مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الدور الحيوي للتلقي في إنتاج النص الأدبي

منذ أقدم العصور سعت النصوص الإبداعية السردية منها والشعرية من خلال البعد الجمالي إلى لفت أنظار القارئ وسحبه إلى ساحتها للحصول على تراصفه مع المضامين التي تحتويها أو نيل تأييده للأفكار التي تتضمنها، وقد تنامى هذا التجاذب مع تنامي الظروف الذاتية والموضوعية والدوافع الباعثة والمحرضة للعملية الإبداعية، كما تصاعد مع ظهور نصوص كبرى في معظم الآداب العالمية، وقد برزت خلال ذلك أهداف ومبررات مختلفة حددت طبيعة العلاقة التفاعلية ذات الوتيرة المتصاعدة بين النص والمتلقي ومراحل تطورها، وشيئاً فشيئاً تبلورت تجليات تلك العلاقة متخذة أشكالاً متعددة بدءاً من حالة الاستهلاك مروراً بالتأثير والشراكة العضوية بين طرفي المعادلة، وصولاً إلى تسلط القارئ على النص وهيمنته على مصيره، وعبر جميع الأحوال والمراحل كان الهاجس الأساس هو تنمية الرصيد الحسي وتعميق الوعي الفكري للمتلقي والارتقاء بذائقته الجمالية.
وقد شهد القرن العشرون انتقالة حاسمة في طبيعة العلاقة بين النص والمتلقي حوّلت عملية القراءة من خاصية الاستهلاكية إلى خاصية الإنتاجية، وبهذا تبلورت نوعية تلك العلاقة وتمددت وشائجها لتصل إلى نقطة الشروع بكتابة النص، أي أنها تبدأ منذ لحظة الكتابة الأولى في مخيلة المؤلف حين يستشعر أثر التلقي عليه ويفترض وجوده، ومن خلال ذلك ترعرعت سطوة المتلقي لدرجة أصبح فيها شريكاً أساسياً في إنتاج النص، بل أصبح حضوره وجودياً، حيث لا وجود للنص إلا بوجود متلقٍ منتج وفق مبادئ نظرية القراءة وجماليات التلقي التي أرسى دعائمها كل من الناقد الألماني (هانس روبرت ياوس) بمحاضراته ومقالاته نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي جنباً إلى جنب تنظيرات مواطنه الناقد (فولفغانغ إيزر).
ومن خلال المرتكزات العلمية الصحيحة أصبحت نظرية القراءة وجماليات التلقي في مقدمة المدارس النقدية العالمية، وغدت معطياتها تمثل الاتجاه النقدي الأهم في مرحلة ما بعد البنيوية، وبتكثيف شديد نجد أن أبرز ما جاءت به هذه النظرية هو تعزيز زخم القارئ في النص وإعادة الاعتبار له دون أن تغفل زخم النص واعتباره، وبهذا أصبح الكاتب مضطراً للابتعاد عن الحشو الذي لا طائل تحته ومجبوراً على هجر المزوقات اللفظية ورفع الأقنعة اللغوية والبلاغية من النص، بعدما أدرك أن النص لا يكتمل إلّا عبر تلقيه، وأيقن أن ما ينتجه بات مرهوناً بطبيعة آفاق التلقي المختلفة، وبهذا صار فهم العمل الأدبي وتأويله غير مرهون بمرجعيات الكاتب ولا مرجعيات النص وإنما مرتبط بشكل وثيق بمرجعيات المتلقي.
نستخلص وفق ما جاء به روّاد نظرية القراءة أنه ليس للنص صورة واحدة، ولا يصدر عنه فهم ولا تأويل واحد، وإنما هو مسيرة رؤيوية متجددة وحالة من التوالد الفكري المستمرة غير خاضعة للتكرار أو الرتابة، لأن قراءة النص عادة تتم بمستويات مختلفة وتتابع التلقي ينجم عنه تمظهرات متباينة تجعل النص في ديمومة من التجدد، وبدون شك أن التباين الذي يطبع تمظهراته مرهون بتباين مستويات القراء وآفاق تلقيهم، وهذا بدوره قاد إلى اكتشاف قوانين محركة جديدة في جدلية العلاقة الرابطة بين الأدب والتاريخ أفضت إلى حقيقة مفادها أن تاريخ أي أدب من الآداب العالمية ما هو إلّا تاريخ تلقيه.
لقد تعاظم اهتمام نقاد المدارس النقدية الحديثة مثل المدرسة التفكيكية والمدرسة الشكلية والمدرسة التأويلية والمدرسة الظاهرية بالقارئ، وأخذ حيزاً كبيراً من متابعة واستقراء النص حتى وصل ذروته عندما نضجت أطروحات مدرسة التلقي التي جعلت القارئ أساً مكيناً في عملية إدراك النتاج الأدبي، فصار الاهتمام بالقارئ يستبطن رفضاً صارماً للنقد الذي يتمحور على النص، وأن هذا الرفض الصارم لفكرة التركيز على النص نجم عنه بالمقابل تركيزاً صارماً على القارئ أدى إلى ظهور تسميات ومصطلحات تخص القراء منها (القارئ الضمني)، (القارئ المحتمل)، (القارئ المثالي)، (القارئ الحقيقي)، (القارئ العالمي)، (القارئ الفائق) و(القارئ الأدبي) وغيرها من المصطلحات، وقد شكّل هذا التحول الكبير الذي اعتنى بتشخيص دور القارئ في النص انعطافة حاسمة في مسيرة النقد الأدبي جعلته هدفاً أسمى في العملية الإبداعية.
ولابد لأي قارئ مهما كان نوعه من دور معين يلعبه في النص، ومن هذا الباب تضاربت الآراء حوله وتعددت المصطلحات التي تخصه، غير أن المصطلح الأهم هو (القارئ الضمني) الذي أطلقه الناقد الألماني (فولفغانغ إيزر) والذي غدا جزءاً من ابتكارات نظرية التلقي الحديثة، وهو قارئ يفترضه الكاتب في تصوره ليرافقه في جميع مراحل العمل الأدبي ويصطحبه في جميع محطاته، بل إنه يساهم معه في وضع الأطر الأساسية والخطوط الإستراتيجية التي تفضي إلى بلورة الرؤية الشمولية للنص، وبالتالي صياغة موقف يعين المتلقي فيما بعد على تشوف أشياء ليس من السهل رؤيتها أو تحسسها، وقد غلب استخدام هذا المصطلح في كتابة الرواية أكثر من الأجناس الأدبية الأخرى.
لقد منحت نظرية التلقي الحديثة دوراً استثنائياً للقارئ وأطلقت يده لإخضاع معطيات النص لمقاليد سلطته المعرفية، وصار تحليل البنية العامة لأي نص يتم وفق بيئة القارئ المعرفية، وهذا بدوره يستدعي فك شفرات الرموز والإشارات لكي تساعد على مسك خطوط العملية التأويلية المنسجمة فنياً مع الرؤية العامة التي تشكل مفهوم القارئ، وقد أفضى ذلك إلى توسيع دائرة فهم وتأويل النصوص الأدبية وتسهيل عملية التواصل والتحاور بين القارئ والنص، ومن ثم تعزيز العلاقة الوجودية الحيوية بينهما على أسس الأخذ والعطاء ومبادئ التكافل والتكامل لتوفير المناخ المناسب لإنتاج معانٍ متجددة تفرزها العملية التأويلية للقراءة.
ربما يقف القارئ في أحيان كثيرة عند السياج الخارجي للنص باعتباره يجسد سلوكيات الشكل اللغوي من جانب، ومن جانب آخر يعتبر الشكل الخارجي للنص نقطة الالتقاء الأولى مع المتلقي، وهذا بدوره يمهد إلى التقرب من بؤر البنى الداخلية أو محاورتها كخطوة أولى لكي لا تنتكس عملية القراءة أو تصاب بالإحباط، وفي مثل هذه الحالة تتشكل مجموعة من الروابط الخفية التي يصعب تفسيرها أو الكشف عنها، وقد تفصح الأنساق الخارجية أحياناً عن هوية النص إذا كان يعتمد في تكوينه على الكينونة اللغوية للشكل، علماً أن هناك نصوصاً كثيرة تعتمد في تشكلها على التكوين اللغوي للشكل الخارجي.
عملياً أصبحت نظرية التلقي الحديثة صاحبة القدح المعلّى في الساحة الإبداعية والنقدية على حد سواء، وذلك من خلال سعي النقاد إلى إبراز مكانة المتلقي ومدى أهميته وتأثيره في بنية النص ومحتواه، وقد اهتم النقاد العرب بهذه النظرية وكتبوا عنها الكثير من المقالات والكتب أبرزها كتاب (نظرية التلقي بين ياوس وإيزر) للدكتور عبدالناصر حسن محمد. وخلاصة القول إن وجود التباين الواضح في التقييمات والرؤى المختلفة للقراءات العديدة التي يقوم بها قراء مختلفون تنتج بالضرورة نصوصاً جديدة.

ذو صلة
التعليقات