مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

خط الرقعة حافظ تراث الدواوين والرسائل

شكلت خطوط الدواوين المختلفة حافظاً لغوياً وفنياً لمؤسسات الإدارة طوال تاريخها في الحضارة العربية الإسلامية، واستطاعت أن تؤسس لنفسها مكانة مميزة في سياق إداري وفني أتاح لها حرية التعبير والإبداع. وتعددت مسميات الخطوط ووظائفها المختلفة في فترات طويلة، وكان لمؤسسات الدولة الإسلامية طوال تاريخها دور رائد في إرساء القواعد الفنية والوظيفية للخطوط المختلفة فيها. وخط الرقعة هو الخط الأكثر شهرة في مجموعة الخطوط الإدارية؛ إذ كان وسيلة التواصل بين أفراد الشعب (العامة) من أصحاب الحوائج والطلبات لدى أرباب الدولة والوظائف الرسمية، وهو أيضاً خط العامة من طلاب العلم والكُتاب، ويتسم بسرعته كخط اعتيادي في الكتابة اليومية، وهو من أسهل الخطوط العربية، ويمتاز بجماله واستقامته، وسهولة قراءته وكتابته وبُعده عن التقعيد. لذلك فهو أسهل الخطوط، وهو حافظة تراث الرسائل المتداولة بين الناس، وأيضاً هو مبتدأ تعليم الكتابة والخطاطة لدى الأطفال في صفوف التعليم الابتدائية، وهو أبرز خطوط الدواوين على أنواعها ووظائفها.
يشرح دكتور عفيف بهنسي اصطلاح الرُّقعة لغوياً، ويقول: «هي قطعة من الورق أو الجلد تكتب عليها الرسائل»، وأشار إلى دلالة خط الرُّقعة أو رُقعي وقال: «هو خط يختلف عن الرِّقاع، وهو خط سهل سريع يعود إلى عام (886هـ/ 1481م)، ولكن المستشار ممتاز بك (ت 1280هـ/ 1863م)، جوده وحدد قواعده». وبذلك يضع دكتور بهنسي باختصار وجهة نظر عربية في نشأة خط الرُّقعة. لكن هذا التعريف، وما كتب عن هذا الخط؛ لا يفي هذا الخط حقه في كيان الإدارة العربية الإسلامية. ويضيف دكتور الدالي أن الآراء لا تتفق في بدء نشوء خط الرُّقعة وتسميته التي لا علاقة لها بخط الرِّقاع القديم.
يفهم خط الرُّقعة وتاريخه وفق ثلاثة مسارات، الأول: أنه امتداد لخطوط التقييد السريعة التي اختصت بتنفيذ المعاملات الرسمية الجارية داخل أضابير الدولة الإسلامية المختلفة، وهو المكافئ لخط الرِّقاع في الاستخدام، ولكنه غير مكافئ له نهائياً في الشكل، حيث تختلف صورة خط الرقاع عن الرُّقعة، لذلك يهتم كثير من الباحثين في تاريخ الخط العربي أو جمالياته بإبراز الفروق الشكلية بين الخطين. والمسار الثاني: هو أن خط الرُّقعة واحد من الخطوط التي أبدعت فيها الدولة العثمانية، وأخرجه الخطاطون العثمانيون ليكون واحداً من أهم خطوط المعاملات التي ظهرت في ظل خصوصية الخطوط الهمايونية العثمانية، ويعرف بالتركية الحديثة Rika kirmasi أي الرقعة المقرمطة (الصغيرة أو الدقيقة). والمسار الثالث والأخير: هو كيف أكمل العرب في مصر والشام والعراق الإبداع في خط الرقعة بعد انهيار الخلافة العثمانية، والانقلاب اللغوي على يد مصطفى كمال أتاتورك وإحلال الكتابة بالتركية الحديثة مكان العربية في تركيا عام 1928م؟ وكيف أستطاع العرب استكمال مسيرة هذا الفن، وإخراج خط الرُّقعة من سياقه الإداري التقليدي ليصبح خطاً جمالياً تكتب به لافتات المحال التجارية وعناوين المجلات والصحف، وأغلفة الكتب، الأمر الذي يعتبر ميلاداً جديداً لهذا الخط، وإصباغه بالصبغة الفنية العربية.
وخط الرُّقعة واحد من أهم (الخطوط الإدارية) التي استطاعت الدولة الفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية وحواضرها المترامية استمرار التأكيد على مفهوم (الخطوط الإدارية)، وتنوعها ووظائفها الفريدة والمحددة. ومفهوم (الخطوط الإدارية) من المفاهيم المستحدثة، لكن تلك الخطوط من أهم ما اهتمت به أدبيات الكتابة والخطوط العربية. والتعريف بالخطوط الإدارية يعتبر مدخلاً مهماً ورائداً للوصول إلى أهمية خط الرُّقعة وموقعه. ويمكن تعريف الخطوط الإدارية بأنها: تخصيص خط محدد أو مجموعة من الخطوط العربية، لغرض كتابي له بعد إداري أو رسمي من الأمور المستخدمة داخل الكيان الإداري للدولة العربية والإسلامية، ويستخدم هذا الخط لوظيفة محددة مثل كتابة الفرمانات من السلاطين بخط محدد هو خط التواقيع في العصر المملوكي، أو كتابتها بالخط الديواني في العصر العثماني، أو خط الرُّقعة للعامة وأفراد الشعب لكتابة القصص أو المظالم. وتختلف درجة البساطة من خط إلى آخر حسب الغرض والغايات المكتوب لها، فمثلاً الخط الديواني هو خط جمالي متكلف للمكاتبات الرسمية بين الدول والمعاهدات، بخلاف خط الرُّقعة الذي يمتاز بالسرعة والسهولة في الكتابة والقراءة، ويختلف عن خط آخر هو (السياقت) الذي يعتمد على السرية والشفرة في كتابته وتداوله. وتختلف الخطوط الإدارية وأشكالها واستخداماتها من فترة زمنية لفترة زمنية أخرى، وتختلف صورها الفنية من مدرسة فنية إلى مدرسة فنية أخرى، مثل استخدام خطوط التواقيع التي تكتب به التواقيع الخاصة بكبار الملوك والأمراء والقضاة. والرّقَاع لتوقيع الصغار والمراسلات. ويقول الدكتور سهيل أنور: «إن كتابة خط الرُّقعة هي أسرع إنجازاً من كتابة خط النسخ»، ولا سيما أن الخطين كانا أكثر الخطوط العربية استعمالاً في كتابة الاستنساخ الاعتيادي منذ ظهرت بعض صور حروفه في هذه الكتابات على البردي من القرون الأولى للهجرة. وتأكدت بعض صوره الأخرى في القرون التي تلت عصر ابن البواب الذي أشاع الخطوط اللينة، وفي مقدمتها خط الثلث وخط النسخ.
وخط الرُّقعة الأول ليس هو خط الرُّقاع المعروف بهذا الاسم في القرون المتأخرة، بل هو خط عربي عملي اخترع ليستخدم في الأغراض التحريرية والإدارية وليس لكتابة القرآن، فكانت تكتب به الرقاع أي الأوراق أو الرسائل، ومن هنا جاءت تسميته. وبالتالي فإن الغرض من خط الرُّقعة الأول هو ذاته الغرض من خط الرُّقعة الحديث، ويرجع بعض الباحثين اشتقاق خط الرُّقعة من خط الرقاع القديم، ونسبت مجموعة أخرى اختراعه إلى الخطاط البغدادي أبي الفضل بن حزين، الذي لا يزال مجهولاً، ولم نستطع الوصول إلى ترجمته. ويقول القلقشندي عن قلم الرقاع: والمعنى أنه يكتب به في الرقاع جمع رقعة، والمراد الورقة الصغيرة التي يكتب فيها المكاتبات اللطيفة والقصص وما في معناها، وهو الذي يكتب به في قطع العادة من المنصوري والقطع الصغير. وصوره في الأصل كصور حروف الثلث والتوقيع في الإفراد والتركيب؛ إلا أنه يخالفه في أمور: أحدها: أن قلمه أميل إلى التدوير من قلم التوقيع الذي هو أميل إلى التدوير من قلم الثلث. قال لي الشيخ عبدالرحمن بن الصائغ المكتّب: وتكون جلفة قلمه في البراية أقصر من الثلث والتوقيع.
الثاني: أن حروفه تكون أدقّ وألطف من حروف التوقيع. الثالث: أن الترويس لا يقع في منتصباته من الألف المفردة وأخواتها إلا في القليل، بخلاف الثلث والتوقيع فإن الترويس فيهما لازم. الرابع: أنه يغلب فيه الطمس في العين المتوسطة والأخيرة، وكذلك الفاء، والقاف، والميم، والواو، وعقدة اللام ألف المحققة. أما الصاد والطاء والعين المفردة والمبتدأة فإنها لا تكون إلا مفتوحة. والخامس: أنه يوجد فيه من الحروف ما لا يوجد في غيره كالألف الممالة إلى جهة اليمين على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وخط الرُّقعة هو صورة مصغرة قليلاً من بعض حروف الخط الديواني المنصوبة، المتجردة من الزخرفة، مع التخفيف من الأقواس والميول. وتدويره قليلاً، وانبساطه كثيراً، وهو خال من الحركة. ويوضح الدكتور علي آلب أرسلان إلى أن أقدم نموذج اطلعنا عليه يُظهر لنا أن خط الرُّقعة تكوّن من الخط الديواني، في الوثيقة التي تتحدث عن الواردات الموقوفة على مكتبة أحمد الثالث بقصر طوب قابي، الصادرة في 10 ربيع الأول 1136هـ/ 12 ديسمبر 1723م. وحدثت الطفرة الثانية في تحسين خط الرُّقعة على يد أستاذ هذا الخط في معهد غلطه سراي محمد عزت أفندي (ت 1321هـ/ 1903م)، حيث أتى بمقاييس قطعية للحروف، كما أضفى عليها بشكل عام الانشراح، وجعل بذلك الرُّقعة خطاً من الفنون. ويفرق الأتراك بين خط الرُّقعة الباب العالي (خط الرُّقعة القديم)، وبين رقعة عزت أفندي (خط الرُّقعة الحديث)، ويعتبر مشق محمد عزت في خط الرُّقعة من المصادر الأصيلة لقواعد هذا الخط، الذي أرسى قواعده الأخيرة في كراسته الشهيرة (ترجمان خطوط عثمانية)، التي أصدرها مطبوعة لأول مرة مع أخيه الحافظ تحسين (1263-1330هـ/ 1847- 1912م)، في عام 1292هـ/ 1875م، وهذبها في إصدار جديد عام 1306هـ/ 1888م، ومن هذه الكراسة شاعت طريقته وعم أسلوبه واستقر خط الرُّقعة واضحاً مستقلاً بين الخطوط المعاصرة.
ويوضح الدكتور إبراهيم جمعة الدور العثماني في صياغة مفهوم الجمال والنسبة في الخط الرقعة بقوله: «ولا يسع الباحث في تطور الخطوط العربية إلا أن يعترف لهاتين المدرستين معاً -يقصد المدرسة المصرية المملوكية والمدرسة السلجوقية الأتابكية- بالأسبقية في التجويد والافتنان، وعنهما أخذت المدرسة التركية العثمانية: أخذت عن المصريين قلم الثلث وقلم الثلثين بصورتهما المعروفة لدى المماليك، وبنت عليهما وخرجت منهما خطوطاً جميلة وأبدعت في تخريجها حتى بلغت الغاية، وأخذت عن السلاجقة خط النسخ، وسارت فيه سيرتها الخاصة، ولكنها أخذته ناضجاً تمام النضوج، ثم أضافت من عندها خطين جديدين هما خط الرُّقعة المعروف والخط الديواني. وفي القرن الحادي عشر للهجرة أجاد الصدر الأعظم (شهلا باشا)، هذا القسم الأخير وروج له بالتنقل والارتحال في أنحاء الدولة العثمانية».
ويرتبط بخط الرُّقعة بشكل وظيفي، وظيفية العرضحالجي، و(العرضحالجي) هي وظيفة الكاتب العمومي أو الكاتب الذي يقوم بالكتابة نيابة عن الغير. هذا الغير الذي هو إما أن يكون أمياً أو جاهلاً لتلك اللغة المطلوب الكتابة بها، أو فقط ليست له الخبرة والدراية الكافيتين لكتابة ما يريده بالطريقة الإدارية أو القانونية المطلوبة منه. مهنة الكاتب العمومي منتشرة بشكل أكبر في البلدان العربية وبلدان العالم الثالث، وهذه المهنة مقننة في بعض الدول من طرف الإدارة، وبالتالي تخضع ممارستها لشروط. وقد ظهرت في مصر لأول مرة في القرن التاسع عشر الميلادي، والكلمة مكونة في الأصل من ثلاثة عناصر: (عرض، حال، جي). كلمتا (عرض حال) بدأ استخدامهما بمعنى (الشكوى) ابتداء من القرن التاسع عشر، وكانتا حتى بداية السبعينات من القرن العشرين تستخدمان للإشارة إلى نفس المعنى، أما (جي) فهي كلمة تركية تستخدم لنسبة شخص إلى مهنة بما يعني قيامه بها، وهو الدور الذي تلعبه مثلاً في كلمات: (قهوجي، بوسطجي..)، وبالتالي يصبح معنى كلمة عرضحالجي هو: (الرجل المختص بالشكاوى أو بكتابتها). لذلك كانت هناك ملايين من الوثائق العربية داخل مؤسسات الدولة المختلفة مدونة بخط الرُّقعة، كتبها آلاف من البسطاء والعامة لرفع ظلم أو طلب جراية محددة من جانب الإدارة المحلية.
وخط الرُّقعة هو خط عربي سهل يتميز بالسرعة في كتابته، يجمع في حروفه بين القوة والجمال في آن واحد، لا يهتم بتشكيله إلا في الحدود الضيقة باستثناء الآيات القرآنية، وجميع حروفه مطموسة عدا الفاء والقاف الوسطية، وتكتب جميع حروف الرُّقعة فوق السطر ما عدا الهاء الوسطية والجيم والحاء والخاء والعين والغين المنفصلات وميم آخر الكلمة أو الميم المنفصلة. بشكل عام يميل القلم إلى الأسفل عند التحرك من اليمين إلى اليسار في الكتابة. الخط العربي المكتوب من العامة هذه الأيام يكون غالباً مزيجاً بين النسخ والرُّقعة. وعلى الرغم من أن الشائع عن الخط الرُّقعة أنه خط وثائق وكتب، ولكن كثير من الشواهد الأثرية أثبتت استخدام خط الرُّقعة في شواهد القبور المختلفة، ولنصوص طويلة نسبياً. وقد أبدعت المدرسة العربية في عمل كراسات خطية (أمشاق) لتعليم خط الرقعة لأهميته لطلاب العلم على مراحلهم المختلفة. وبداية من القرن العشرين كتب الخطاط المصري عبدالرازق عوض كراسته الشهيرة (الرقعة في تعليم الخط الرُّقعة)، التي طبعت في أجزاء عديدة في النمسا بعد إجراء مسابقة برعاية الحكومة المصرية وقتها، ثم أكمل الخطاط المصري الكبير سيد إبراهيم مسيرة الاهتمام بهذا الخط ضمن مجموعته التعليمية، بل إن حكومة السودان عام 1913م طلبت منه مجموعة تعليمية لخط الرُّقعة تحديداً، وكان لمجموعة السلاسل الذهبية للخطاط السوري نجيب بك هواويني مساهمة جديرة بالتوقف عن الخط الرُّقعة وربط الحروف ببعضها وشكل الحرف وطبيعة السطر فيها. لذلك لا نبالغ في حديثنا بأن نقول إن خط الرقعة خرج عن الشكل الديواني أو الرسمي المألوف ليدخل مساحة فنية جديدة لا يمكن إنكارها، فمثلاً الشيخ محمد عبدالرحمن وقطعته الشهيرة بعنوان (هدية الحكماء للإسكندر) هي مثال لتطوير وتطويع وخروج عن التقليدي والمألوف في فهم فنيات الخط الرُّقعة، وتطويره. ليأتي مجموعة خطاطي جريدة الأهرام المصرية مثل عدلي بولس، وقدري عبدالقادر، وشبوح، ومحمد حمام الذي كرمه الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة لجهوده ومسيرته في الخط العربي خلال ملتقى الشارقة للخط العربي. كل هؤلاء أخرجوا خط الرُّقعة ليكون خطاً يبهج العين ويجذبها لمساحة من التفرد والرقي من خلال عناوين تلك الجريدة العريقة ساعدت مصممي الخطوط العربية على تصميمه والإبداع فيه، ويشير الفنان محي الدين اللباد إلى ذلك بقوله: «وستظل لوحات الخطاط الفرد إيداعاً خالداً يحتل مواقعه المتنوعة في حياتنا: في المتحف، وفي المعرض، وفي منازلنا، وأماكن عملنا، وعلى أغلفة كتبنا، ووثائقنا، ولافتاتنا، وعلاماتنا التجارية، وعلى كل ما نحرص على تمييزه من مصنفاتنا. أما حرف الطباعة فهو شأن آخر جديد يحتاج تكاتف عدد من التخصصات، وقد أصبح صنعة وعلماً، له أصوله ومناهجه ومعاهده لتكوين المبدعين فيه، وأصبح الخطاط أحد التخصصات العامة في حقل حرف الطباعة، وليس المبدع الوحيد».

ذو صلة
التعليقات