مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

غنائيات السيرة الهلالية

لاشك أن الملاحم شكل أدبي قصصي من أشكال الآداب الشعبية، عرفته كل الشعوب كأنموذج يجمع بين البطولات والأحلام والأساطير، ويتغلغل في نسيج الحياة وتستعيد بواسطته الأمم رواية تاريخها الشعبي في موازاة متواترة للتاريخ الرسمي، ومعها تتجدد معاني البطولة مثلما تتبدل الأحداث. وتأتي السيرة الهلالية (إلياذة العرب) والملحمة الكبرى على رأس السير الشعبية العربية والأشهر في الأدب العالمي لتظل منبعاً للإلهام وللإبداع الأدبي والفني.
صنفت اليونسكو السيرة الهلالية من التراث الإنساني الذي يجب الحفاظ عليه كقطع الآثار النفيسة، وهي من أكبر الأعمال الأدبية والأقرب والأكثر رسوخاً في الذاكرة الجماعية، تقدر بنحو مليون بيت شعر تم تلحينه وغناؤه بأشكال عربية تختلف تبعاً للهجة وتراث وموسيقى وغنائيات كل منطقة، كما توارثتها الأجيال بالسماع والحفظ والرواية على امتداد القرون لتختلف وتتميز بذلك عن جميع السير الشعبية السابقة واللاحقة عليها، فهي الوحيدة التي مازالت حية يرويها الرواة ويستمع ويستمتع بغنائياتها وأشعارها وموسيقاها حتى اليوم بعد أن اختفى رواة السير الأخرى، كالظاهر بيبرس وعنترة بن شداد والأميرة ذات الهمة والملك سيف بن ذي يزن والأمير حمزة البهلوان وعمر النعمان وعلي الزيبق، والأخيرتان دخلتا ضمن ألف ليلة وليلة.
 وتجمع السيرة الهلالية بين أجناس أدبية ووسائل فنية متنوعة أوضحها جميعاً جمعها بين السرد النثري والنظم الشعري، وجمعها بين القص المرسل والأداء الإلقائي الدرامي والأداء الغنائي الموسيقي، ومن ثم نجد صوراً من الأداء ترتكز على الإلقاء المسرحي بينما تضيف أخرى العزف على الربابة والغناء المنفرد وتتوسع ثالثة للعزف والغناء مكونة فرقة متعددة الآلات والأدوار.
يحدثنا وليم لين في كتابة المهم (المصريون المحدثون عاداتهم وشمائلهم) عن رواة السيرة الهلالية، فيتوقف طويلاً ليصف شاعر الربابة وحلقات القص الغنائي التي انتشرت في مقاهي القاهرة وغيرها خاصة في ليالي الأعياد الدينية في القرن التاسع عشر. وكان الشعراء أكثر طبقات الرواة عدداً وأطلق عليهم (أبو زيديه) كانوا في القاهرة قرابة الخمسين ولا تخرج روايتهم عن قصة أبي زيد الهلالي من الذاكرة إنشاداً للشعر وعزفاً على الربابة بعد كل بيت بمصاحبة عازف آخر، كما تميز بعضهم بتسميات خاصة كالهلالية، الزغبية ، الزناتية، تبعاً لتخصصاتهم. ولقد أشار كلود بك في الجزء الثاني من كتابة (لمحة عامة إلى مصر) إلى أن قصة أبي زيد كتبت في القرن العاشر الميلادي–القرن الرابع الهجري، وكانت شائعة في زمن المؤرخ ابن خلدون أول من ذكرها كوقائع تاريخية لا تقبل الشك. ولعل ارتباط السيرة الهلالية بالشعر قديم قدم كل الملاحم، فأصولها طبقاً لابن خلدون كانت محض قصائد غنائية موزعة في المكان والزمان وتطورت إلى شكلها القصصي السردي، حتى أنه أورد نصوصاً سردية عن الزناتي خليفة. ويرى الباحث أشرف أبو اليزيد أن هذه النقلة من الغنائية إلى السردية استغرقت وقتاً ورحلة وتغريبة حتى وجدنا نصوصها اليوم متعددة الوجوه لتعدد بيئاتها التي نشأت فيها.

إلياذة العرب

يمكن تقسيم السيرة الهلالية لأربعة أجزاء رئيسية:
الأول: قصة الزير سالم، وتضرب بجذورها في العصر الجاهلي، وتمهد للسيرة الكبرى، وقد أخطأ البعض باعتبارها قصة منفصلة وذلك لطباعتها عدة طبعات شعبية منفصلة عن السيرة الأم.
الجزء الثاني: معروف باسم سيرة بني هلال الكبرى، وبه تبدأ السيرة فعلياً بالتعريف ببني هلال وتتبع جذورهم حتى تصل لأبطالهم وذلك من خلال قصص الحب والبطولة والفروسية، ويؤكد هذا الجزء فضائل القبيلة وترسيخ مثلها العليا، كما يحكي قصة التحالف تحت لواء الهلالية في مواجهة أعداء العرب وانتصارها للعروبة والإسلام.
الجزء الثالث: التغريبة وتحتوي الطبعة الشامية على ستة وعشرين جزءاً مكتوب على غلافها الداخلي: تحتوي على محل بلاد نجد العدية، وقصة مغامس مع ابنة عمه شاه الريم، وزيارة أمراء بني هلال إلى بلاد الغرب، وهم: يحيى ومرعي ويونس وأبو زيد ليث الحرب، وحبس يحيى ومرعي ويونس عند الزناتي في تونس، ورجوع أبو زيد إلى الأطلال، وأول رحيل بني هلال، وتبدأ التغريبة بالريادة البهية وأبطالها مرعي ويحيى ويونس وخالهم أبو زيد الذي يتنكر في زي شاعر ربابة، وقد أسفرت هذه الرحلة عن أسر الشباب الثلاثة ونجاة أبو زيد ورجوعه إلى نجد لقيادة الهلالية للنصر وتحرير الأسرى، ويرفض الزناتي التفاوض فتندلع الحرب لسنين تنتهي بانتصار الهلالية ومقتل الزناتي خليفة، وما إن يستقر المقام بالهلالية في تونس ويعقد صلح بين الفريقين حتى يفجر دياب بن غانم الفتنة من جديد رغبة في قيادة الهلالية بحجة قتله الزناتي خليفة فتستغل أخت الزناتي الموقف لتغذي الفتنة وتتخذ من العصبية الكامنة في الهلالية سلاحاً للثأر، فيقتل دياب السلطان حسن ثم يقتل أبا زيد ويسقط الأبطال تباعاً لينتهي الأمر بالهلالية إلى الشتات.
الجزء الرابع والأخير خاص بجيل الأبناء اليتامى، وقد أفردت السيرة ديواناً خاصاً بهم (ديوان الأيتام)، وتنبه السيرة الهلالية بشدة إلى كيفية أن العصبية القبيلة قد تنقلت إلى قوة تدميرية تقضي على الجميع حين تتفرق الكلمة، فانتهت لما لخصه المثل الشعبي (كأنك يا أبو زيد ما غزيت) ويأخذ إنشاد السيرة الهلالية ودخولها في نسيج الحياة الثقافية والفنية عدة أشكال، منها: الموال، وهناك رواة محترفين لهم تنويعاتهم الغنائية التي قامت على أساس التغيرات التي تحدث في التشكيل الموسيقي الغنائي، كالتغيرات في الآلة الموسيقية المصاحبة والاعتماد على أشكال وصيغ غنائية مثل الإنشاد المرنم –الغناء الموالي– الغناء الموزون الموقع الجماعي المتنوع.

فن المواوية

هي طبقة تعتمد على الصوت البشري بتلوين وسرعة خاصتين، والتحكم في شدة الصوت ارتفاعاً وانخفاضاً مع تقطيع فقرات وأشطر النص الشعري الذي يلقى. والمواوية كأسلوب في الأداء له مؤدوه، وكان ولا يزال يرتبط جزئياً بنوع خاص من المدائح، يُلقى منغماً ويأخذ شكل القصيدة العربية العمودية بلغة بدوية عادة، فيقف المواوي وقفة خطابية احتفالية متكئاً على عصا طويلة، مشيراً وملوحاً بيده وبعصاه وبإيماءات تعطي إحساساً بالفخامة، والملاحظ أن النص الذي يلقيه يتشابه مع النص الذي يتداوله شعراء الهلالية في صعيد مصر الأدنى، إلا أن مروياته ومدائحه قد تغيرت، حيث نجد أن مربعات (ابن عروس) تهيمن عليها، ومع ذلك توجد أدلة على وجود ميزة في المواوية تفرق بينها من ناحية التنغيم والإيقاع وبين أي أداء شعري فولكلوري آخر، ليس فقط للأسباب الفنية التي تبحث عن تحول الشعر من شكله العمودي إلى نظام المربع؛ وإنما لأن موضوع شعر الهلالية في المواوية بدا في أغلب الحالات أنه عامل حاسم، فهذا التميز يأخذ بالأداء إلى وجهة ذات خصوصية في التنغيم والإيقاع وتعبيراتها الصوتية والحركية، فالمواوية تضع (الراوي، المغني، الشاعر) في حالة أداء تستقطب كل مشاعر الحماسة لديه لحث الجمهور على الانتباه لشعره الجاد وأنه شاهد على هذا التراث، ولذلك يعرف كيف يتقن النغمات المناسبة وكيف يوظفها مع الإيقاع لتطويع شعره وحنجرته إلى جرس صوتي يعمل على تثبيته في الذاكرة، وهذه هي القاعدة الأولية لعمليات الغناء برمتها، وهي توازن الألحان مع الأشعار توازناً إيقاعياً عروضياً نغمياً.

فنون الآلات الشعبية

يأخذ غناء السيرة الهلالية بمصاحبة الدف ثلاثة أشكال:
الأول: غناء الراوي والتوقيع على الدف المنفرد في الوقت نفسه لكنه في بعض المواقف يعبر حركياً، ولقد انحسرت هذه الطريقة وتكاد تنحصر في جيب بمنطقة إدفو شمال أسوان.
الشكل الثاني: الغناء المدائحي لشذرات من السيرة الهلالية، وخاصة القصص التي تكاد تستقل عنها مثل قصة (عالية العقيلية)، وعادة ما تكون بفرقة المداحين عدة عازفين مهمتهم الإيقاع الأساسي بينما يقوم المغني العازف بتوقيع اللوازم الزخرفية، كما يمثلون كورال للرد عليه إما بلازمة غنائية ثابتة حسب القصة المغناة أو بترديد الشطر الأخير، وفي الجيل الماضي برزت فيه سيدات حتى كاد يقتصر عليهن فدخل الرق بخصائصه الصوتية المميزة كعنصر أساسي تضبط من خلاله (المغنية-المداحة) الإيقاع بنفسها إضافة للزخارف، أما تطويرات الأحداث فقد أدخلت السلامية والدربكة (الطبلة) لكن نتيجة الانحسار العام الذي تعانيه هذه الفنون فإن محفوظ (الريبرتوار) بقايا المداحين الحاليين لم يعد يتضمن إلا بقايا قصصهم الدينية وأغاني الحج.
الشكل الثالث: الغناء على الدف بمصاحبة عازف آخر على الربابة، فتُروى وقائع السيرة بينما يبقى الدف والأداء المدائحي مهيمناً وتقوم الربابة بدور مساعد. وتفيد الإشارات التاريخية بأن الربابة كانت تصاحب رواية السيرة الهلالية منذ القدم، ويرى الشاعر والناقد أحمد عبدالمجيد في مرجعه القيم (قصة الغناء والموسيقى في مصر) أن شاعر الربابة كان يستطيع أن يقيم عراكاً بين مستمعيه إذا نصر أبا زيد على خصمه أو العكس، فقد جرت العادة في السامر أن ينشطر المستمعون إلى فريقين، يناصر كل فريق فارساً خاصاً تُروى بطولاته، ولعل أشهر غنائيات السيرة الهلالية على الربابة هي الغناء المنفرد، فالراوي هو الشاعر يؤدي شعره على الربابة وعادة ما تكون ثنائية الأوتار صندوقها الصوتي من قشرة ثمرة جوز الهند، ويروي مروياته عادة وهو متربع راكزاً الربابة على فخذه ملوحاً بين الحين والآخر بيمينه الممسكة بالقوس بإشارات تؤكد معانيه يصاحبها تلوين صوتي، وغالباً ما ينتقي موالاً يتناسب مع الموقف، وقد يكون الغناء على الربابة بمصاحبة آخرين تهيمن الربابة على أداء الألحان واللزمات. أما الدف فللإيقاع والزخارف وربما صاحب الراوي عازفاً آخر على الربابة، فتظل الربابة الثانية مجرد خلفية للأولى، وعندما يتناول عازف الربابة الثاني مع العازف الأول المواقع ويقوم هو بالرواية فإن ربابتيهما تتبادلان بالمثل الأدوار، ولا يتيح هذا مجرد راحة للراوي الأول؛ بل يتيح أيضاً تنويعات وتلوينات في المرويات التي يقدمانها سواء في المادة نفسها أو في الإمكانات الصوتية والأدائية.
أما الغناء على الربابة بمصاحبة فرقة للرد على (الشاعر، المغني، العازف) يتكون من عازف ثان على الربابة وثالث على الدربكة ورابع على الرق وخامس على السلامية.
يقومون بالرد على المغني حيث إن مروياته يدخلها ردود وترجيعات، كما يقومون بأداء لزمات تتخلل الغناء قد تطول وتصبح أداء موسيقياً حراً خالصاً غير مصحوب بغناء، وقد يقوم أحدهم بالغناء الموالي لكن تترك رواية السيرة للراوي الأساسي، ولعل أشيع ماتؤديه قصص مثل (عزيزة ويونس) أو مرثية (الخفاجي عامر) أو (توديع شيحة) لأبنائها وأخيها، ويرى عبدالحميد حواس في دراسته المهمة (مدارس رواية السيرة الهلالية) أن النصوص التي تروى تتشابه، وتكاد صيغها وموتيفاتها وقاموسها تتوحد فيما بينها في شكلها الشعري الأساسي وهو (فن المربع) وهو بيتان من الشعر يتكونان من أربعة أشطر مستقلة ومتصلة في ذات الوقت، تتشابه قافيتا الشطر الأول والثالث من جانب والثاني والرابع من جانب آخر، وتتواصل تراكيبها الموسيقية وتتجه نحو التعقد الموسيقي والثراء النغمي والتنوع الأدائي، إضافة لما يتشربه المداحون من غنائيات فولكلورية، خاصة أغاني العمل والعرس والسمر والبكائيات.
كما ينتشر غناء السيرة الهلالية على الكمان في الوجه البحري دون استغلال كل إمكانيات الآلة لحداثتها كبديل للربابة، وعادة ما يبدأ مغني الكمان المنفرد بجزء سردي يعتمد في إلقائه على التقطيع والتلوين الصوتي مع إيماءات درامية كتقليد أصوات الأشخاص المروي عنهم، وفي نهايته يقطع لقائه بجرة من قوس الكمان على الوتر، ثم يبدأ العزف توطئة لغناء الجزء الثاني، الفرق الأساسي بين شاعر الربابة وشاعر الكمان أن الأخير لا يتكفف بروايته، ولا يعزف كمغنٍ متنقل، ولا يؤدي روايته إلا في مجلس وهو يعتمد على النص المطبوع من الهلالية، ويحتفظ بعضهم بمخطوطات قديمة.
كما أن هناك الغناء على الكمان بمصاحبة فرقة، والذي يضيف زيادات أدائية وتراكيب موسيقية وآلات أخرى للكمان كالسلامية والطبلة والرق والعود، وهناك فقرات تقدمها الفرقة كالافتتاح بعزف موسيقي حر وتقاسيم ثم غناء موال فردي تمهيداً لرواية الشاعر الذي ينقسم عمله بدوره إلى مراحل:
الأولي: غناء موال لتحية الجمهور وكمقدمة لفنه.
الثانية: إلقاء سردي مسجوع ينهيه بجرة من قوس كمانه.
الثالثة: غناء موال جماعي يناسب الجزء الذي يرويه من السيرة الهلالية.
الرابعة: غناء جزء شعري من الراوية ويستمر في تكرار هذه المراحل بنفس المنوال، ثم يتوقف للراحة فتعود الفرقة للعزف ويغني أحد أفرادها إلى أن يستعد الشاعر للرواية من جديد، لكن بعض كبار الرواة يلغون بعض الفقرات للتركيز على روايتهم، وتضيف آلة العود مزيداً من التركيز على الجانب الموسيقي والغنائي فضلاً عن التحول البادي من العزف بالكمان إلى العزف بالعود كتحول يؤكد التركيز على تراكيب موسيقى السيرة الهلالية التي تتصل ببعضها وتتصاعد غنائياتها تنوعاً وثراء في إطار الموسيقى العربية مستفيدة من التراث تجويد الموسيقى العربية الإنشادي والقصصي الديني ومن التراث الغناء الحر في صورة الموال.

الاستلهام الموسيقي والأدبي

قام كثير من الباحثين والشعراء بجهود امتدت سنين طويلة لجمع السيرة الهلالية وكان هناك شعراء ورواة وفنانون يحفظون آلاف الأبيات لكنهم الآن لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، وما يروى منها رواية الشاعر جابر أبو الحسن (أهم الرواة بالربابة) والتي جمعها الشاعر عبدالرحمن الأبنودي في شرائط، كما أصدر الجزء الثالث منها، وهناك رواية الشاعر سيد ضوي، كما توجد نسخة نادرة من (قصة عزيزة ويونس) بصوت الشاعر سيد حواس أصدرتها صوت القاهرة في شريطين. أيضاً هناك رواية يحاول جمعها د.أحمد شمس الدين الحجاجي بأصوات مختلفة، والأجزاء المطبوعة من السيرة مر على طباعتها أكثر من قرن، ومن النادر العثور عليها. كما توجد نسخة مهمة وكاملة لدى الباحث والكاتب خيري عبدالجواد، أنفق في جمعها عشرات السنوات بعضها طبع أواخر القرن التاسع عشر. وهناك اختلافات كثيرة في الطبعات، فالريادة المصرية تختلف عن الشامية والتغريبة الشامية أضعاف المصرية أو البغدادية، هناك زيادات كثيرة من طبعة إلى طبعة لكن لا خلاف على الجوهر الأصلي للسيره الهلالية.
وكما ألمحنا جمع الأبنودي كل روايات الهلالية من مصر والسودان وتونس، التي أقام بها طويلاً ليدرس نصوصها. كما اطلع على النصوص الشامية واحتفظ بها إضافة للنصوص التي جمعها المستشرقون، وخاض معه الرحلة شاعر الربابة والمطرب الشعبي سيد ضوى (77 عاماً)، وآخر مؤدٍ كبير للهلالية، وهناك فيلم وثائقي مصري سويسري بعنوان (حينما يتحدث الهلال) عن السيرة الهلالية، وتتمحور فكرته حول سيد ضوى وهو يحتفي في جزء كبير منه به وبفرقته الموسيقية، الفيلم إنتاج شركة filmporoduktion Reck وتبلغ ميزانيته نصف مليون فرنك سويسري تقريباً.
ولقد انتهى مركز أخبار مصر التابع للتلفزيون المصري من توثيق السيرة الهلالية بالكامل في 135 حلقة سجلها الأبنودي وضوى كجزء مهم من توثيق التراث والتاريخ الشعبي المصري والعربي، كذلك قدم الأبنودي والمطرب جابر أبو حسين نصف ساعة يومياً من السيرة الهلالية في إذاعة الشعب المصرية، ولقد قام الباحث الأمريكي جون رينولدز من جامعة برنستون بتسجيل مئات الساعات من أداء جابر أبو حسين، قام بغناء المقدمة والنهاية للبرنامج التليفزيوني محمد منير، كما قام بتحويل (قصة عزيز ويونس) إلى أغنية (يونس) تلحين محمد رحيم، فيُروى أن الزناتي خليفة ملك تونس كانت عزيزة ابنته الوحيدة لكنه كان يريد ولداً يساعده ولكي تثبت أنها تستطيع أن تساعده ارتدت ملابس القتال وحاربت مع الجيش، أما يونس كان في جيش خاله أبو زيد يحارب الزناتي وأسر لتقع عزيزة في حبه لكنه يرفض هذا الحب لأنه لا يوجد حب بدون حرية، ولقد استلهم منير من هذه المعاني والأحداث أغنيته للتعبير عن الظروف الصعبة التي يعيشها الشباب، فقد جاءت كلمة (عزيزة) مبهمة للتعميم بأن أي يونس له عزيزة، فكل الشباب يونس وكلهم لهم عزيزة في كل زمان ومكان. من ناحية أخرى يرى د.أحمد شمس الدين الحجاجي أن الأبنودي حاول تضئيل دور جابر أبو حسين بوصفه مغنياً ليقنع الجمهور بأنه مجرد مغنٍ لنص ألفه، وتصدى الحجاجي لهذا فدور الأبنودي يتمثل في جمع النصوص وليس تأليفها وهو دور ليس هيناً رغم أن طريقة كتابة اسم الأبنودي على الأجزاء المطبوعة والمسموعة قد توحي بنسبتها إليه.
من أهم شعراء الهلالية أيضاً عز الدين نصر الدين، وأبو الوفا وعبدالباسط أبو نوح من البلينا بسوهاج وعطا الله وشوقي القناوي من قنا والنادي عثمان من أبو الجود بالأقصر أما شعراء الوجه البحري فمعظمهم من الغجر ويغنون الهلالية بصيغة الموال المصري مربع أو مسبع أو مثمن أو محبوك الطرفين ويتكون من اثني عشر بيتاً، ومنهم مبروك الجوهري من النوايجة بكفر الشيخ وفوزي جاد من البكاتوس مركز دسوق بكفر الشيخ أيضاً وهناك شعراء ومنشدون للهلالية في تونس مثل الشاعر عبدالرحمن أيوب والأمريكية أنيتا بيكر. ويرى د.أحمد الأمين أن الهلالية الشفهية كانت متداولة في الجزائر خاصة في الواحات والهضاب العليا، فتروي الأساطير عن الجازية ودياب الهلالي وهناك أماكن باسمه، ويتحدث الشاعر (ابن قيطون) عن ارتحال بني هلال كفلاحين إلى سطيف والعلمة صيفاً وعودتهم شتاء إلى الصحراء وتحمل قصيدته (حيزية) في طياتها تقاليد القصيدة العربية الجاهلية، إذن فبني هلال قد استقروا بالواحات فلا عجب إذن أن يكون العامية الجزائرية خاصة في الهضاب العليا والصحراء أفصح لغة فأغلب عباراتها فصيحة قرآنية ولا يستبعد أن يكون هناك رواة للهلالية، كما يوجد أيضاً شعراء ومنشدون للهلالية في تشاد ونيجيريا.
وتوجد أكثر من 53 حلقة إذاعية عن الهلالية كانت تذاع بإذاعة الشعب في أواخر سبعينيات القرن الماضي وهي موجودة بالإذاعة المصرية كذلك سبق أن قدم التليفزيون مسلسل عن السيرة الهلالية وضع ألحان أغانيه وموسيقاه التصويرية وتوزيعاتها المبدع عمار الشريعي. أما المخرج والفنان المسرحي عبدالرحمن الشافعي فقدم أكثر من عرض في الفترة من عام 1978م إلى عام1994م للسيرة الهلالية حيث جعل للفنان الشعبي (الشاعر، الموسيقي، المؤدي) دور البطولة في إطار مسرحي غنائي غير مسبوق.

بحوث تنموية

تعد دراسة د.محمد أحمد عمران (موسيقى السيرة الهلالية) من أهم الدراسات الأكاديمية التي توضح خصائص الأداء الموسيقي للهلالية وهي تتناول الوحدة والتنوع في طرقها وأساليبها الغنائية في الوجهين القبلي والبحري، وهي الدراسة الأولى التي تعالج الأداء الموسيقي للسيرة وتتمثل نواتها في الورقة التي قدمها د.عمران تحت عنوان (الخصائص الموسيقية لرواية السيرة الهلالية في مصر) ضمن أعمال الندوة العالمية لسيرة بني هلال التي انعقدت في الحمامات بتونس عام 1980 م ونشرت أوراقها عام 1990م، وهي نفسها الندوة التي قدم فيها عبدالحميد حواس ورقته المتميزة حول مدارس السيرة الهلالية في مصر، ولقد استعرض د.عمران في دراسته التي طبعت في كتاب طرق وعمليات الأداء في إطار علاقتها بمقومات الثقافة الشعبية وتناولها في تنوعها الإقليمي من جهة وفي تغيراتها الزمنية من جهة أخرى، وهو لا يهدف للكشف عن نواحي الإبداع الموسيقي في الألحان والأساليب والتقنيات فحسب وإنما يهدف للكشف عن العديد مما يمكن اعتباره مبادئ فنية وأسساً تكوينية يقوم عليها الإبداع الموسيقي الفولكلوري في تكوين أشكاله الفنية المتعددة، ولقد اعتمد في معالجته على مادة أصلية جمعت ميدانياً بشكل موفق ملبياً حاجة علمية وقتية تتطلبها الحياة الثقافية والفنية المصرية والعربية، ساعياً لتعميم التناول المنهجي المستنير لأسس القيم الفنية والجمالية للذائقة المصرية.
هناك أيضاً بحوث أدبية لعل أهمها مجموعة بحوث د.أحمد شمس الدين الحجاجي بآداب القاهرة منها: (مولد البطل) و(النبوءة في السير الشعبية). كما جمع نصوص الهلالية وروايتها من صعيد مصر د.أحمد على مرسي بآداب القاهرة ورئيس الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية والمشرف على جمع روايات السيرة الهلالية. أما د.محمد حسن عبدالحافظ مدرس الأدب الشعبي بأكاديمية الفنون بالقاهرة حصل على درجة الماجستير عن دراسته (روايات السيرة الهلالية) في محافظة أسيوط عام 2004م من آداب القاهرة، كما حصل على الدكتوراه عن دراسته (سيرة بني هلال في بعض قرى سوهاج) دراسة سينمائية للمؤدي والراوية والأداء عام 2006 م وله عدد من أبحاث السيرة الهلالية أهمها كتاب من جزأين أصدرهما عامي 2006م 2008م (سيرة بني هلال روايات من جنوب أسيوط) إصدار الهيئة العامة للكتاب، أما الباحث سيد ضيف فله دراسة مطبوعة بعنوان (الآخر في الثقافة الشعبية) عن السيرة الهلالية، كما قارن بين الهلالية والرواية الحديثة في دراسة أخرى مطبوعة عنوانها (آليات السرد بين الشفاهية والكتابية)، كما يعد الباحث خالد أبو الليل رسالته للدكتوراه عن جمع السيرة الهلالية ودراستها في محافظة قنا. وكانت رسالة د.دوايت رينولدز للدكتوراه تحت إشراف عبدالرحمن الأبنودي جمع معظمها من الوجه القبلي لما جمعت سوزان سلايموفيتش رسالتها للدكتوراه من الوجه البحري، أما بريجيت كونلي فجمعتها من القاهرة.

مستقبل الهلالية

لعل من مظاهر التنمية الموسيقية للسيرة الهلالية أن بعضاً من المغنين الشعبيين غير المتخصصين في الهلالية يأخذون بعض القطع التي تتناول مواقف غنائية حظيت بشهرة نتيجة لتجويد شعراء الهلالية ويقومون بغنائها وبعض الشعراء يوقفون أداءهم على قطع غنائية لأحد التكيفات التي تواصل بها الهلالية حياتها داخل المتغيرات الثقافية ووفق إطار مرجعي موسيقي لدى الرواة والمروي إليهم في الوجهين البحري والقبلي، لذا هناك اختلاف في مكونات عملية التنمية الموسيقية لدى مدرسة الصعيد ومدرسة بحري نتيجة اختلاف الثقافة الموسيقية السائدة في كل من المنطقتين، ويؤكد الدكتور محمد عمران أن الألحان وكذلك طريقة الأداء هما اللذان في إمكانهما الحفاظ على السير الشعبية عامة والهلالية خاصة فمن خصائص الألحان أن استدعاءها إلى الذاكرة ييسر استدعاء الأشعار المقترنة بها لأن المؤدين بعد تسجيل الغناء تسجيلاً صوتياً طلب منهم الإعادة لعدم وضوح بعض الأشطر فلم يفلح أغلبهم في إعادة نفس النص المسجل أو حتى القريب منه إلا عن طريق الترنم به، ولذلك تعتبر الألحان والأداء مفتاحان للحفاظ على السيرة الهلالية وعدم نسيانها.
 والواقع أن مستقبل موسيقى وغنائيات السيرة الهلالية هو التحدي الأكبر الذي يواجه المشتغلين بالدراسات الشعبية عامة والسيرة الهلالية خاصة، فإما أن يسارعوا بمسح شامل لكل التنويعات والصور والنماذج التي تؤدى بها وإلا سيجدون أنفسهم أمام مادة جديدة متغيرة، فكل جيل يعيد صياغة تراثه وفق تعديل منظورة للحياة، لذا فإن ما يحدث من اختراق ثقافي وإبدال وإحلال وإزاحة يؤكد على إعادة النظر في إستراتيجية العمل الثقافي والفني والموسيقي.


ذو صلة
التعليقات