مجلة شهرية - العدد (500)  | رمضان 1439 هـ- يونيو 2018 م

من قصص أغاني التراث العراقي.. (يا نبعة الريحان..)

من الأغاني الخالدة التي ألفها المرحوم عبدالكريم العلاف عام (1936)، ولحّنها الملحن الكبير الفنان العراقي صالح الكويتي، وتغنى بها كثير من المطربات المشهورات، مثل: سليمة باشا مراد وعفيفة أسكندر.. وغيرهما. كتبها الشاعر عندما كان راقداً في مستشفى (المجيدية- مدينة الطب في بغداد اليوم)؛ بعد حادث دهس سيارة تعرض له، نُقل على إثره إلى العلاج -حسبما ذكره الدكتور رياض العنبكي.

إمارات وعلامات الغزل والتورية كثيرة في الشعر الغنائي، وكثيراً ما يُشبه العاشق معشوقته والحبيب حبيبته بكل ما هو جميل ونَضِر، وهل هناك خير من الطبيعة معيناً لمثل تلك التشبيهات؟
والريحان نبتة عشبية طويلة ورشيقة، حولية (أي تعيش لسنة واحدة فقط) تنمو، وتورق، وتزهر، وتطرح بذورها، وتشيخ، وتهرم في سنة واحدة، وتسمى بالعشبة الملكية (Royal Herb) لفوائدها، كما أن لها رائحة زكية وطعماً لذيذاً، وهي غير عشبة النعناع (Mint) المعروفة، وإن كانت من ذات الفصيلة.
وفي ريعانها تكون طويلة الساق غضة، وذات وريقات متقابلة، دقيقة الرصف، عبقة الرائحة، طيبة الطعم (وأشهر ما تؤكل مع الكباب البغدادي أو الفلوجي الأصيل)، وهنا يأتي مكان بيان البيت الأول من هذه الرائعة الخالدة:
يانَبعَةَ الريحان       حنّي على الوَلهان
ينادي العاشق معشوقته، التي هي ليست (بالريحانة) جمالاً ورشاقة وطولاً فحسب؛ وإنما هي (نبعة الريحان) أي النبتة، وهي في مقتبل عمرها، كناية عن الحبيبة صغيرة العمر، وما في كل ذلك من دلال وغنج وجاذبية.. وغيرها. ويطالبها بأن (تحن) عليه وهو (الولهان) العاشق بنظرة أو بلقاء أو بنحو ذلك من أسباب الوصال.
جَسمي نَحَل والرُوح        ذابَت وَعظمِي بان
ولبيان مقدار العشق والوله وما سببته له (نبعة الريحان) من عذاب وسقم ومآسٍ؛ فهو يشكو لها علته، ويصف جسمه بالنحول، والروح بالذوبان، وعظامه بأنها ظاهرة؛ كناية عن السقم واللوعة والمرض. وقد ينطبق ذلك على البشر كما ينطبق على المواشي والأنعام.
وفي رائعة (يا راهب الدير) ما يماثل ذلك، عندما يفقد المحب أثر حبيبته فيدعو (ولات حين مناص): أن تضعف وتمرض (وتضلع) العير التي تحملهن مع أهلها، حتى لا تتمكن من المسير فلعله يدركها.
ليت المطايا التي سارت بهن ضلعت
يوم الرحيل فلا يبقى لهن جمل
تسترسل الأغنية، وتفصح عما في أبياتها من لوعة، فتقول:
مِن عَلَتي إلبحشاي         ما ظَل عِندي راي
يفيض العاشق بعرض ما أصابه، ويشتكي دهره، عسى أن يناله من الحنان الذي في قلب محبوبته شيئاً. فالذي أصابه ليس فقط مرض (علة) في الجوف (بحشاي)، وإنما تعدى ذلك لفقدان التمييز ورجاحة العقل، بحيث لم يتبقَ له (ما ظل عندي راي) أي رأي أو أمكانية لقرار.
دائي صَعُب وَدواي       ما يعرفه إنسان
وهذا المرض صعب عويص غائر، بحيث يستحيل الحصول على دوائه من قبل أي إنسان، حتى ولو كان الطبيب النطاسي الفاهم، فقد استعصى الإتيان بشفائه عن طريق بني البشر!
 يَوم الذي حَبيت      يا مُنيتي حَنّيت
من شيم المحب، والذي يعتقد في نفسه القوة ونَفَس المطاولة، ويعتد بهما؛ أن يستسلم (في نهاية المطاف)، ويعترف بضعفه تجاه من سَلَبت قلبه ولُبّه. وهنا اعتراف صريح بأنه وفي حالة الحب التي عاشها (يوم الذي حبيت)، وما جلبه له الحب (وهو القوي الشكيمة صلب العود)، وما زرعه في ذاته، مما لم يكن فيها سابقاً؛ فإنه (حن)، والحنيّة صفة من صفات الرقة، فأصبح رقيقاً جداً على غير عادته، وعليه فبعد أن أمست أمله في الحياة (يا منيتي)، رق قلبه وبدنه بسبب الحنّية التي لبسته: (حنّيت).
حاير انا تَمنيت        ما ادري ذَنبي اش جان
وصار يشعر بكل العجز الذي انتابه، والتغيرات التي أصابته، بالإضافة إلى الحيرة التي طرأت عليه، بل تملكته، لكنه لا يعرف ما جناه (من وراء إعلانه أو حتى بمجرد شعوره بحبه لمحبوبته)، ولا يعرف الذنب الذي اقترفه -ماذا كان-؟(اش جان)! (والجيم هنا تُلفظ بالجيم الأعجمية).
 ما عندي كُل ذنوب       الا هَوى المَحبوب
في الاعتراف فضيلة، بعد مداولة النفس والبحث الجدي في داخلها، وفيما يحيط بها؛ فقد أدرك أسباب مرضه وسقمه وضعفه وهو أنه لا بد له من الاعتراف:
نعم، إنه بسبب ذنب واحد لا غير، فهو لم يقترف من (الجرائم) التي استحق عليها كل ما أصابه سوى السماح لقلبه أن ينقاد (بل ينجرف) مع حب (هوى) المحبوب.
وأخيراً:
لا هوَ ذنِب لَتوب        واستغفر الرحمن
ولكن بما تبقى له من بقايا منطق وعقل وقوة جسدية ضئيلة خائرة، (وهو المريض بما صعُب من الأمراض والتي استعصى دواؤها على إنسان)؛ استدرك وراجع ذكرياته، وما عرفه عن الحياة وتجاربها، (وبالأخص بشأن الحب والمحبين)؛ فصار يتساءل: هل العشق والهوى ذنب كي يتوب عنه؟
ولكنه وحتى وهو في آخر ما تبقى له من رمق في هذه الحياة فإنه يرفض أن يكون (الحب والهوى) ذنب يستحق التوبة منه، أو هو عصيان يستحق الاستغفار من الرحمن عز وجل.

ذو صلة
التعليقات