مجلة شهرية - العدد (517)  | أكتوبر 2019 م- صفر 1441 هـ

مطرح عبدالله علي

تظل الأمكنة من أكثر مرتكزات الذاكرة الإنسانية؛ لأنها تتبادل معها عملية المساكنة، فلا قيمة للمكان ما لم تقم ذاكرة ما بإعادة إنتاجه، إعادة إنتاج المكان من خلال الذاكرة الإنسانية تحمله كما يحملها هو بطاقات تأويلية لا متناهية. الطرفان كلاهما يستنهض في الآخر الكامن والمتحرك، العادي والمهمل، كذلك الخارج على المألوف. المتجدد أو المتجاوز.
يداهمنا المكان بتبدلات غير ملحوظة، غالباً ما كانت تموه نفسها، فلا تلحظها الذاكرة المشغولة بالأفعال اليومية وبالثبات المتوهم رغم وعينا أن الزمن يمضي.

لاحظت في السنوات الأخيرة أنني كلما فكرت في المكان لا أفكر فيه إلا بوصفه مكاناً ظل لزمن طويل يمثل بالنسبة لي حالة من التجلي الروحي والألفة التي تتأسس في ثبات المكان على حالته الأولى ليكون بمنتهى البساطة قريتي والفضاء الجغرافي المحيط بها في تهامة.
كأن الذاكرة تعزل المكان وتضعه تحت عينها التي هي بالضرورة عين استعادية تجعل المكان مرتبطاً بالطفولة ومرتبطاً بالقِدم، القدم برصيده المذهل في حواسنا الأولى.
هل الأمكنة القديمة وأشياؤها ترتبط حقيقياً بذلك الأفول الذي يجمد الزمن؟ كما يتساءل أحد المهمومين.
لم أشعر بقوة السؤال إلا عندما فوجئت بهذه الصورة لقرية تهامية قديمة وجدتها في أحد المواقع الإلكترونية.
لأمر ما حضرت البيوت (العشش والعرش والخداريش والمزاريب والديّر) وغاب الإنسان.. كما غاب الحيوان.
كم هي قليلة الصور التي سجلت المكان في تهامة بثباته وتبدلاته.
غياب الإنسان والحيوان عن صورة لمكان تهامي (ربما التقطت الصورة قبل ستين عاماً) شغل ذاكرتي بالغائبين بمقدار ما شغلها بمكونات الصورة الماثلة أمامي، التي تعني الحضور الاستعادي المؤكد بقوة الغياب على صفحات الواقع.
ظل المكان (تهامة، القرية التهامية، البيت التهامي) مؤثثاً بعناصر الطبيعة ذات الملامح الحميمية الإنسانية حتى وقت قريب، أقصد أن إنسان المكان كان دائم الاندغام في البيئة وجيراننا فيها. حين كانت الطبيعة بدورها تتماهى في التضايف مع البشر لينتج عن ذلك دلالات متناغمة تتشكل عبر أفعال وسلوكيات متآلفة يجانس فيها كل طرف الآخر.
أمام هذه الصورة أشعر أني أتحسس بذاكرتي جنة مفقودة أحاول استنقاذها بذاكرتي من التشوهات التي أصابت المكان، والتي تحضر تلقائياً بضديتها لتضعني أمام ثنائية غير متوازنة أنحاز بكل ما في روحي من حنين لتلك الحياة التي تبددت في سنوات قليلة.
الصورة ببساطتها وحزنها الأخاذ.. بهدوئها السائب.. وشعورها الفائض بالاطمئنان.. لن تصدق ما حلّ بها من هزائم بعد تجميدها في هذا الإطار.
كما أنني لا أصدق أنني سأستطيع مقاربة حضورها المؤثث بكل هذه البكارة دون أن تنجرح كلماتي بالغياب المبالغ فيه لمفرداتها في واقعها المتغير اليوم.
لا.. لا مقارنات ولا استعادات خارج العاطفة، خارج الحنين.
لا اندهاش دون آهة واخزة للروح. الكتابة هنا.. بل الصورة هنا «ليست سوى وسيلة للتحقق من انقضاء الزمن وزواله» على حد تعبير (روبرت آدامز).
سأحاول أن أفهم أنني لا أتحدث عن هذه الصورة بوصفها (متخيلاً خرافياً) أتحدث عنها بوصفها (ثقافة وتجربة) جملة المنتج الإبداعي في تهامة (الشفاهي منه بشكل خاص) هو ارتباط فعلي بالمكان بالطبيعة وما تحتضنه.
العقود الثلاثة الماضية.. دمرت علاقة المكان التهامي (القرية/البيت) بالمكان العام (البيئة الحاضنة) بمقدار ما دمرت علاقة الناس بخصوصيتهم الثقافية المرتبطة بذلك التحاضن.
لم يعد البيت التهامي يفتح ذراعيه للجميع، كما أنه لم يعد نبت البيئة وابن الطبيعة ومترجم ثقافة الإنسان وتقاليده الاجتماعية.
الإحساس بالمكان وبأن كل شيء بسيط فيه قد ولى يتقوس بقوة في أضالعنا، وفي ثنايا أرواحنا.. ومثلما فقد إنسان المكان بساطته.. وحريته، ضاقت الأفضية (الضيق في تهامة من بين معانيه شدّة الحر) ضاق القبَلُ (الحوش).. اختفى الـمُراح (كان مرتبطاً بكثرة الأغنام والإبل) تغيرت الأبواب، تلاشت المزاريب والسجف ودواير الطين.. ندرت العُشَش (جمع عُشة) والعُرُش (جمع عريش).. تجبرت الجدران الإسمنتية، اختنقت الغُرف بأنفاسها.. تغطرست الأبواب الحديدية، وتنكر إنسان المكان لبيئته.. تنكر لمواضعات الاستعمال التي كان يقيمها مع أفضيته (أقصدُ العلاقة الضرورية بالمكان وهويته الجغرافية) ودلالاته السيميائية التي تتمثل في التبادل الاجتماعي بين الأمكنة وشاغليها من جهة، وبين الأمكنة (اليبوت/القرى بالذات) والطبيعة التي تحتضنها من جهة أخرى.
هل كنا ننخدع بوجه ما من أوجه الخداع؟
أيتها الصورة ما الذي سيقوله لنا واقعك المتبدل اليوم..؟
لماذا هو رغم متانة المتبدل -استبدال الخشب والقش والطين والحبال والروث والنورة بالطوب والحجر والإسمنت والحديد المسلح والطلاءات الكيميائية- لا يهمس لنا بكلمات حب وألفة تضاهي ما كانت تقوله الصورة قبل أن يتم تجميدها في هذا الإطار، وحتى ما تقوله اللحظة بعد أن مضى على تجميدها قرابة ستين عاماً.
دلالة الفضاء (المكان) لا تتأتى إلا من قوته التعبيرية.. هكذا يقف إلى جانبي (فايري) مؤكداً على وجهة نظري كان حرياً بي أن أقول مؤكداً على  «أحاسيسي وشجني».
عظمة المكان إذاً لا تتأتى من كونه قصوراً وحجاراً وأعمدة وأقواساً و... و.. عظمة المكان تتخلق أساساً من مصفوفة التمثلات والمعاني التي ترتبط به، عندما قال (بلغيث كولي) جملته الشهيرة: «مطرح عبدالله علي ولا قصر ابن محفوظ»، كان يقدم الدلالات الأعمق لتلك التمثلات والمعاني.
إنها مصفوفة تتبدى في وفاء الإنسان للفضاء الذي ورث العيش فيه.. في تعاطيه معه، بعقله ووجدانه، وواقعيته وأحلامه، وخياله.. بذاكرته الجماعية.. بوعيه بالمرجعيات... كما بوعيه بالآني وتصوراته عن المستقبل.
ذو صلة
التعليقات

   خالد السياغي
   gammronline@hotmail.com
   يمن -صنعاء
   الأحد 19/12/2010
أيتها الصورة ما الذي سيقوله لنا واقعك المتبدل اليوم..؟ الباحث البديع والشاعر المبدع علوان مهدي الجيلاني ... اهتماماتك فريدة مثلك تماما ..من سيفتش بين أنقاض هذا الزمان اللجامد الاسمنتي عن بقايا (الزمن الجميل ) غير أناملك التي تمطر .. سبحان من جعلك مكتبة متحركه ومرجعا يمشي على قدمين .. خالص التقدير لقلمك وقلبك
   علي الذهب
   a1th1@hotmail.com
   يمن -اليمن
   الجمعة 17/12/2010
كل شيء في الموضوع وكل مفرداته تشدك لقراءته والإبحار في تفاصيل مضمونه.. لارتباط ذلك بالذاكرة والإرث الجميل بحجم جمالك وروعتك "علوان".
   عبدالرحمن السماوي
   a80s100@yahoo.com
   يمن -صنعاء
   الخميس 16/12/2010
المثقف والباحث الفنان علوان اطلعت على الموضوع وعلى مواضيع سبق اني قراءتها معك في مكتبك حول التراث والامكنة والشخصيات مما اعطاني حافز اكثر للعمل في توثيقها كفيلم وثائقي لما تحمله من تاريخ وروعة وفكر وانسانية الجهات المعنية لاتعرف ولا تدري بما تقوم به - انها غائبة وانت حاضر في ذاكرة المكان ووجه الزمان - اراك في كل الاوراق تمشي وبيديك معولك ( اقصد قلمك) تنقب عن اليمن - وكنزها المدفون في تراب النسيان - وغيبا البلد عن ذاتها - لذلك ادعوك في ان ننقب اكثر ونستكشف ذلك الدر الثمين ونعمل افلاما وثائقية لهذه المواضيع دمت مبدعا صديقي\ المخرج السينمائي/ عبدالرحمن السماوي
   محمد عبيد
   mobeid20@gmail.com
   يمن -الحديدة
   الأربعاء 15/12/2010
سلمت أيها العلوان الجميل .. دامت روعتك
   حسن محمود
   hassan1087@hotmail.com
   يمن -اليمن
   الثلاثاء 14/12/2010
قليلة هي الكتابات التي نلمح فيها التناول المميز الذي يأخذنا إلى آفاق مختلفة.. ثمة طعم واخز في هذه المقالة تشعر به يجرح أعماق الوجدان... لم أعش في منطقة تهامة التي تبدو لي عبر الصور التلفزيونية والفوتوغرافية وكأنها جزء من أفريقيا ولكن هذا الموضوع أدخلني إلى أجوائها بتعاطف كبير تحية وموادة للكاتب
pantoprazol 60mg pantoprazol takeda pantoprazol iv
   جميل مفرِّح
   gamofarreh@gmail.com
   يمن -صنعاء
   الإثنين 13/12/2010
مبدع, مهموم, جاد, مؤثر كعهدنا بك أيها العلوان الكبير..والشاعر الأكبر
   مهدي الجيلاني
   mhdy2009@maktoob.com
   يمن -اليمن
   الإثنين 13/12/2010
هذا الموضوع من أجمل وارقى الموضيع التي تتحدث عن شجن المكان وعن وحب الاوطان حتى وأن كان هذا المكان من الأماكن التي لقينا فيها التعب والشقاء وعانينا فيه الأمرين. وما اصدق قول المتنبي حين قال: لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ أقفَرْتِ أنْتِ وهنّ منكِ أواهِلُ
   أحمد الأهدل
   alahdl@maktoob.com
   يمن -الحديدة
   الجمعة 10/12/2010
لقد شغفني هذا الموضوع.. خاصة وهو يذكرني بقرى تهامة التي عشت فيها طفولتي... وأنا مع الكاتب في أن المكان أصبح يفتقد حميميته؛ نتيجة للعوامل التي ذكرها ولعوامل أخرى لم يذكرها.. بمعنى أن هناك أسباب تتعلق بالتطور الطبيعي للمكان وأبناء المكان.. ولكن هناك أسباب تتعلق بقصديات سياسية وأيدولوجية وهي أكثر الأسباب قتلاً لحميمية المكان وناسه... مع الأسف الشديد. تحيتي للأستاذ علوان مهدي الجيلاني.. وتحيتي للمجلة العربية التي وضعتنا على نار الشجن.. من خلال هذه التناولة الرائعة.. التي نأمل أن نقرأ الكثير مما يماثلها.