مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

القراءة سفر خارج وطن الزمان

لا يخفى على أحد ما للقراءة من فوائد شتى ومنافع جمة تساعد كل إنسان على الاستفادة المثلى من تجارب أناس آخرين، إما معاصرين له أو عاشوا في فترات خلت قبل نباته على هاته الأرض، وذلك من أجل تحقيق أعلى النسب الممكنة في تأمين وتوفير العيش الرغد.
إنه لمن الحق من القول إن ادعينا أنه لو كان من فوائد القراءة مزية واحدة ووحيدة هي كما ذهب إلى ذلك ألبرتو مانغويل أن القراءة هي الخاصية التي تميز الإنسان عن الحيوان؛ لكفت بها مزية وشيمة، وما ذلك إلا لأننا نقرأ ليس تجاربنا فقط بل تجارب أفراداً آخرين ليس فقط في حياتهم العامة بل في حميمياتهم وكذلك في سياقاتهم المجتمعية، بل نقرأ حياة من هم بعيدون عنا وراء حدود ليس فقط الوطن المكاني بل حتى وراء وطن الزمان. يقول ألبرتو مانغويل في كتابه فن القراءة (نحن نقرأ حياتنا الخاصة وحياة الآخرين، نقرأ المجتمعات التي نعيش فيها، وتلك الواقعة وراء الحدود).
قد يتفق معنا القارئ على أن القراءة -كما أدرنا في عنوان المقال- سفر خارج وطن الزمان، كما وطن المكان؛ ذلك أنها تحيلنا على ما أراده السابقون أن يبلغنا من رسائل أدرجت فيما وراء السطور والرسوم، إنها خطابات إشارية مرموزة ينبغي فك شيفراتها لمعرفة الظروف التي عاش فيها السابقون لنستفيد من نجاحاتها ونبتعد عن أسباب إخفاقاتها.
لا شك أن في كتب السابقين حفاظاً أولاً وقبل كل شيء على تسمية الأشياء بمسمياتها كما أرادها السابقون أن تكون، حتى نتلمس طريقهم في دروب الحياة فنعرف  -كما ذهب إلى ذلك ألبرتو مانغويل- أن الحليب يخرج من البقرة، وأنه إذا مزج بالقهوة يعطي -كافي كون ليش- (قهوة بالحليب باللغة الإسبانية).
فتكون بذلك القراءة بمثابة شمعة تنير طريق درب الحياة مستصحبة معها ذلك الشعور الجميل الذي ينتاب كل مار بالتجربة، فينال سالك الطريق من بعده نفس ذلك الشعور السابق ليعطي للاحق وقود السعادة وبنزين الحياة الذي يهبه له استصحاب الحال ذاك عند انغماسك في بحر معاني قراءاتك.
يقول مانغويل في نفس الكتاب: (من خلال ربط الكلمات بالتجارب والتجارب بالكلمات، نتخير كقراء قصصاً تكون صدى لتجاربنا الخاصة، أو تهيؤنا لتجارب جديدة أو تحكي لنا عن تجارب لم نمر بها أبداً)، كما نعرف طبقاً لذلك أن الطريق تبقى ثابتة لكن معالمها قد تتغير، بمعنى أن تجارب الناس قد تختلف لكن المناهج المستفادة منها جيلاً بعد جيل تبقى ثابتة في مغزاها متغيرة في شكلياتها.
يبقى التساؤل الخفي ظاهراً بيناً لكل سالك لطريق المعرفة، هل تعلمنا القراءة أسماء المباني أم أن الأحرى أن تطلعنا على أسماء المعاني؟ أو قل بمعنى آخر هل معرفتنا لأسماء المسميات التي سماها أسلافنا للأشياء حتى تصلنا كان كافياً لتحقيق العيش الرغد الذي توخاه أسلافنا لنا أم أن أشياء ضمنوها كتبهم بقيت مخفية وراء مسطوراتهم؟
الجواب أن رسائل وخطابات بقيت خافية مشفرة لم تفك بعد، لكن تطوير علم التشفير قد يفيدنا في فك رموزها، ولا أدل على ما نقول في تفكيك خطاب الاسم والمسمى في الكتب المقدسة من صحف موسى وإلى القرآن الكريم، مروراً بزابور داود وإنجيل عيسى، حيث أجمعت الكتب السماوية على أن الحق علم آدم الأسماء كلها، بمعنى دلالة الاسم على مسماه من الأشياء الحسية من حوله، لكن الرسالة المشفرة التي ينبغي تفكيكها هي أن أسماء القيم المعنوية من إيثار وصفح وسلام... هي بمثابة بورصة للقيم التي ترتفع أسهمها وتنخفض بمقدار تنبهنا لسوقها أو غفلتنا عنه.

 

 

 

ذو صلة
التعليقات