مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

حي الطريف في عهد الدولة السعودية الأولى

بدأت الدرعية بقدوم مانع بن ربيعة المريدي على ابن درع، صاحب حَجْر والجِزْعَة، الذي أقطعه المُلَيْبِيْد وغَصِيْبَة، وذلك في منتصف القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي. ومع مرور الزمن نمت الدرعية وتطورت سكانياً وعمرانياً، إذ لم تعد مقتصرةً على موضعيها أو حييها القديمين، المليبيد وغصيبة، بل توسعت بشكل كبير، وبخاصة بعد أن أصبحت عاصمةً للدولة السعودية الأولى، فتحولت إلى واحة تمتد من المَلْقَى شمالاً إلى حدود عرقة جنوباً بمسافة تقدر بنحو عشرين كيلاً.
تتميز الدرعية عن غيرها من البلدان النجدية في طبوغرافية موقعها، إذ إنها ليست بلدة متصلة البنيان تأخذ شكلاً دائرياً أو مربعاً أو ما شابه ذلك، بل تتكون من عدد من الأحياء والمواضع المتباعدة فوق سفوح سلسلة جبال طويق، وتتناثر بساتينها ونخيلها على جانبي وادي حنيفة الذي يخترقها من الشمال إلى الجنوب، أو كما وصفها الشيخ عبدالرحمن بن حسن بأنها (بلد مطاول)، أي ممتدة بشكل مستطيل.
أوردت المصادر التاريخية ذكر عدد من الأحياء بالدرعية وأهمها: المليبيد وغصيبة والطريف والبجيري والمماليك، وفي عهد الدولة السعودية الأولى برز من بين هذه الأحياء حي البجيري، حيث يسكن الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأسرته، وحي الطريف مقر الحكومة ورجال الحكم.
أما بالنسبة لموضوع هذا المقال وهو حي الطريف؛ فيبدو أن اسمه اشتق (الطريف تصغير طرف) من موقعه، إذ يقع على قمة أو طرف جبل يطل على وادي حنيفة من الناحية الغربية، فيما يشبه الرأس الداخل في الوادي، ويقابله على الضفة الشرقية من الوادي حي البجيري. نشأ هذا الحي في ظروف غامضة، إذ لم تزودنا المصادر التاريخية بشيء حول ذلك، ولكن يبدو أن ظهوره كان سابقاً لقيام الدولة. وقد ذهب وليام فيسي في كتابه الدرعية (من دون ذكر المصادر التاريخية) إلى أبعد من ذلك، فقد ذكر أن الطريف تجاوز في أهميته حيي المليبيد وغصيبة منذ القرن الحادي عشر الهجري تقريباً/السابع عشر الميلادي.
وهكذا يبدو أن الأمير محمد بن سعود، بعد أن ثبت حكمه في غصيبة سنة 1139هـ/1726م، رأى ضرورة بسط سيطرته على مركز القوة الآخر في الدرعية، (أي الطريف)، ويبدو أن هذا ما قصده صاحب تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد عندما قال: (وكانت ولاية الدرعية قبل ذلك لذرية وطبان). ومما هو في حكم المؤكد أن الأمير محمد بن سعود نقل مقر حكمه إلى الطريف قبيل قدوم الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى الدرعية، وربما كان ذلك مما أملى على الأخير اختيار موضع البجيري سكناً له ولأسرته.
إن من يلقي نظرة على ما تبقى من أطلال الدرعية اليوم، وذلك بعد مرور أكثر من قرنين من الزمن على تدميرها، ليعجب من عظمة ما تبقى منها، وبخاصة تلك الواقعة في حي الطريف مقر الحكم والحكام. شهد هذا الحي نهضة معمارية ضخمة غير مسبوقة في تاريخه، وقد تمثلت في بناء القصور والمساكن العامة والمساجد والأسوار. كان من أشهر دلائل تلك النهضة المعمارية، قصر سلوى، منزل آل سعود، وقصر سعود بن عبدالعزيز، وقصور سعد بن سعود، وعمر بن سعود، ومشاري بن سعود.
شهدت العاصمة حركة معمارية ضخمة، فارتفعت مبانيها ووصل بعضها إلى ثلاثة أو أربعة طوابق مثل قصر سلوى. ورغم عوادي الزمن، وما شهدته الدرعية من تدمير على أيدي القوات الغازية، إلا أنها تمكنت من الصمود بسبب جودة الإنشاء، وقد أكدت الدراسات الأثرية الحديثة أن قصر سلوى يتكون من سبع وحدات معمارية، وتتجاوز مساحته عشرة آلاف متر مربع. شيد هذا القصر العظيم على أيدي فنيين وعمال مهرة من أبناء المنطقة، وقدرت تكاليف بنائه بحوالي مئتي ألف ريال طبقاً لأسعار ذلك الوقت.
من المؤكد أن النهضة العمرانية كانت شاملةً لكل أحياء الدرعية، ولكنها برزت بشكل أكثر وضوحاً في حي الطريف. كما أن هذه النهضة العمرانية أوجدت طلباً شديداً على مواد البناء وعلى الحرفيين والأيدي العاملة. ومما يؤكد ظاهرة تزايد الطلب على الحرفيين المهرة بشكل أكبر في حي الطريف ما ذكره بعض الباحثين من وجود سكن لابن حزم الذي وصف بأنه كبير البنائين، أو الأستاد، في هذا الحي المهم. ومن المؤكد أن سكن كبير البنائين في هذا الحي المتميز يشهد على ارتفاع مستوى معيشته، بالإضافة إلى أن ذلك كان ضرورة أملتها عليه الحاجة إلى متابعة أعماله وعماله عن قرب.
يلاحظ الباحث في تاريخ الدولة السعودية الأولى أنه كلما ازدادت رقعة الدولة جغرافياً، ازدادت الدرعية اتساعاً وغنىً وازدهاراً وأهميةً، وتنطبق هذه المعادلة بشكل أكثر وضوحاً بعد أن تمكنت تلك الدولة من إكمال توحيد نجد في مستهل القرن الثالث عشر الهجري، لتنطلق بعده إلى أماكن بعيدة أكثر غنى وأهمية من نجد، وذلك في شمال الجزيرة العربية وشرقها وغربها وجنوبها الغربي. يندر أن يمر عام واحد من دون ذكر غزوة أو غارة أو معركة، وفي بعض الأوقات عدد من المعارك في مناطق مختلفة، وكلها تنتهي لصالح الدرعية إلا ما ندر، وما يغنمه الجيش في هذه الغزوات ينعكس بشكل إيجابي على واردات بيت المال في الدرعية الذي يحصل دائماً على الخمس.
وكما كانت الحكومة تدير أنشطتها السياسية والعسكرية من هذا الحي، فهي لم تغفل عن إدارة شؤونها الاقتصادية إذ ترسل عمالها في كل عام لجباية زكاة الإبل والغنم، من القبائل البدوية المنتشرة في شبه الجزيرة العربية وخارجها. كان الإمام سعود بن عبدالعزيز يبعث أكثر من سبعين عاملة لجمع زكاة البدو، وكل عاملة تتكون من سبعة رجال، وهم: أمير، وكاتب، وحافظ دفتر، وقابض للدراهم، التي تباع بها إبل الزكاة والغنم، وثلاثة رجال خدام لهؤلاء الأربعة، وكذلك للعناية بالإبل والخيل والأغنام المقبوضة في الزكاة. وفي سبيل أداء مهامهم فقد اعتاد هؤلاء الموظفون أو المندوبون التردد على مقر الحكومة في الطريف. أما زكاة الثمار فترسل حكومة الدرعية من يخرصها أو تُنيب من يقوم بذلك من أهل البلدان فيجمعها ويبعثها إلى بيت المال. تُجمع كل هذه الأموال من الزكاة وغيرها من الموارد مثل أموال الفيء والنكال والجمارك، وترسل إلى بيت المال في الطريف لتصبح تحت تصرف الحاكم الذي بدوره يتولى الصرف على شؤون الدولة.
هذا وقد شهدت الدرعية حركة تجارية نشطة ساهمت في تنامي الطلب على الدكاكين مما أدى إلى تضخم الإيجارات فبلغت أجرة الدكان المتميز خمسة وأربعين ريالاً شهرياً، في حين بلغت أجرة سائر الدكاكين من ريال إلى نصف ريال في اليوم الواحد. أما عند قدوم قافلة الْهِدِم (أي الملابس)، فيزداد الطلب ازدياداً كبيراً، ويرتفع إيجار الدكان إلى أربعة ريالات في اليوم الواحد، أي ما يعادل مئة وعشرين ريالاً في الشهر.
كان من نتائج ذلك أن نعمت الدرعية بوفرة مالية كبيرة، خصوصاً لدى سكان الطريف، وازدهر اقتصادها وكثر عمرانها، فأصبحت، بالإضافة إلى كونها عاصمة للدولة؛ مركزاً تجارياً مهماً. وبهذا تحولت من بلدة نجدية عادية إلى قلب الجزيرة العربية النابض بالنشاط والحيوية ومركز جذب سكاني.
ظهر أثر هذه الثروة الهائلة على مجتمع الدرعية بشكل عام، وبدت آثار الرفاه على بعض فئاته. تمثلت آثار هذا الرفاه الاجتماعي بشكل واضح في حي الطريف، وذلك من خلال ما بقي لنا من الآثار الشاخصة والمتمثلة في القصور والمساجد وغيرها من الأبنية. كان الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب، المولود في الدرعية سنة 1193هـ/1779م معاصراً لما شهدته الدرعية بشكل عام وحي الطريف بشكل خاص، في عهدها الذهبي من تطور عمراني مذهل، كما يظهر في رسالة وجهها للإمام عبدالله بن فيصل، وهي على شكل نصيحة لم تخلو من النقد، يُذكر فيها بالأسس التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى، وقد ألمح خلالها إلى بعض التغيرات العمرانية التي شهدتها الدرعية، وما آلت إليه، فقال: (وصار العاقبة القصور التي بنيت بقناطير، والمقاصير التي تنفذ (هكذا وردت، ولعل المقصود كلمة (تنفد)، وهي كلمة عامية تعني تُنفق أو تُضيع) فيها الأموال العظيمة، التي تسوى (مثل سابقتها كلمة عامية تعني تُكلف) ثلاثة آلاف، ما تسوى اليوم (أي في عهد الإمام عبدالله بن فيصل)، إلا جديدة، لما جرى ما جرى من تسليط الأعداء).
يعد الحَمّام العام بالطريف مؤشراً مهماً على مدى ما وصل إليه مجتمع الدرعية بشكل عام، ومجتمع الطريف بشكل خاص من رفاهية، وبخاصة في عهدها الذهبي، أي العقدين السابقين لسقوط الدولة. يقع هذا الحمام في الطرف الغربي من ذلك الحي وترتكز الجهة الغربية منه على منحدر يؤدي إلى وادٍ صغير، وقد شيد ملاصقاً لقصر الضيافة، في أقصى الحي من الجهة الشمالية الغربية، وليس بجوار قصر سلوى. ومما لا شك فيه أن الهدف من بناء هذا الحمام كان لاستخدام الحاكم وكبار رجال الدولة. ولكن موقعه بقرب قصر الضيافة يدل على أنه ربما كان ضيوف الدولة من بين المستهدفين باستخدامه. ونظراً لطبوغرافية موقع الطريف فإن مدخل هذا الحي لا بد أن يكون عن طريق الوادي من الجهة الشرقية، صعوداً إلى مساكن الحي، وهذا يعني أن ضيوف الدولة لا بد أن يمروا عبر أزقة الحي، لكي يصلوا إلى قصر الضيافة.
جرت العادة، في منطقة نجد، وفي غيرها من مناطق العالم، أن يستضيف المرء زائريه وضيوفه في منزله، وهذا يكون عادةً في غرفة استقبال الضيوف أو في غرفة أو منزل مجاور عندما يكون المضيف أمير البلدة أو من أثريائها. تختلف مسميات غرفة استقبال الضيوف فهناك من يسميها المجلس، وهناك من يسميها القهوة أو الديوانية. إن إنشاء قصر مستقل للضيافة في حي الطريف، مجهز بكل ما يلزم من أدوات الضيافة، لهو دليل من دلائل الرغد والازدهار الاقتصادي الذي شهده مجتمع الدرعية، ناهيك عن أنه ضرورة أملتها التزامات الدولة الجديدة، وكثرة وفودها وضيوفها القادمين إليها من شتى المناطق.
من المألوف انتشار الحمامات في مدن بلاد الشام ومصر، وغيرهما من الولايات العثمانية في ذلك الوقت، أما في نجد فإن هذا النمط المعماري غير معروف، بل غريب على هذه المنطقة. أنشئ هذا الحمام بغرفة مقببة، تسخن بفرن له ثلاثة أقواس، وغرفة باردة، وغرفة لتغيير الملابس، تشمل مصاطب وتجويفات لحفظ مستلزمات مستخدمي الحمام. كان فريداً في نمطه المعماري بأقواسه ومجاري تصريف مياهه وهندسته المختلفة عن باقي المنشآت المعمارية في الدرعية. وعليه فإن مهندس البناء وأدواته، وربما مواده، لا بد من جلبها من خارج منطقة نجد، وعلى الأرجح أنها جُلبت من العراق أو بلاد الشام. أما المياه اللازمة لتشغيل الحمام فتُجلب على ظهور الحمير من أسفل الوادي الصغير، ويتم تصريفها عبر قنوات تؤدي إلى الجدار الخارجي المطل على ذلك الوادي. وقد اختير موقع حمام الطريف بعناية في أقصى حي الطريف من الجهة الغربية، وعلى طرف جرف يطل على الوادي في الأسفل وذلك بهدف سهولة الحصول على الماء ومن ثم تصريفه.
ومن المهم الإشارة، إلى أن مظاهر الثراء والرفاه هذه لم تظهر في العقود الأولى من تاريخ الدولة، فقد لاحظ كورانسيه (corancez)، أن الدرعية لم يكن بها مقاهٍ ولا حمامات عامة. ومن المعروف أنه أمضى عدة سنوات يجمع مادة كتابه، ولهذا فإن ملحوظاته تصف الدرعية في أوائل القرن الثالث عشر. على أية حال كانت ملاحظته الأولى صحيحة، بلا شك، لأن الدرعية لم يعرف أن بها مقاهي، أما الثانية فتدل على أن الحمام المذكور، والذي ما يزال أثراً شاخصاً حتى يومنا هذا، بُني في وقت متأخر، وعلى الأرجح أن ذلك تم في أوائل عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز.
سعد مجتمع الدرعية ردحاً من الزمن برفاهية لم يعرفها مجتمع نجدي من قبل، وقد لاحظ ابن بشر هذه المظاهر وأسهب في وصفها، قائلاً: (وكانت هذه البلدة أقوى البلاد، وقوة أهلها وكثرة رجالهم وأموالهم لا يحصيه التعداد، ...وما يدخل على أهلها من أحمال الأموال من سائر الأجناس التي لهم مع المسافرين منهم، ومن أهل الأقطار لم يسعه كتاب ولرأيت العجب العجاب...إلخ). بالغ هنا مؤرخنا وكأنه يتحسر على ما فات، ولكن ما قاله دليل على ما كان يتمتع به مجتمع الدرعية من غنى وخيرات متنوعة المصادر، فأصبح ذلك المجتمع مستهلكاً لبضائع وكماليات مستوردة من خارج الإقليم. وهذا بلا شك على خلاف ما كان عليه حال ذلك المجتمع سابقاً وأمثاله من المجتمعات النجدية من عيشهم عيشة الكفاف، وقلة الاستيراد، وذلك قبل قيام الدولة وتحول الدرعية إلى عاصمة لدولة مترامية الأطراف.
يمثل الجزء الأخير من عهد الإمام عبدالعزيز بن محمد وعهد ابنه الإمام سعود، العصر الذهبي في تاريخ الدولة السعودية الأولى، إذ بلغت الدولة أقصى اتساع جغرافي لها وازدهر اقتصادها وتعددت مواردها. من ناحية أخرى، لم تقتصر مظاهر الازدهار والغنى على الدرعية ومجتمعها، بل ظهر في أوجه صرف الدولة كما تمثل في حج الإمام سعود بن عبدالعزيز الذي حج تسع مرات، وفي كل مرة يكسو الكعبة بالقيلان والديباج الأسود، وجعل إزارها وكسوة بابها من الحرير المنسوج بالذهب والفضة.
بقيت سمعة غنى الدرعية وثراءها عالقة في ذاكرة الأجيال التي تناقلتها عبر تراثها ومروياتها الشفوية لحقب لاحقة، ومع أنها قد لا تخلو من شيء من المبالغة، إلا أنها تؤكد تطور الذائقة عند مجتمع الدرعية- العاصمة، ومدى ما وصل إليه من ملذات ونعيم. وفي هذا السياق نقل صاحب تذكرة أولي النهى والعرفان عن بعض الثقات قولهم: (إنها بلغت الحالة في تقدمها بالترف بحيث إن من المترفين من يغتسل بالطيب، وأن رجلاً دعا صاحباً له فأكرمه بأن عمل له شراب الشاي على نار عود البخور). مثل هذه الروايات الأسطورية المبالغ فيها إلى حد كبير لا يمكن القبول بها على إطلاقها، ولكنها وأمثالها كانت ما زالت حيةً في ذاكرة الأجيال عندما مر صاحب التذكرة بالدرعية سنة 1374هـ/1954م وسأل بعض معمريها عن أخبارها، فأخذه أحدهم إلى أطلال الطريف، وأراه ما تبقى من جدران وأعمدة المسجد الجامع، ثم أخذه إلى مواضع وسوق النعام ومرح الخيل (ومرح جمع مُراَح وهو المكان الذي تربط فيه الخيل)، وقصور سلوى.

ذو صلة
التعليقات