسم لجمهرة وصيفات عاريات يكشفن بواطن جمالهن ونظافتهن وهن يستحممن وقبلها لوحة (الوصيفة الكبرى) وهي امرأة مستسلمة ترفل في بذخ مزخرف يحفها الحرير والريش والفرو، كما تنتمي لوحة (الوصيفة ذات السروال الأحمر) للفنان ماتيس لذات المنطق.
من بين الرسامين الذين فتنتهم شهرزاد أيضاً الرسام الدنماركي كيي راسموس نيلسن (1886م-1857م) الذي خصها بلوحة وهي تحكي حكاياتها الآسرة للملك شهريار، كما رسم عشرين لوحة بألوان الجواش مستوحاة من الليالي في الفترة من 1918م – 1922م يتضح فيها تأثره بالمنمنمات الفارسية وكانت هذه اللوحات لتزيين كتاب الليالي الذي ترجمه آرثر كريستنسن ولكن المشروع توقف مؤقتاً نتيجة لارتفاع تكلفة النشر في الدنمارك في أعقاب الحرب العالمية الأولى ولم تطبع تلك اللوحات إلا بعد عشرين عاماً من وفاة الرسام فطبعت في أمريكا عام 1977م بعنوان (اللوحات المجهولة لكيي نيلسن).
كما أصدر لين ثورنتون كتاب (النساء في لوحات المستشرقين) درس خلاله أبرز لوحاتهم التي تعكس تفاصيل الشرق بداية من ظهور (ألف ليلة وليلة) ولعل من أشهر اللوحات التي جسدت المرأة لوحة (بعد الشروق في مصر) للمستشرق ويليام هولمان هنت كذلك ركزوا على النساء اللاتي حملن على الهودج الأبيض في مصر أو صحراء سيناء ولم يغفلوا عن مسألة النظافة الجسدية لديهن وذكروا بمزايا الشرق والمسلمين وأن الإسلام يدعو إلى النظافة فتطرق إلى الحمامات العامة واهتمام نساء الشرق به وكيف أنهن كن يذهبن إليه لتنظيف أجسادهن وغسلها ونقشها بالحناء وقد رسم إيتان ليوتارد عام 1742م إحدى اللوحات المبكرة التي تصور امرأة في الحمام عنوانها (امرأة ألمانية في ثوب تركي وخادمتها).
 لوحات سلوفاكية
في العام 2008م شهدت العاصمة السلوفاكية برتسلافا احتفال الأوساط الثقافية بنشر الترجمة الكاملة لألف ليلة وليلة في طبعة مذهبة فاخرة بحضور وزير الثقافة ومديرة دار إيكار للنشر ولفيف من أبرز السياسيين والمثقفين والإعلاميين وأيضاً مترجم الكتاب البروفسير يان ياوليني أستاذ الأدب العربي بكلية الفلسفة بجامعة كومنيوس بيتسلاف وكانت وزارة الثقافة السلوفاكية قد قررت تمويل نشر الترجمة إلى اللغة السلوفاكية ثاني أهم إنجاز لدار النشر بعد الكتاب المقدس، هكذا قالت مديرة دار النشر، نشرت الترجمة في سبع مجلدات فاخرة ومذهبة ولأول مرة يستخدم نوع خاص من الحرير المزخرف بأشكال شرقية مصنوعة في ألمانيا كغلاف الكتاب وكل مجلد يحتوي على العديد من اللوحات القيمة قام برسمها سبعة من أشهر الرسامين بعد أن قرأ كل منهم مجلداً كاملاً فجاءت الرسومات معبرة عن تفاعلهم الفني مع النص وبلغ سعر المجموعة للسبع مجلدات ثلاثمائة يورو وحتى إبريل 2008م اشتراها ألف وخمسمائة شخص ولا يزيد السكان عن خمسة ملايين ونصف نسمة بمعنى آخر بلغت مبيعات كتاب الليالي خلال شهرين فقط مبلغ أربعمائة وخمسين ألف يورو وبالنسبة لتعداد سلوفاكيا فهذا المبلغ كبير جداً.
التشكيل العربي
في ثلاثين لوحة قدم الفنان السوري سعد يكن مشروعه عن ألف ليلة وليلة وتتمثل مجموعته في ثلاثين لوحة مأخوذة في الأصل عن الحكايات وتمثل لوحاته إعادة صياغة لقصص ألف ليلة وهي ليست لوحات أو وسائل إيضاح إنما إبداع جديد يبتعد أيضاً عن مفهوم الاستشراق لذلك لم يستخدم قيها زخرفة أو عناصر تفصيلية كتلك التي استخدمها المستشرقون الأوروبيون وعلى نحو خاص أخذ الحدث واعتبره حدثاً درامياً من خلال القصص المهمة وحاول تركيب صياغات جديدة لها من خلال اللوحات من جهة ومن جهة أخرى من خلال النصوص العشرة التي كتبها عن ألف ليلة برؤية مختلفة عن الحدث المباشر للحكايات، وهو يهتم بالإنسان وقام ببعض التحويرات عليه ليعطي قوة انفعالية للمشاهد، ففي اللوحات جانب درامي ينسجم مع تجربته الفنية فاستطاع من خلالها الاقتراب أكثر من التعبيرية، أضف لذلك أيضاً ما يقارب العشرين دراسة بالأبيض والأسود عن العمل ذاته وعموماً حاول تقديم حياة متكاملة من خلال مشروعه من حيث اللون والخط والكتلة، كما تناول الحدث مجرداً عن مباشرته وربط العمل الواحد بمجموعة أحداث مختلفة ففي كل لوحة أكثر من حدث درامي ولأكثر من قصة مما يعطي قوة للعمل الفني واستمرارية، ويؤكد الفنان يكن أنه ليس هناك من هدف مباشر أو حكمة معينة أو وسائل إيضاح إنما الغاية من معرضه تناول أو طرح مجرد لمشروع ألف ليلة وليلة الثقافي بكل علاقاته التاريخية بالمنطقة وبالقصة العربية.
ويسرد الفنان العراقي حسن عيد علوان من خلال لوحاته حكايات من ألف ليلة وليلة وتقوم لوحاته على الخيال المحلق بما لا يمكن تصديقه إلا في الأساطير، فشخوصه أو نساؤه ذات تناسب لا يتماشى مع القواعد الأكاديمية مما يؤكد الأسطورة والغرائبية والبصمة الخاصة المتميزة فهو يستخدم اللون الزيتي بشفافية فائقة كما لو كانت ألواناً مائية، ويترك لألوانه أن تتبقع ولا تغطي كامل المساحة وهو يرى أن أنبوبة اللون المحبب لديه البني الغامق Burnt nmber تكفيه لإنجاز عشرات اللوحات وهو يستلهم الأجواء البغدادية في زمن الازدهار الحضاري العالمي بطريقة مختلفة عن زملائه ودون اللجوء إلى مفردات الخط العربي.
ويعتبر الفنان فؤاد جهاد أيضاً من التشكيليين العراقيين الذين قدموا فناً يعتمد على الحكايات والأساطير على غرار فن حسن علوان مع الاختلاف الواضح في الأسلوب الفني. التكوين لدى فؤاد جهاد أكثر تفصيلاً وتعقيداً مقابل التركيز والبساطة لدى حسن علوان، كما يستخدم فؤاد إضافات زخرفية وتفاصيل تخدم جو اللوحة وهدفها في نقل المشاهد إلى أجواء الحضارات الإسلامية الوسيطة والطرز المعمارية السائدة آنذاك، كما يستخدم بمهارة رقائق الذهب لتعزيز الشعور بالفخامة يوم أن كانت بغداد مركز حضارة وإشعاع عالمي، أما الفنان العراقي فاروق حسن فتخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1960م وأكمل دراسته الأكاديمية للفنون في روما عالم 1980م، بعدها توالت إبداعاته فأعاد رسم بعض حكايات شهرزاد وراح يثمن بالروح والقلب والفرشاة ملامح من الليالي وأبطالها في تواليات وتدفقات شاعرية، كما أبدعت وداد الأورفلي لوحات تروي قصة ألف ليلة وليلة وتميزت بأسلوب خاص لم يفصلها عن بيئتها البغدادية التي تتواجد في كل إبداعاتها فكأنك تقرأ ألف ليلة وليلة كما شاركت في معرض نادي المنصور وفي معظم معارض جمعية الفنانين العراقيين التي تشهد بتطور أفكارها فنياً، في العام 1996م قدمت معرضها (ألف ليلة وليلة) بقاعة الأورفلي بعمان في الأردن كما أقامت عدة معارض في مدن ألمانيا ونيويورك وأبوظبي ودبي والدوحة وفي لندن بدعوة من البرلمان البريطاني بالمشاركة مع السيدة موراك مكاي (قاعة أبوظبي للفنون) افتتحت في العام 1983م أول قاعة خاصة في العراق (قاعة الأورفلي للفنون) بمعرضها الشخصي (تهاويل تراثية)، عام 2002م افتتحت (قاعة الأورفلي للفنون الجديدة) ليكون مجموع معارضها ثمانية عشر معرضاً، كما امتازت الأورفلي بإبداعاتها الموسيقية وتعدد مواهبها في الرسم والتلوين وسعة الخيال في الموضوعات والتشكيلات اللامتناهية وإمكانياتها في العزف على آلات البيانو والكمان والعود والتلحين وتأليف الموسيقى خاصة (البشرف عجم).
أسرار ألف ليلة
افتتح فالح العجلان الهاجري مدير إدارة الثقافة بوزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية معرض الفن التشكيلي (ألف ليلة وليلة) للفنان القطري عبدالعزيز يوسف في الحوش القطري للفنون بسوق واقف بحضور الفنان يوسف أحمد والدكتور مرزوق بشير رئيس تحرير الجلف تايم والعديد من التشكيليين العرب والأجانب، ويؤكد الناقد محمد العدس أن المعرض ضم أكثر من 20 لوحة تحكي ليالي من ألف ليلة وليلة مقتبسة من الفترة العباسية علاوة على لوحات حديثة وأخرى تعرض قصة السندباد البحري القطري، وفي تصريحاته لجريدة الراية القطرية قال الفنان عبدالعزيز يوسف إن البساطة والقرب من أخيلة الناس كانت العوامل التي خلدت ذكر ألف ليلة وليلة لسنوات طويلة لسلاستها في التعبير والوصف وتداول رجل الشارع لها فكونت ألف ليلة قاعدة عريضة من الإقبال الجماهيري مشيراً إلى أن الفن التشكيلي أصبح له مكانة كبيرة في الحراك الثقافي القطري.
المعرض قصته مستوحاة من ألف ليلة وليلة وهو يعد دعوة لكشف المزيد من أسرار ألف ليلة وليلة، وتسود الساحة التشكيلية المصرية في الآونة الأخيرة ميول جماعية لتيار (الواقعية السحرية) الذي يأتي في مقدمة ممثليه الفنان إبراهيم الدسوقي (1969م) الذي اعتمد على دائرة متناهية الصغر تقع بين المرئي واللامرئي بين الواقع والخيال استثماراً لمفردات تنتمي لعوالم ألف ليلة وليلة مثل الجسدين الإنساني والحيواني، كذلك قدم الفنان الجرافيكي عوض الشيمي تجربة مهمة في التعامل مع التراث الشرقي مستلهماً مفرداته فكانت مجموعته الأكبر (الجواري) وذلك في أجواء استشراقية وصور خيالية لعالم الشرق كأنما التقى معهم في شغفهم حيث شكلت غرابة الشرق صورة العالم الرومانسي المنشود طبقاً للباحثة أمل نصر في مقاليها (تلاحم الآفاق مع التراث المصري الفني) و(الواقعية السحرية في تصاوير الدسوقي) المنشورين بمجلة بورتريه العدد 43 ديسمبر 2009 م، أما الفنان عدلي رزق الله فكان قبل رحيله غزير الإنتاج وكان يرسم ويكتب ويعلم ويشيع الثقافة التشكيلية دائماً، وفضلاً عن رسم (المائيات) (مشروعه الأساسي) ترك العديد من كتب وسلاسل الطفل لعل آخرها سلسلة (العب وتعلم الرسم) التي صدرت في عدة أجزاء كما كتب سيرته الذاتية في ثلاثة أجزاء، كذلك عمل على مشروع ضخم لرسم قصص ألف ليلة وليلة.
ذو صلة
التعليقات