مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

بزوغ عصر المؤلفين الأذكياء

بزوغ عصر المؤلفين الأذكياء

د. طارق راشد: الإمارات
على مدى القرن الماضي، صار يُنظر إلى السعي في تحصيل العلم ومراكمة الحقائق العلمية كمقياس محوري للتقدم البشري، مع هيمنة التصور القائل بأن الحقائق مهمة، وأما الخيال فهو في أحسن الأحوال شيء زائد عن الحاجة.
فالناس ينظرون إلى قراءة رواية أو مشاهدة فيلم باعتبارهما شيئاً لا يفعله المرء إلا بعد يوم شاق من الإنتاجية، يوم قضاه المرء في استبانة (الحقائق) في أي مجال من المجالات التي يشتغل بها، لكن هناك شواهد متزايدة على أننا كبشر نعيش حياتنا داخل عالم من الخيالات.
وعلى ما يبدو أننا مهيّؤون بالفطرة لقبول القصص ودمجها في أعمق نسيج مجتمعاتنا. لقد شكّلت الخيالات الكبرى، كالوطن القومي والدين والرأسمالية؛ العالم الحديث، ومع ذلك فالقدرة على تقرير الحقائق هي التي يُنظر إليها عموماً باعتبارها السمة الإنسانية الحيوية أكثر من كل ما سواها.

| نحن نتعاون مع ملايين الغرباء إذا آمنا بذات القصص الروائية. القوة الخارقة البشرية مستندة إلى الخيال. نحن الحيوان الوحيد، في حدود علمنا، الذي يمكنه إبداع القصص الخيالية والإيمان بها، وكل أشكال التعاون البشري واسع النطاق يستند إلى الخيال |.
يوفال نوا هراري

يقول لوكلان بلوم، روائي بريطاني وكاتب سيناريو ومؤلف قصص قصيرة: إن الظهور الوشيك للذكاء الاصطناعي والأتمتة يشكل تهديداً في مواجهة أسلوب حياتنا، ليس فقط لأننا سنكون أسوأ حالاً بكثير من الآلات في تقرير الحقائق بل أيضاً لأننا سنكون على الأرجح أسوأ في إبداع القصص الخيالية.

توصيات لعديم الفائدة
يبدو يقينياً في السنوات المقبلة أن خوارزميات تعلم الآلة، المتصلة بشبكات عالمية من المستشعرات ومصادر البيانات، ستتفوق بشكل متزايد في أدائها علينا فيما يتعلق بتقييم ما هو صحيح حقائقياً.
سواء أكان الأمر يتعلق بالحكم على تحركات أسعار الأسهم أم التشخيص الطبي أو استبانة الحالة الانفعالية لشخص آخر، بدأت نظم الكمبيوتر بالفعل تتغلب على البشر في بعض المهام التي نتباهى أشد ما يكون بإنجازها، والوضع يشهد تحسناً سريعاً.
في الوقت الراهن، يستغرق المهنيون سنوات من التدريب لكي يصبحوا خبراء في مجال مهنتهم، ولفهم ماهية القضايا الحقيقية في مجال اختصاصهم، لكن في المستقبل هناك قطاعات كبيرة من الوظائف ستختفي على الأرجح.
إذا لم يتم تدريب أحد في المستقبل، لأن الآلات قادرة على تحليل المعلومات بشكل أفضل من البشر، فكيف إذن سيمكننا أن نناقش بعقلانية ما هو حقيقة وما ليس كذلك؟
المؤرخ والفيلسوف يوفال نوا هراري يتحدث عن ظهور (طبقة عديمة النفع) غير قادرة على فعل أي شيء أحسن من الآلات، وعلى الرغم من أننا لسنا على يقين كيف سيكون أداء التكنولوجيا في النهاية، إلا أنه يبدو يقينياً أن هناك أغلبية هائلة من الناس (من أخصائيي التصوير بالأشعة السينية إلى الخبراء الاقتصاديين) لن تكون هناك حاجة إليهم في المستقبل لأداء ذلك النوع الذي نؤديه في يومنا هذا من الوظائف المستندة إلى الحقائق.

كيف تقرأ كتاباً
أين سيتركنا هذا كبشر؟ في ظل التناقص المتزايد في عدد من يقضون أيامهم في تقرير الحقائق، فإن علاقتنا بالحقيقة والخيال ستتغير على الأرجح تغيراً جذرياً. والأرجح أن يكون هذا ملحوظاً فيما يتعلق بالشكل الأكثر قبولاً على نطاق واسع من الخيال، وهو الرواية.

| الحقيقة أن الشعر ليس هو الكتب الموجودة في المكتبة... بل الشعر هو اللقاء الذي يجمع بين القارئ والكتاب، هو اكتشاف الكتاب |.
خورخي لويس بورخيس

لقد بدأنا بالفعل نقترب من حالة يتفوق فيها فهم الآلات لما نقرؤه على فهم المؤلف في مجالات كثيرة. فبإمكان أمازون بالفعل أن تجمع بيانات أولية من الملايين من مستخدمي أجهزة القارئ الإلكتروني Kindle لكي تفهم كيف يتفاعل قارئ معين مع النص (بمعنى ما الجزئيات التي نقرأها بسرعة وفي أي المواضع نبطّئ سرعتنا أو نتوقف) وتستقرئ ما تتوصل إليه لكي تقدم توصيات استناداً إلى شخصيتنا.
لن يزداد هذا التحليل للتفاعل بين القارئ والنص إلا براعة ودقة كلما أضفنا المزيد من المستشعرات، والمزيد من القراء، والمزيدة من القدرة الحاسوبية. ستعرف الخوارزميات بالضبط أي المواضع تثير ردة فعلك. ستعرف ما الذي تستمتع بقراءته أكثر مما تعرف أنت.

| في القريب العاجل ستقرؤك الكتب أثناء قراءتك إياها. وفي حين أنك تنسى بسرعة معظم ما تقرأ، فإن برامج الكمبيوتر لا تنسى أبداً |.
يوفال نوا هراري

سواء أكنت تريد حكاية مثيرة عن السيوف والسحر أو رواية فلسفية تنويرية، سيكون بمقدور الذكاء الاصطناعي أن يصمم توصيات تتلاءم مع شخصيتك، وسيفهم بالضبط ماهية القصص التي ستتفاعل معها.

الخطوة التالية للتأليف
بل إذا مضينا بهذه الفكرة خطوة أبعد، فسوف نرى أنه من غير المستبعد أن نعيد نحن أيضاً -متى صارت هذه البيانات وأدوات تعلم الآلة متاحة- هندسة هذه الأدوات ذاتها بحيث يمكن أن تصير هذه الآلات في حد ذاتها مؤلفين.
ربما لا (تفهم) الخوارزميات ما تكتبه، لكنها ستعرف بالضبط ماذا تكتب لكي تثير المشاعر وردود الأفعال. في وقت سابق من هذا العام، أعلنت جوجل عن ترقيات لخدمة Translate التي تقدمها تقرّب المعالجة الآلية أكثر من أي وقت مضى إلى الطريقة التي يستخدم البشر بها اللغة، حيث تحلل النص على مستوى الجملة لا على مستوى الكلمات الفردية.
ومتى تم تهذيب هذا النهج وتحسينه، فإنه يقيناً ليس من المستحيل أن تتفوق الآلة في الأداء على البشر فيما يتعلق بإنتاج كتاب كامل. والحقيقة أنها تكاد تفعل ذلك بالفعل في اللغات الأخرى غير العربية.

| الترجمة العصبية أحسن كثيراً من تكنولوجيتنا السابقة، لأننا نترجم جملاً كاملة في المرة الواحدة، بدلاً من ترجمة أجزاء الجملة... وهذا يعطينا ترجمات أكثر دقة في العادة وتبدو أقرب إلى الطريقة التي يتكلم بها الناس اللغة |.
باراك توروفسكي، مدير المنتجات في
Google Translate

الأكثر من ذلك أن الآلة تستطيع تأليف كتاب في لحظة، ويمكنها تأليف مئة كتاب.. الملايين.. كتاب لكل عميل. سلسلة بلا نهاية من تَتِمّات الأعمال الأدبية المصممة خصيصاً لك أنت وحدك. رواية مصممة خصيصاً لتتلاءم مع شخصيتك الفردية، بحيث تكون العمل المثالي الذي تقرؤه.
ستكون قدرة أي مؤلف بشري على التنافس تجارياً مستحيلة، من المؤلف الذي سيستطيع كسب لقمة عيشه؟ بل من الذي سيجشم نفسه عناء قراءة كتابه؟ ربما تكون هناك ثقافة فرعية تستمتع بـ(الكتب الحِرفية) المصنوعة يدوياً على أيدي مؤلف بشري، لكن في النهاية ستكون تلك الكتب ببساطة غير ممتعة في قراءتها.
فكيف سيكون بإمكان مؤلف بشري أن يخرج عملاً من أكثر الكتب مبيعاً عندما يكون بإمكان الآلة أن تنتج مليون رواية مصممة بشكل مثالي في جزء من الزمن الذي يحتاج إليه هذا المؤلف. ستعرف الخوارزمية ما قرأت بالفعل وما تتوق إليه وما سيبدو جديداً وغضاً وما سيبدو متقادماً في عينيك.
إذن فأي شيء يتركه ذلك للإنسان لكي يفعله؟ ما الغرض من كتابة الخيال في عالم تستطيع فيه الآلات التفوق كثيراً على البشر في الأداء؟ فهل سيؤْذن هذا بنهاية الرغبة البشرية في إبداع الخيال لاستكشافه من خلال فعل الكتابة؟

معول يكسر البحر المتجمد
أحد الاحتمالات هو أننا سنستفيد من الأدوات المتاحة لابتكار شكل جديد من أشكال الكتابة. القارئ نفسه ربما يصير المؤلف، حيث يقوم بتجميع وتقديم سيل الكلمات الذي تولّده الآلة.
ولا ننس أن عملية التأليف لا تُعنى بكونك أفضل في الكتابة على لوحة المفاتيح، أو الإمساك بقلم، أو تنقيح النصوص، أو تعلم سلسلة من قواعد الحبكة الدرامية، أو مفاهيم تطوير الشخصية؛ بل هي تُعنى -أو ينبغي أن تُعنى- على وجه الضبط بتلك الأشياء التي تتحسن فيها الآلات في الوقت الراهن، وهي إثارة انفعالاتنا وردود أفعالنا. ليست المسألة مسألة ما إذا كانت هذه الأدوات ستكون أفضل من البشر في إثارة استجابة أم لا، بل أي الاستجابات نقرر أن تثيرها الآلات.
بالنسبة للبعض، ستكون الروايات التي يختارونها هي الأعمال التافهة الرائجة والأعمال النمطية والأعمال المثيرة التي لا تنطوي على أي تحديات، وبالنسبة للبعض الآخر، وأعني من يسعون إلى تنوير البصيرة والوعي الأعمق بالعالم من حولهم، ستكون هذه الأدوات ذاتها جزءاً من تأليف أدب جديد.
يجوز أن تمكّن التكنولوجيا القراء الأكثر مغامرة لرسم مسار لأنفسهم عبر أدب دائم التغير، وذلك بمساعدة أدوات الكمبيوتر، لتأليف كتب تثير صحوتنا.

| في اعتقادي أنه ينبغي علينا أن نقرأ ذلك النوع من الكتب الذي يجرحنا أو يطعننا. إذا لم يوقظنا الكتاب الذي نقرؤه بضربة في الرأس، فلماذا نقرؤه أصلاً؟ لكي يجعلنا سعداء، كما تكتب؟ يا إلهي، سنكون سعداء تماماً إذا لم تكن لدينا كتب، ونوع الكتب الذي يجعلنا سعداء هو ذلك النوع الذي يمكننا تأليفه بأنفسنا إذا اضطررنا إلى ذلك. لكننا بحاجة إلى كتب تؤثر علينا كالكارثة، كتب تحزننا بعمق، كموت شخص نحبه أكثر من أنفسنا، كتعرّضنا للنفي إلى الغابات بعيداً عن الجميع، كالانتحار. لا بد للكتاب أن يكون كالمعول الذي يكسر البحر المتجمد بدواخلنا. هذا هو اعتقادي |.
فرانز كافكا

لن يبدو هذا الأدب على الأرجح بأي حال كنظام التأليف والنشر التجاري الذي لدينا في الوقت الراهن، لكن الجائز أن هناك بعض البشر على الأقل سيحاولون تسخير تلك الأدوات لاختلاق خيالات جديدة للقرن المقبل.
تخيل إذا أعطاك كل كتاب تقرؤه لحظة صحوة، كان قوياً كنص مقدس، كان كالمعول الذي يكسر البحر المتجمد بداخلك. تخيل لو أنك بدلاً من قضاء ساعات في تمحيص كتب تدرك فيما بعد أنها مضيعة للوقت، صارت عاداتك في القراءة ذاتها جزءاً من فعل الخلق، استكشاف عضوي لا ينتهي أبداً لإمكانيات اللغة.

ذو صلة
التعليقات