مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

دادا: الحركة التي غيّرت الفن إلى الأبد

(كانت سويسرا قفص عصافير تحاصره الأسود)، هكذا كتب الشاعر الألماني هوغو بول في إشارة إلى ماضيه عندما كان في زيوريخ عام 1916. ومع دخول الحرب العالمية الأولى مرحلتها الأكثر دموية بسقوط عشرات الآلاف من الضحايا يومياً في ساحات المعارك بدأت زيوريخ، أكبر مدينة في سويسرا المحايدة؛ تفيض باللاجئين والمنفيين من المفكرين والمعارضين السياسيين والمنشقين والمتهربين من جميع أنحاء أوروبا.
وإلى جانب هوغو بول كان الإيرلندي جيمس جويس منفياً بالمدينة، على غرار لينين، قبل 18 شهراً من ثورة أكتوبر، مع مجموعة من الأشخاص غير الأسوياء والمعدمين والفنانين الطموحين والباحثين عن إثارة الاهتمام بإعلانهم عن ميلاد أهم حركات التطوير الجذري في الثقافة أوائل القرن العشرين، ولا يزال تأثيرها الفني قائماً إلى اليوم حتى بعد مرور مئة سنة من ظهورها.
دادا DADA
كانت (دادا) تعمل على محاربة الفن المنتشر، فحوّلت الجوهر إلى تعبير جسدي استفزازي ورفعت شعار (لا للمعنى، لكن لا للهراء أيضاً)، رداً على العقلانية التي حمّلتها مسؤولية مجازر الحروب. أما رائد الحركة فكان مارسيل دوشامب، الفنان الفرنسي الذي وقّع على (مبولة) وسماها فناً، ويعتبر الفنان الأكثر تأثيراً في القرن العشرين. لكن في الوقت الذي بدأت فيه الحركة الجديدة بالتشكل، كان دوشامب يقيم على بعد آلاف الأميال، خارج دائرة الحرب في نيويورك، غافلاً عن الأحداث في زيوريخ.
وبعد مئة عام من تأسيسها، اختفى معظم الداعمين الرئيسين لدادا عبر التاريخ، حتى المدينة لم تعد تعرض سوى بعض الشواهد عن ماضيها الثوري. أصبحت زيوريخ اليوم، المدينة الأغنى بأوروبا؛ موطناً لحياة المترفين والأثرياء، ولا توحي شوارعها المرصوفة التي تمر عبر البلدة القديمة الخلابة ومطاعمها السياحية المتراصة ومحلات الملابس ذات العلامات التجارية؛ بأن حركة ثورية قد مرت من هنا باستثناء حي Spiegelgasse الذي يحتضن أثر واحدة من أكثر المؤسسات سيئة السمعة في تاريخ أوروبا الطليعية: كاباريه فولتير، مركز دادا، حيث انقلبت في غضون أشهر قليلة من سنة 1916 كل قواعد الثقافة الغربية رأساً على عقب. في ذلك المكان أصبح الشعر المجرد يلقى خطابياً على المسرح، في كثير من الأحيان بعدة لغات في وقت واحد، والفن التصويري يجمع من قمامة الشوارع، فاتحاً المجال أمام كل الأشياء والأفكار لتكون فناً، الراقصون في أقنعة غريبة يرتلون الأغاني الأفريقية على أنغام الطبلة، في فضاء علقت على جدرانه لوحات ومطبوعات من فنانين أمثال بيكاسو وكاندينسكي وموديلياني، ودادائيين مثل هانز آرب.
وعلى واجهة ذلك المكان، في المدخل تحديداً، علقت لوحة مزينة بذوق تحمل عبارة (كاباريه فولتير، عام 1916). كان كاباريه فولتير بالغرفة الخلفية من الطابق العلوي للمطعم الذي استأجره هوغو غول وصديقته إيمي هينينجس -وسرعان ما انضم إليهما الشاعر الروماني تريستان تزارا- لإحياء أمسيات الكباريه، مع دعوة الفنانين من جميع التخصصات للحضور. ويضم المبنى الآن مركزاً للفنون بعروض منتظمة، ومحلاً لبيع الهدايا المسماة (دادا) ومقهى أحباء الحركة في الطابق الأول، وفي نهاية الغرفة ومن وراء شاشة بلاستيكية متوهجة، يقع فضاء العروض الأصلي، الذي تم تجديده بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لظهور حركة دادا.
أسست حركة دادا السريالية والفن المفاهيمي ثم فن البوب في الأخير، وسعى المؤسسون إلى إعادة صياغة الفن من وجهة نظر صوفية بحتة، والثورة على الأفكار السائدة بأن الحياة تحكمها العقلانية والعلم، وأن شخصية الأفراد تحددها القوى الاقتصادية، معتبرين الحرب العالمية الأولى ذروة عصر العقل. ولا يمكن أن نفهم كره الدادائيين للفن بمفهومه الشامل دون الاعتراف بأن العديد من الفنانين والمثقفين في جميع أنحاء أوروبا قد رحبوا بالحرب العالمية الأولى واعتبروها قوة تطهير من شأنها أن تمحو حقبة مجتمع الزمن الجميل الذي سئمه الأفراد.
ومن بين المؤسسين الكبار للحركة هوغو بول، الشاعر والمخرج المسرحي والصحافي الذي كان يتميّز بشخصية مراوغة -لم يفهمها حتى بعض معاونيه في الدائرة الضيقة لدادا. كما كان بول، المفكر العصامي الذي تأثر بالفيلسوف الألماني نيتشه والرسام التعبيري الروسي الكبير فاسيلي كاندينسكي الباحث عن (الجانب الروحي في الفن)؛ يعتقد أن الحرب ستقضي على مفهوم (القدرية الاقتصادية) التي حطّمت المجتمع، لكن بعد زيارته للجبهة البلجيكية في عام 1914، ومعاينته لكابوس المجازر المروعة، تغيّر موقفه كلياً وأدرك أن (الفن) كان مجرد جانب آخر من جوانب الثقافة التي صنعت الحرب. وكان هوغو بول قد وصل إلى زيوريخ مفلساً وبأوراق مزورة في مايو 1915، هرباً من الحرب مع صديقته إيمي هينينغس، المغنية والشاعرة المتميزة. وبعد أيام من النوم في العراء والجوع، جمع ما يكفي من المال بالعزف على البيانو في الملاهي وفتح محلاً خاصاً به، (كاباريه فولتير)، (لتذكير العالم بأن هناك أشخاصاً بعقول مستقلة -بعيداً عن الحرب والقومية- يعيشون من أجل مثل عليا مختلفة). ومن بين الحاضرين في الليلة الأولى كان تريستان تزارا، طالب الفلسفة الروماني في العشرين من عمره. كان شاعراً وناشراً سرعان ما تخلى عن دراسته بجامعة زيوريخ وتفرّغ لتنظيم الكابريه فأصبح شخصية دادائية رئيسة أخرى مؤسسة وفاعلة، وهو الذي حوّلها إلى حركة في الواقع.
كانت مساهمة بول الأكثر شهرة في (مسرح العواطف المجنونة) لدادا تلاوته لقصيدته بعنوان (Gadji Beri Bimba) مستوحاة من الشعر الأفريقي، مرتدياً زياً تكعيبياً من الورق المقوى بالفضة وقبعة طويلة أضفت عليه شكل (الأسقف السحري)، وهو يصبغ المقاطع الغامضة برنّة كنسية zam Zimzim urullala zimzim zanzibara zimzalla - وكانت الكلمات التي تهدف إلى نبذ كل (شيء جميل وسوي، وهادف، وأخلاقي) على حد تعبيره في بيان دادا، وتجريد اللغة من (كل الشوائب التي علقت بها). وفي الوقت نفسه، كان تزارا يطبع المنشورات والمجلات، التي تحمل بصمة دادا بشكل بارز، ويكتب الرسائل لفنانين مهمين في جميع أنحاء أوروبا، وحوّل دادا إلى حركة فنية رسمية. لكن بول عارضه في ذلك حتى الخصام والقطيعة. وبعد شكاوى بسبب الضوضاء والسكر، قرر صاحب المطعم التقليص في ساعات استئجار المحل. وبحلول 14 يوليو 1916، كانت دادا قد انتهت تقريباً بالنسبة للشاعر هوغو بول الذي غادر زيوريخ لجنوب سويسرا في نهاية الشهر وتوفي هناك في ظروف غامضة سنة 1927.
ورغم ذلك، بدأت دادا تشق طريقها بثبات من جديد بعد أن ظهرت ثانية في برلين، واتخذت طابعاً سياسياً بالأساس، في الوقت الذي أنشأ فيه تزارا مشهداً جديداً لدادا في باريس، لتتحول إلى حركة سوريالية في بداية العشرينات. أما هانز آرب، الذي عمل على إبراز دادا كظاهرة فنية بدل من كونها ظاهرة أدبية، فكان الأكثر شهرة من بين فناني دادا بزيوريخ، ولا يزال عمله الفني يعرض في معظم الصالات في جميع أنحاء العالم.

ذو صلة
التعليقات