مجلة شهرية - العدد (505)  | صفر 1440 هـ- نوفمبر 2018 م

الذكاء الاصطناعي والإبداع الإنساني في زمن مغاير

مما لا شك فيه أن عالم اليوم، والمستقبل غير البعيد، هو عالم الذكاء الاصطناعي، وسيادة الروبوتات، وهيمنتها على مختلف جوانب الحياة، ولاسيما المجالات العلمية والتطبيقات التقنية، إذ يكاد يتماهى الإنسان الحقيقي والإنسان الآلي في نظام عولمي تحكمه البرمجيات وقوانين تسيير الموجودات وفق هندسة مصنوعة يتحكم فيها عن بُعد من يرون أنفسهم أقوياء.

ربما يبدو غير بعيد عن المنطق والتصور، في عالمنا الراهن والمستقبلي، ما يتعلق بتفوق الآلة في ميادين التكنولوجيا والفضاء والهندسة والنقل والمواصلات وغيرها، فلم يعد غريباً التعامل مع السيارات ذاتية القيادة والطائرات من غير طيار، والروبوتات التي تقوم بأعمال منزلية وعامة، من خلال برمجيات دقيقة.
لكن: إلى أين يتجه الإبداع الإنساني من أدب وموسيقى وفنون تشكيلية وغيرها في ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي وسيادة التقنيات؟ وهل تأثرت الآداب والفنون فعليّاً بثورة الآلة وهجمة الروبوتات؟ وما مدى نجاح الإنسان الآلي في محاولات وتطبيقات تأليف الموسيقى وتوزيعها، وكتابة الشعر، ورسم لوحات فنية من خلال برامج مختصة؟!
«سَأَلْتُ المكنسةَ الكهربائيّةَ.. عن سرِّ تعاستي/ قالت: (لأنكَ اسْتَعْمَلْتَنِي بغير حساب، لدرجة أنني كَنَسْتُكَ فيما كَنَسْتُ!). عبارات شعرية، ترسم السيناريو الحزين الذي آل إليه الإنسان في عالم سيطرت عليه البرمجيات، لدرجة أن أصبح الإنسان بحد ذاته مجرد (روبوت) وسط قطيع الروبوتات. لقد زادت الأمور توحشّاً فيما يخص استلاب إنسانية الإنسان، ومحو إرادته الحرة ومبادرته وقدرته على اتخاذ القرار، كذلك ترسخ منطق الاستقطاب وضرب الخصوصيات والهويات في مقتل، وإعلاء شأن الأرقام والبرمجيات وقيم التسليع والقوانين المسنونة التي تحكم حركة البشر. الإنسان آلة مقهورة بالفعل، والقوة القاهرة أيضاً ماكينة عمياء. الاقتصاديون والسياسيون والحكماء يتخوفون من نضوب طاقات العالم، ويبحثون عن الطاقة البديلة، بلا جدوى.
في ظل هذا الامحاء أو النضوب الروحي، وغياب خلايا الإنسان الحية النابضة، التي حلت محلها معادلات وأسطر (الصفر والواحد) التي تحرك أذرع الروبوت، هل من الممكن أن يتجلى الإبداع في ظل غياب المؤلف؟ ثمة من النقاد والمبدعين من تحدثوا عن ذلك الأمر، وتأسست نظريات عن موت المؤلف في العمل الإبداعي، من رسم تشكيلي وسرد وشعر ومعزوفات موسيقية، وتحمس طليعيون لإبداعات ينتجها أصحابها في لحظات يغيب فيها العقل تماماً، فكأنه إبداع آلي أو ميكانيكي صرف.
وبالرجوع إلى التاريخ غير البعيد، نجد مبدعين كباراً، منهم رمز السوريالية سلفادور دالي والروائي روبرت لويس ستيفنسون والموسيقار ذائع الصيت ريتشارد فاجنر، يؤمنون بالطاقات الإبداعية للمؤلف في أثناء غيابه عن الوعي، كما في النوم مثلاً، أو المنطقة الوسطية بين اليقظة والنعاس، حيث يرتقب المبدع عندما يخلد إلى مخدعه لحظة الإبداع، ويستحضرها بواسطة طقوس نفسية معينة بين اليقظة والمنام، تتجلى على نحو بالغ الخصوصية.
على صعيد آخر، وبالمزيد من التعمق في المجالات العلمية التجريبية، ظهرت في الفترة القريبة الماضية بعض التجارب المعتمدة على برمجيات خاصة، من أجل إنجاز (الإبداع الآلي)، إذ بات بمقدور الروبوت المدرب أن يرسم اللوحات التشكيلية، ويتمكن من التلحين وإعداد النغمات الموسيقية، بل ويصبح قادراً على كتابة الشعر، أو نظمه بتعبير أدق، وممارسة ألوان أخرى من الفنون والإبداعات المختلفة، فبواسطة بعض البرمجيات المتطورة قد يقوم الكمبيوتر بعمله الإبداعي بمفرده، بما يعني (موت المؤلف)، فعليّاً، وبصورة كلية، وليس مجازيّاً أو نسبيّاً، كما كان الأمر من قبل.
في عصر الرقمية الراهن، تكاد تتلاشى الفواصل بين الإنسان والآلة، وتبدو هذه البرمجيات المتحكمة بمثابة القوة الجديدة المهيمنة على الروبوتات، وعلى البشر في آن واحد. وقد ظهرت تجارب إبداعية أنتجتها الآلة بالفعل، سواء في الفنون التشكيلية أو الموسيقى أو الشعر، كما برزت من جانب آخر إبداعات بشرية، لكنها تستحضر الآلة بوصفها بديلاً عن الإنسان، في عصر التحكم عن بعد وإهدار الحريات وسيطرة التسليع والتنميط وسلب الإرادة البشرية وتقليص حدود الحرية والتحرك غير المشروط.
في هذا الإطار، الذي يتبادل فيه الإنسان والروبوت دور البطولة في العمل الإبداعي، وتحاصر الثورة الرقمية راهن الإبداع، يقدم الناقد الدكتور شوكت المصري دراسة قيّمة، يرى فيها أن الشبكة العنكبوتية في واقعها تمسك بمرآة تعكس بها البعد الرسومي لطبيعتنا اللغوية، وبهذه الفلسفة ينطلق المفتونون بالتكنولوجيا والثقافة الرقمية، لكن يا ترى: إلى أي مدى يمكن لهذا البعد الرسومي التحمّل باستيعاب وتضمين كافة طاقات اللغة الشعرية؟ يجيب المصري: لا يمكننا الجزم بمستقبل ما، أياً ما تكون أبعاده ومجالاته، بخاصة ونحن نتحدث عن أمر يتعلق ببعد تقنيّ، فما بالنا ونحن نتحدث عن مستقبل يتعلق بحالة إبداعية خالصة؟
لذلك، كما يرى الباحث، فإن كلَّ الدراسات والأبحاث، النقدية منها خاصة، تقوم عادة على رصد ظواهر أدبية قائمة بهدف استقرائها وتأطيرها، وفي القليل النادر تقديم إرهاص أو أكثر بمستقبليات إبداعية، لذا فإن التعامل مع النصوص الإبداعية، الشعرية منها خصوصاً، يحمل مخاطرة الوقوع في شَرَك الإخفاق، خصوصاً حينما يرتبط الأمر ارتباطاً تزامنياً بمستقبل ملغوم سريع التحول والتحديث كالثورة الرقمية.
ويشير المصري، بشأن العلاقة بين الروبوت وكتابة الشعر، ومدى تأثر القصيدة البشرية المنتجة حديثاً بالأوامر والبرمجيات والثورة الرقمية عموماً، إلى أن اللغة والمفردات في النصوص الأدبية، والشعرية منها تحديداً، تأثرت بشكل كبير بالرقمية، فلا يكاد يخلو ديوان شعري من ذلك الطابع التأثيري للتكنولوجيا والثورة الرقمية، بدءاً من عناوين الدواوين، ومروراً بالشكل الطباعي وفضاء النص، وليس انتهاءً بالمفردات والموضوعات والبنية اللغوية للنصوص. ففي السنوات العشر الأخيرة، نجد وضوحاً وانتشاراً لهذا التأثر بخاصة بين الشعراء المنتمين لقصيدة النثر، فجيل قصيدة النثر الحالي تفتق وعيه ونمت مدركاته مع ثورة معلوماتية وتكنولوجية تركت أثرها الواضح عليه، وهو تأثير يتبدى في استخدامهم مفردات تنتمي إلى عالم الإنترنت والكمبيوتر والميديا على تنوعها واتساعها.
ويستعرض الباحث وجود كلمات أجنبية مكتوبة بأحرفها الإنجليزية وأخرى مكتوبة بحروف عربية، في كثير من النصوص الشعرية الحديثة، كما توجد مفردات كـ(النت، مواقع ويب، الموبايل، الكمبيوتر، الماسنجر، الشات)، كل هذه المفردات تعكس تأثيراً شديد الوقع على شعراء القصيدة. وفي مقابل ذلك العالم الافتراضي، نجد أن العالم الواقعي جاثمٌ بأحداثه على موضوع النص الشعري لقصيدة النثر، فقد واكب شعراء القصيدة سقوط الأفكار الكبرى التي شغلت تجارب سابقيهم، فلم تعد مفردات القومية والثورة والجموع تشغل تجربتهم الشعرية، وليست أيضاً مكوناً من مكونات بنائهم الثقافي أو المعرفي، فقد تفتق وعيهم مع قانون القوة والهيمنة المطلقة، مع عالم دموي تنفرد باللعب فيه قوةٌ واحدة باطشة، استنسخت أنظمةً حاكمةً تابعة لها.
وفي ميدان كتابة القصيدة الشعرية، هناك محاولات آلية بكل معنى الكلمة، إذ تحل برمجيات الروبوت محل الخيال البشري، من أجل صياغة أو (نظم) قصائد، من خلال حشد عدد ضخم من المفردات والتراكيب اللغوية في ذاكرة الحاسب الآلي، تعيد الماكينة التعامل معها وترتيبها من جديد. وبعض هذه البرامج تفيد في دراسة أوزان الشعر أو موسيقاه الظاهرة، وبعضها يمكن استخدامه من أجل إنتاج نص إبداعي قائم بذاته.
وبالرجوع إلى شبكة (عروض) على الإنترنت، المختصة بعلم أوزان الشعر، تتجلى تجارب ونماذج لكتابة الإنسان الآلي الشعر، وذلك بعد إطلاق برنامج خاص يحلل أسلوب شاعر معين، ومن ثم يؤلف نصوصاً جديدة لها خصائص تشبه خصائص ذلك الشاعر. ومثل هذا البرنامج، الذي يدعي إمكانية إعادة إحياء شكسبير نفسه من جديد، يعد طفرة واسعة في هذا المضمار، فكل البرامج السابقة كانت تقوم على تحليل أوزان الأبيات ورصد موسيقاها وما يعتري بعضها من كسور، أما أن تؤلف الآلة شعراً، فهذا هو الأمر الجديد، والخطوة الأكثر جنوناً في العلاقة بين الإبداع والثورة الرقمية الراهنة في عصرنا الحديث.
وفي ميدان الرسوم التشكيلية، تمكن باحثون من جامعة كاليفورنيا من تصميم برنامج له القدرة على رسم صور لبشر بطريقة مجردة من وحي خيال برمجته، والهدف من هذا البرنامج اكتشاف ما يستطيع أن يرسمه جهاز ذكي مستقل بذاته، حينما تجري تغذيته ببعض المعلومات من العالم من حوله، بعد برمجته بقدرات بسيطة. وبتطوير البرنامج تدريجياً، صار قادراً على إبداع رسومات فنية متميزة أدت بها في نهاية المطاف إلى العرض في معارض دولية.
وبالنسبة للتأليف الموسيقي، فقد تمكن الروبوت من القيام بدور المؤلف الموسيقي، فهناك برنامج اسمه (الملحن الافتراضي)، خاص بتأليف المقطوعات الموسيقية، ويعتمد على محركين برمجيين للتأليف الموسيقي. وهذا البرنامج المتطور لا يكتفي بإنتاج مجرد إيقاعات موسيقية بسيطة، بل لديه القدرة على توليد ألحان يمكن لعشاق الموسيقى تذوقها واستحسانها أيضاً. وقد تطور هذا البرنامج على نحو كبير في جامعة سانتا كروز الأمريكية في الفترة الأخيرة. وهناك برامج أخرى للتأليف والتوزيع الموسيقي، استطاعت إفراز عدد من المقطوعات الموسيقية الكلاسيكية، التي تحاكي مؤلفات عظماء الموسيقيين أمثال بيتهوفن وموزارت وباخ، وغيرهم.
وثمة دراسة للباحث الدكتور محمد سمير عبد السلام تتناول العلاقة بين الإنسان والآلة، وتناقش مدى إمكانية أن تحل الآلة محل الإنسان في التعبير الإبداعي، يشير فيها إلى أنه إذا كان رولان بارت يرى في لذة النص، أن النص يتخذ شكل النسيج في خاصيته التوليدية، ومن ثم تنحل فيه الذات مثل العنكبوت، فإن بعض النصوص الحديثة، في التجربة الرقمية، تعيد قراءة الذات، من خلال الانتشار اللانهائي للدوال، وقد تتسلح تلك النصوص بالآلية أو بطقوس الإنسان الآلي، وقد تكون تلك حيلة فنية من خلال (الآلية الزائفة)، التي تفجرها النصوص، في سياق صوفي مضاد للسيطرة الميكانيكية من داخلها، وهنا استثمار عكسي لطبيعة الروبوت، وبرمجياته، وآليات عمله.
(الأهمّ لماكينة ميتة، من الكهرباءِ وبرنامج التشغيلِ، أن تصبحَ قادرةً على الْحَشْرَجِةِ وقتما تشاءُ). عبارات شعرية تصف بدورها ما بلغته الإنسانية من مادية وتحجر، بما جعل البشر والروبوتات متطابقين. إن مكابدات وإحباطات الإنسان المعاصر واحدة، أينما كان، سواء في نقاط النصر الزائف على هذه الأرض، أو نقاط الهزيمة، ففي الحالتين: الإنسان مكبل بقيود الحياة الرقمية الجامدة، مفتقد جذوته المشتعلة، منسلخ من هويته وإرادته الحرة وقدرته على اتخاذ قرار بحرية، منصهر في مشتركات جمعية أذابت خصوصيته وفردانيته. لقد انقادت الإنسانية إلى نفق مظلم، يخضع كل شيء فيه للحساب والمعادلات الرياضية، حتى معدلات المواليد والوفيات المتحكم فيها وفق مصالح وانتهازيات.
إنه الزمن المغاير، الذي ينهزم فيه العقل البشري أمام الذكاء الاصطناعي، وتخمد جذوة الإبداع الإنساني أمام مقترحات جمالية باردة، ينجزها (الروبوت) الذي ربما لا يخطئ، لكنه لا يقوى على التفجير والابتكار.

ذو صلة
التعليقات