مجلة شهرية - العدد (540)  | سبتمبر 2021 م- صفر 1443 هـ

جدة التاريخية.. عبق المكان وذاكرة الأجداد

عندما تقف في إحدى برحاتها ويأتيك نسيمها العليل القادم من البحر وتحيط بك مبانيها العتيقة فإنك لا تستطيع إلا أن تقف إعجاباً وتقديراً لها مستشعراً عظمتها وإبداع من قام ببنائها وسكنها وعاش فيها، فعندما تسير في شوارعها وأزقتها وأسواقها تزكي أنفك برائحة المكان وتنوع تجاراتها، تلك هي جدة عروس البحر الأحمر كما يحب أن يسميها أهلها. والتي هي فعلاً عروس جميلة في كل تفاصيلها. فتعالوا نتعرف عليها وعلى أسرارها وإبداعاتها.
التسمية
جدة بأي تشكيل تنطقها فهي تدل عليها سواء بفتح الجيم أو كسرها أو ضمها.
بكسر الجيم:
يقال إن جدة سميت باسم شيخ قبيلة قضاعة وهو جدة بن جرم بن ريان بن حلوان بن علي بن إسحاق بن قضاعة ويعود نسبهم إلى الجد التاسع لرسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
بضم الجيم:
أيضاً إن أصل التسمية لهذه المدينة هو جُدة التي تعني بالعربية شاطئ البحر. وهي التسمية التي يذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان وابن بطوطة في رحلته.
بفتح الجيم:
هناك رأي يقول إن الاسم هو جَدة (بمعنى والدة الأب أو الأم). ينسب سكان المدينة التسمية لأم البشر حواء التي يقولون إنها دفنت في هذه المدينة التي نزلت إليها من الجنة بينما نزل جدنا آدم في الهند والتقيا عند جبل عرفات ودفنت هي في جدة. توجد مقبرة في المدينة تعرف باسم مقبرة أمنا حواء.
المنطقة التاريخية
اشتهرت جدة عروس البحر بجمال البحر الأحمر فيها حيث تقف أمامه مستشعراً الاتساع والعظمة وجمال كورنيشه الذي يضاهي بل ويتفوق على معظم المدن الساحلية في العالم إن لم يكن أجملها على الإطلاق، ولكن في قلب مدينة جدة مكان يحمل سحراً من نوع آخر، سحر يأخذك إلى عالم الآباء والأجداد، عالم الإبداع، عالم العظمة، إنه قلب جدة القديمة الذي اعتاد أهلها على تسميته بـ(البلد). وهو عبارة عن منطقة تاريخية عند دخولك لها تشعر بشعور من نوع آخر وكأن روحك انتقلت لزمان مختلف عن زمانك، زمان الطيبين، حيث المباني تزهو بجمالها الأخاذ وشوارعها وأزقتها الضيقة بطابعها القديم وظلالها ومساجدها العريقة والتجارات المختلفة فيها.
عندما تنتقل خلالها تشم رائحة الأجداد والذكريات وتستنشق المودة والألفة التي كانت بين الأسر الحجازية، فلكل بيت بصمته التي تتوافق مع سكانه، فالمنازل في منطقة البلد تحمل الكثير من القيم الأخلاقية التي تفرضها على قاطنيها.
لن يخفى عليك أن لذلك المكان سر الجوار الذي امتاز بالاحترام والاهتمام بحق الجار فما كان منهم إلا أن راعوا حق الجوار في تفاصيل منازلهم الذي وصى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والاهتمام بالحقوق والواجبات في كل تفاصيل البيت الحجازي بل إن المسميات تم اختيارها بعناية لتوضح الحقوق والواجبات أيضاً، ولم يقف الإبداع عند ذلك بل تعداه إلى أن تصميم البيت ومكوناته يساعد على تحسين السلوك وتطبيق مفاهيم الحياة وتثبيت العادات والتقاليد التي سيتم توضيحها لاحقاً.
التعامل مع البيئة
يعيش سكان جدة في بيئة حارة رطبة قليلة الأمطار في معظم أيام السنة وبالتالي تمت مراعاة ذلك في مختلف تفاصيل البيت الحجازي كالتالي:
مواد البناء: تم اختيار مواد البناء الطبيعية التي تتأقلم مع البيئة، فتم بناء المباني من الحجر المنقبي الذي هو في الأصل عبارة عن صخور مرجانية تشكلت في باطن الأرض من ملايين السنين ويقوم البناؤون باستخراجها من المناقب التي كانت منتشرة بالقرب من البحر وإعادة تشكيلها في قوالب محددة المقاسات عن طريق القراري كما يطلبها المعلم البناء، وتستخدم الأخشاب في الأسقف والأبواب والشبابيك.
طريقة البناء: يتم بناء المنزل عن طريق الحجر المنقبي الذي يتم رصه على صفين داخلي وخارجي بسماكة تتراوح بين 80 - 120 سم حسب عدد الأدوار الخاصة بالبيت، ويتم تعبئة الفراغ في المنتصف بين هذين الصفين بالقطع الصغيرة الناتجة من تشكيل القوالب وتسمى النقل وهذا يساعد على عدم انتقال حرارة الجو من الخارج إلى الداخل وبالتالي تصبح البيوت باردة من الداخل.
بالإضافة إلى ذلك فإن البيوت الحجازية أسقفها مرتفعة لحوالي أربعة أمتار أو أكثر والسبب في ذلك لكي يتم تجميع الهواء الحار بالأعلى وترك الهواء البارد في الأسفل ضمن محيط حركة الساكنين ويتم طرد ذلك الهواء من خلال فتحات معينة علوية تسمى القمرية ويتم تصميمها بعناية بحيث تقوم بتهوية كامل البيت. حيث إنه من المعروف علمياً أن المناطق المشبعة بالرطوبة يجب العناية بتهويتها حتى تصبح قابلة للعيش فيها.
أيضاً تتميز البيوت الحجازية بالرواشين والشبابيك الكبيرة التي تساعد على تهوية البيت وتخفيف الأحمال على الهيكل الإنشائي للبيت مع الحفاظ على الخصوصية التامة لسكان البيت، حيث إنه على الرغم من كبر هذه الشبابيك إلا أنها في عزلة تامة من كشف الجيران لها من خلال تصميمها المبدع والأنيق. والرواشين تكون بارزة من جدار المبني بنحو 60 - 100 سم تقريباً لتقوم باستقبال الهواء من ثلاث جهات (ملقف) وتعطي رؤية أكبر لساكني المنزل.
التعامل مع المياه: المياه هي عصب الحياة وبالتالي فإن أهل جدة يقدرونها ويتعاملون معها بحرص شديد وقد عانوا كثيراً من شحها، فهم عادة يبنون تحت بيوتهم صهاريج أو خزانات لتجميع مياه الأمطار وإعادة استخدامها مرة أخرى بعد معالجتها بمجموعة من المواد العطرية التي توضع في صرة من القماش أو الشاش لفك عسرة المياه، نظراً لأن مياه الأمطار عادة تكون مؤينة.
أيضاً البيت الحجازي يشتمل على عدد من الحنفيات وهي عبارة عن خزانات صغيرة موزعة بجوار الحمامات ويتم استخدام المغاريف عند الاستخدام لتقليل كمية الهدر.
وللمياه في مدينة جدة قصة كبيرة يمكن الاطلاع عليها من خلال المراجع المختلفة.
الفراغات بالبيت الحجازي
يشتمل البيت الحجازي على ستة أنواع من الفراغات كالتالي:
المنور: وهو المساحة المفرغة من البيت لتوفير الإضاءة والتهوية للغرف والمساحات الداخلية ويختلف حجمه من منزل إلى آخر بحسب عدد الغرف والمساحات المطلة عليه، وهو يكون داخل حدود ملكية صاحب المنزل ويطل عليه من جميع الجهات.
الجلاء: وهو اسم آخر للمنور والفرق بينهما أن الجلاء عادة يكون بالمحيط الخارجي للمنزل ويشترك فيه الجوار في أحد أضلاعه على أقل تقدير، وقد تم تغيير اسمه لتغير الحقوق الواجبات، فالمنور هو من حقوق صاحب المنزل وحده وله أن يفعل به ما يشاء، أما الجلاء فإن الجوار المشتركين به لديهم نفس الحقوق في هذا الفراغ مثلهم مثل بعض. وبالتالي لو حصل أي اختلاف بين الملاك يستطيع القاضي أن يحكم بينهم بسهولة.
الرواح: الرواح هو فراغ داخلي بارتفاع المنزل بالكامل ولكنه مغلق من الأعلى أي أنه غير مفتوح للسماء ولكن عادة ما يحتوي على مجموعة من الفتحات في أعلاه تسمى شخشيخة وتستخدم هذه الفتحات لتفريغ الهواء الساخن وطرده لخارج البيت ليحل محله هواء بارد من الأسفل. وعادة ما يكون الرواح بعد المدخل الرئيسي مباشرة ويكون في البيوت التي تسكنها العوائل الممتدة، أي يسكنها جميع أفراد العائلة وتوزع بينهم بالأدوار، فمثلاً يسكن الدور الأرضي الجد والجدة والدور الأول الأب والأم وباقي الأدوار توزع على الأبناء بالترتيب. ويرتبط الرواح بدرج المنزل أي يكون مجاوراً له بحيث إنه يسمح لزوار البيت باستخدام الدرج دون التعرض لخصوصية سكانه. فمثلاً لو كان الزائر يرغب في زيارة الابن الأصغر بالدور العلوي لا يحتاج أن يمر على باقي العوائل الموجودة بالمنزل. ويستطيع أيضاً ساكنو المنزل مشاهدة زوار المنزل من خلال الشبابيك المطلة على الرواح، فيعرفون إذا كان الزائر لهم أم لغيرهم.
الحديقة الداخلية: وهو فراغ مفتوح للسماء داخل حدود البيت وعادة يطل عليه الإيوان ويساعد على تدوير الهواء داخل المنزل ويعطي إطلالة مباشرة للسماء بالإضافة إلى السماح لأشعة الشمس بالدخول إلى داخل المنزل لقتل الجراثيم والميكروبات.
الخارجة: وهي تشبه (التراس) حالياً أو ما يسمى بـ(البلكونة)، وهي عبارة عن فراغ ملحق بكل وحدة سكنية في المنزل بحيث تستخدم للنوم بالهواء الطلق في الأيام الحارة وتتميز بعلو جدرانها بحيث تعطي خصوصية لمستخدميها وتكون واجهتها مبنية من (الشراشبيش) طوب ملون يوضع بفراغات بينهم للتهوية واستقطاب الهواء. أو بألواح خشبية يوجد فراغات بينها.
السطح: لا يخلو أي بيت حجازي من الأسطح وذلك لاستخدامها في الصيف للنوم بالإضافة إلى نشر الغسيل أو المناسبات المختلفة لأهل البيت، وإذا كان البيت لا توجد به خوارج (جمع خارجة) فيتم تقسيم السطح بحسب عدد العوائل الساكنة في البيت.
برج بيزا ومباني المنطقة التاريخية
الكل يعرف برج بيزا في إيطاليا فهو أحد عجائب الدنيا السبع. وذلك لميول البرج بعد تغير خواص التربة تحته. فما علاقة برج بيزا بالمنطقة التاريخية بجدة.
إن جميع مباني المنطقة التاريخية مائلة عن قصد أو متعمد ميولها والذي عادة ما يكون للداخل وذلك لسبب شرعي وحقوقي وهو حماية حق الاستطراق، أي أن الشخص الذي يمشي في الطريق له حقوق ومنها أن لا يسقط المبنى عليه حيث إن مسؤولية البيت وسلامته وحمايته من الانهيار مكفولة شرعاً من قبل صاحب البيت، فبالتالي قام آباؤنا وأجدادنا بتصميم البيت إنشائياً بأن يكون مائلاً للداخل بحيث لو سقط البيت فإنه يتكوم على نفسه وليس للخارج. وتتم هذه العملية عن طريق إمالة جميع أسقف الغرف والفراغات الداخلية ناحية بيت (فحل) الدرج ومن ثم يتم تعديل ذلك الميول عند تسوية الأرضيات أو ما نسميه بالطبطبة.
والبيت الحجازي يمر بأربع مراحل في حياته يتكتك، يتكئ، يريح ويدستر (أو يطرق) وسنشرحها كالتالي:
مرحلة التكتكة: عند الانتهاء من بناء البيت يتم سماع تكتكة في مختلف جوانب البيت ناتجة عن استتباب الحجارة في أماكنها حيث إنه مع الضغط الموجود على الحجارة، كل حجر يبحث عن الطريقة التي يستند إليها.
مرحلة التكية: وهذه أيضاً معروفة هندسياً حيث إن كامل البيت يبحث عن الجزء الأكثر صلابة في الأرضية تحته ليتكئ عليه.
مرحلة الترييح: فإذا ما اتكأ البيت يستريح طوال عمره الافتراضي والتي تبلغ مئات السنين.
مرحلة الدسترة: عندما يبدأ البيت في التدهور ويحتاج إلى صيانة أو ترميم يقوم بإرسال إشارة معينة لمالك البيت حتى يقوم بصيانته وترميمه مثل ظهور التشققات في الجدران، أو انحناء التكاليل، أو انبعاج المبنى للخارج أو ما يسميه العامة التكريش أي يظهر للبيت كرش وهو بداية خروج الحجر المنقبي من مكانه، أو يبدأ البيت يهتز عند الحركة ما يعني أن حجارة البيت وأسقفها بدأت تتفكك من بعضها البعض وأخيراً سماع زقزقة الأخشاب في البيت ما يعني أن الأخشاب ذابت أو شيخت، ومثل هذه الإنذارات عادة تأخذ سنوات عدة وتحذر صاحب البيت بترميمه أو صيانته أو تركه بطريقة حجازية يقولك دستور يا سيدنا لازم تتصرف.
وبالتالي فإذا كانت إيطاليا تفتخر ببرج بيزا المائل، فإن المنطقة التاريخية بجدة تحتوي على نحو ألف مبنى مائل ووصل الميول في بعض المباني إلى 5 درجات مئوية مقارنة ببرج بيزا الذي وصل لـ 7 درجات مئوية والفرق بينهم أن ميول برج بيزا يعتبر خطراً على سلامته بينما المباني الحجازية فميولها جزء من خصائصها.
حق الجوار
للجوار حقوق كثيرة وقد أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام بالجار في أكثر من موقع ومنها:
• عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه.
• عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيرُ الأصحابِ عِندَ الله خيرُهُم لصاحِبه، وخيرُ الجيرانِ عِند الله خيرُهُم لجاره).
وإذا تجولت في منطقة (البلد) سترى كل ذلك متجسداً في مبانيها من الداخل والخارج فتجد المباني متلاصقة يسند بعضها بعضاً ويظلل بعضها البعض الآخر في تلاحم وتناغم عجيب يدل على مدى التعاضد فيما بين الجوار. وإذا كان أحد من السكان يرغب في تزويج ابنه ولا يستطيع التوسع في مبناه يلجأ إلى جاره الذي لا يتواني في السماح لجاره بأن يبني فوق مبناه ليمكن ابن جاره من إكمال نصف دينه. ويقوم الجار الآخر ببناء جسر بين بيته وبيت ابنه على مستوى الدور الذي يسكنه ابنه حفاظاً على خصوصية جاره وخصوصية عائلته.
من الأمور الجميلة أيضاً في الحفاظ على حقوق الجار وخصوصيته أن لا يفتح أي جار باب بيته في مواجهة باب جاره المقابل له وذلك حتى لا يكشف جاره إذا ترك بابه مفتوحاً.
والأجمل هو في كيفية الحفاظ على خصوصية الجار عندما يكون أحدهم أعلى في مبناه عن الجار الآخر، حيث إن عدم كشف الجار ذي المبنى المنخفض هي مسؤولية الجار ذي المبنى المرتفع، فيقوم بتغيير المشربيات وقفلها تماماً لحجب الرؤية الأمامية والاكتفاء فقط بالرؤية أسفل الشارع من خلال فتحات شراب الماء، ويتم تغيير اسم المشربية إلى غولة لتغيير نوعية استخدامها وتغيير الحقوق والواجبات.
 وإذا لم يكن هنالك مشربية فإنه يتم تركيب الكبريتة على جميع الشبابيك وهي عبارة عن ستائر مصنوعة من أعواد سعف النخل بشكل رفيع تشبه أعواد الكبريت والميزة فيها أنه عندما ترغب في استخدام الشباك لا تستطيع إزاحتها من جانبها بل تحتاج إلى رفع الكبريتة وبالتالي لا يستطيع أحد أن يتلصص على الجار، ويعرف الجار أن جاره بحاجة لاستخدام الشباك ويأخذ احتياطاته في ذلك الوقت. وتغلق الكبريتة فور الانتهاء من الحاجة لرفعها.
قصة الباب الحجازي
للباب الحجازي فلسفته الخاصة وقصصه التي لا يمل الإنسان من تكرارها، فالباب الحجازي مكون دائماً من درفتين (ضلفتين) وذلك لأن أهل الحجاز يستقبلون ضيوف الله أثناء الحج والعمرة وبالتالي يمكن فتح الباب على مصراعيه أمام ضيوفهم وتسهيل حركة دخولهم وخروجهم أثناء المواسم.
أما في الأيام العادية فهم يستخدمون الخوخة في الدخول والخروج، والخوخة اسم عربي فصيح ويعني الباب الصغير داخل الباب الكبير، وهو مصمم خصيصاً لغرس العديد من المفاهيم ومنها:
أن الخوخة ليست ممتدة إلى أسفل الباب بل هنالك برواز سفلي في حدود العشرين سنتمتر مهمته التحكم فيمن يدخل البيت بحيث لا يسمح لأي شخص بالقول بأنه دخل البيت عن طريق الخطأ أو السهو. فأنت عند دخولك للبيت الحجازي تحتاج إلى أن تعدي هذا البرواز أي أنك قمت بإرادتك الشخصية بتجاوز هذا البرواز وبالتالي فإنك تعني وتؤكد دخولك للبيت، وهذا معناه أنه وجب عليك قبول شروط هذا الدخول وهي:
- أن تحترم قوانين أهل البيت وإن كانوا مجانين.
- أن تحافظ على خصوصية أهل البيت فلا يسمح لك بالتنقل بين غرف البيت دون إذن.
- أن تحافظ على أسرار البيت (فما تشاهده أو تسمعه يبقى داخل البيت).
هذه الطريقة في التأكيد التي استخدمها آباؤنا وأجدادنا من مئات السنين أصبح يستخدمها كل مواقع الإنترنت، فبعد إدخال المعرف للمستخدم يطلب الموقع منه تأكيد المعرف، وهو نفس التأكيد المستخدم في الأبواب الحجازية.
أيضاً الخوخة مصممة بطريقة أن عرضها صغير في حدود الستين سنتمتراً وذلك حتى لا تستطيع الدخول بوجهك وإنما تدخل البيت بجانبك وعادة ما ندخل بجانبنا الأيمن، لعدة أسباب أولهما لتطبيق سنة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في التيمن، وثانيهما لغض البصر فلا تستطيع أن تتوجه ببصرك إلى داخل المنزل بل يتجه بصرك إلى جدار الدهليز (ممر المدخل) وبالتالي لو كان هنالك أي سيدة من سيدات المنزل موجودة في الممر أثناء دخولك تستطيع أن تأخذ ساتراً.
وكذلك فإن ارتفاع فتحة الخوخة منخفض لا تستطيع الدخول منه إلا إذا انحنيت برأسك وذلك للأسباب التالية: أن يتعلم الداخل للمنزل الاحترام والتقدير لمن هم داخل المنزل فيومئ برأسه للأسفل احتراماً لهم، ولكي يتم غض البصر فلا تسترسل ببصرك إلى آخر الممر بل تنظر للأسفل لحفظ خصوصية أهل الدار أو المنزل، وآخر الأسباب وأهمها هو لتأكيد قبولك لشروط أهل المنزل الثلاثة التي ذكرناها في الأعلى، فبإماءتك وانحناء رأسك للأسفل توكد موافقتك على تلك الشروط.
وعادة ما يكون للباب الحجازي حلقتان خارجية إحداهما أكبر من الأخرى، فاذا كان الضيف رجلاً يستخدم الحلقة الكبيرة لدق الباب فيعرف من في الداخل أن الضيف رجل فيقوم أحد رجال المنزل بفتح الباب وإذا لم يكن هنالك رجل في ذلك الوقت تقوم سيدة البيت بفتح الباب مع أخذ احتياطها لستر نفسها أمام الأغراب، أما إذا كان الضيف امرأة فتستخدم الحلقة الصغيرة لدق الباب وبالتالي يعرف أهل المنزل أن الضيف امرأة وتقوم واحدة من سيدات البيت بفتح الباب.
وتستخدم الحلقات أيضاً للتنبيه عن وجود مريض يحتاج إلى الراحة والسكون فيقومون بوضع جزء من شجرة أو وردة على إحدى الحلقات فيعرف الأطفال والمارة في الشارع أن في هذا المنزل مريض يحتاج للراحة فيقومون بالابتعاد عن المنزل وعدم عمل أي ضوضاء. وهذا ما تطور لاحقاً وأصبح يستخدم في الفنادق بعلامة عدم الازعاج.
قد يكون ذلك هو سر الروح التي تشعر بها في منطقة البلد التي لا تلمسها في أي مكان آخر، وكأن منطقة البلد التاريخية تشهد على أثر الطيبة واللطف والسخاء وتنثر طاقة فعل الخير الإيجابية التي مازالت ممتدة إلى زماننا الحاضر.

ذو صلة
التعليقات