مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

الخبز المعجون بالدمع والألم

يصل الزائر إلى مدينة الحبيب صلى الله عليه وسلم، والمنورة إلى يوم الدين بإذنه تعالى، وتحط الركاب في ما كان يعرف بـ(باب المصري)، أحد أبواب المدينة المنورة القديمة. تصل إلى أذنيك نداءات الباعة، وخصوصاً باعة الخبز، وكان متنوعاً، وأحسنه ما كان مصنوعاً من الحب، ويرفع البائع صوته قائلاً: (الشريكة سته هللة) قرش ونص. والشريك نوع من الخبز المُطعم بالسمسم، يؤكل صباحاً، وهو ما اشتهرت به المدينة المنورة إلى يومنا هذا.
وغير بعيد عن سوق باعة الخبز، والسوق الآخر للطعام، يجلس الصيارفة في حوانيتهم ليقوموا بدور عملية الصرافة، وأنت تسمع صوت الريالات يصطك بطريقة يحرص صاحب المكان على تنغيمها لجلب الزائر، والاستفادة مادياً.
ثم تدلف إلى بهو الباب، وتقابلك النسمات الندية من أرض السوق المرشوش بالماء البارد بقِرَب الجلد، يحملها السقا على كتفيه كل يوم ليرش السوق حتى يشعر الناس بالبرودة، وخصوصاً في فترة الصيف، وذلك قبل دخول الكهرباء في حياة أهل المدينة المنورة.
(سويقة) هو الاسم لأشهر أسواق المدينة المنورة، فيها حوانيت العطارين، تنبثق منها رائحة الند والبخور، ويوجد بها كذلك حوانيت باعة الملابس، وخصوصاً الملابس التي تخص المرأة، وكان الكبار من الباعة يجلسون في مؤخرة الحانوت ويتركون أبناءهم مع الزبائن، وكان الآباء يوصون أبناءهم بالعفة والطهارة عند التعامل مع المرأة، ولا يملك الشاب إلا أن يصيخ بنفس راضية مطمئنة إلى نصيحة والده، فالمرأة التي تريد الشراء هي أم وأخت أو ابنة، وكفى بذلك حصناً لتجد المرأة الصون والتكريم من الجميع.
كذلك تحفل (سويقة) المدينة المنورة بالحوانيت المتخصصة في بيع حُلي النساء الذهبية والفضية على حدٍ سواء، وهناك ما يجده الحاج أو الزائر من رموز مثل خواتيم الفضة، وسواها مما يحرصون على اقتنائه لحملها إلى بلادهم، ذكرى طيبة، ودليلاً على زيارة مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
في أواخر (سويقة) توجد حوانيت صناعة العُقل، وخصوصاً العقل المقصبة، التي كان يلبسها الأعيان من الناس، خاصتهم وعامتهم. ومن أشهر وأبرز بائعي هذا الضرب من اللباس الشيخان: أمين بري، وحسين رشوان.
ثم تأخذك نهاية الشارع إلى برحة باب السلام، وكما توجد الأشياء التي يحتاجها الزائر مثل: بضاعة (الكولندي)، تستقبلك ظاهرة أخرى هي من أبرز سمات أسواق المدينة المنورة: العينية، سويقة، وباب المصري، المناخة، هذه الظاهرة هي وجود عدد من الشخصيات الغريبة في لباسها، وفي طريقة حديثها، وفي حركتها، من يسمون بـ(المجاذيب)، ومن الأسماء المشهورة لهذه الشخصيات الغريبة، رجل اسمه كامل، وآخر الرشيدي، والتيجاني، ودحدر، وامرأة تدعى حليمة السعدية. وقد أدركت أحد هذه الشخصيات في مطلع الثمانينات الهجرية عند خروجي من مدرسة العلوم الشريعة الواقعة آنذاك في شرق المسجد النبوي الشريف، إذ رأيت رجلاً يلبس ثوباً متسخاً ويهرول في مشيته، ويردد عبارة يستوقفك بها، ويقول لك: (دير ظهرك!) وعلمت أن اسمه (كامل).
وتحكى عن هذا الرجل حكايات ربما يدخل في باب الأساطير عند البعض، وفي باب الكرامات عند البعض الآخر، ولسنا هنا بصدد تقييم تلك الحالة، بقد ما نحن نقوم برصد الحياة الاجتماعية للمدينة المنورة في ذلك العهد، وفي هذا الصدد فقد ذكر الرحالة إلدون روتر Eldon Rutter هذه الشخصية في كتابه (المدن المقدسة في البلاد العربية The Holy Cities Of Arabia)، والكتاب ترجمته دارة الملك عبدالعزيز، وتولى الترجمة الزميل الكريم الأستاذ الدكتور عبدالله آدم نصيف، المتخصص في علم الآثار والتاريخ، ومعلوم أن الرحالة إلدون قد دخل المدينة المنورة في وقت الحصار، أي عام 1344هـ، بعد تسليم المدينة المنورة للملك عبدالعزيز، رحمه الله، لتضحى جزءاً من الدولة السعودية.
ويصف الرحالة إلدون (كامل) بأنه (درويش/ Dervish)، وأنه جاء يوماً مسرعاً لصاحب الحانوت الذي كان يجلس عنده هذا الرحالة الإنجليزي فطلب من الرجل نقوداً، مع أنه يرفض من يقدم له المال، قليلاً أو كثيراً، فأخذ تلك النقود وطرق باب دار من دور المدينة المنورة، وسلم على صاحبها، وهنأه بالمولود الجديد، ودفع إليه بالنقود التي أخذها من صاحب الحانوت، وحينها سأل الرحالة صاحب الحانوت: كيف علم هذا الرجل (كامل) أن مولوداً قد ولد في هذه الدار وأن أهلها من الحاجة بمكان؟ فرد عليه صاحب الحانوت: ذلك من صنع الله وقدرته.
ويضيف الرحالة أن (كاملاً) هذا كان يطوف المدينة المنورة من الصباح إلى المساء، حتى إذا ما جن الليل، اتخذ من أماكن حول الحرم، مثل المقاهي الصغيرة، ومن أشهرها مقهى الوكالة، متّكَأً للراحة العابرة والنوم الخفيف، ثم سيقوم من بعد ذلك للصلاة، قبل الأذان الأول، وكان صاحبَ صوت حسن، وتسمعه ينشد القصائد المشهورة في مدح الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، مثل البردة والهمزية. وقد أخبرني أحد كبار المعمرين والمؤذنين ومن حفظة كتاب الله الكريم ومن رواة الأدب العربي في المدينة المنورة، هو الأستاذ عبدالستار بخاري، أن (كاملاً) هذا، المُختلَفُ في تصريف سلوكه، كان يحفظ معه القرآن، وأن حالة الجذب أصابته فانقطع من الحلقة. كما أخبرني الوالد -رحمه الله- أن اسمه الحقيقي هو محمد المهدي، وأن والدته كانت تسكن فيما يعرف بـ(حوش عميرة)، الكائن في منطقة (السيح) المشهورة، وأمام المسجد الذي يحمل اسم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ظل (كامل) في عقول المدنيين وسواهم، بل وفي عقول غربيين، كما نقلنا عن (روتر)، أسطورة يصعب حل رموزها، والله شهيد على كل شيء، وقادر على كل شيء، ولطيف بكل شيء، ورحيم بكل شيء، ومغفرته أوسع من ذنوبنا، ورحمته أرجى من أعمالنا.
وبهذا نكون قد ختمنا هذه المقالة، التي تدخل في باب الأدب والتاريخ بما كانت عليه المدينة المنورة في العهود السابقة، وفي هذا العهد السعودي الزاهر.

ذو صلة
التعليقات