مجلة شهرية - العدد (500)  | رمضان 1439 هـ- يونيو 2018 م

مستقبل العلم وعلاقة الإنسان بالآلة والعكس

لم تنقطع علاقة الإنسان بالعلم منذ بداية تراكم المعارف والتجارب والخبرات البشرية، وحتى نشوء العلم ونظرياته، وبروز تخصصاته، وتطور مناهجه وأدواته وأساليبه. المعرفة البدائية التي تطورت إلى اكتشافات واختراعات ارتبطت بتحسين ظروف حياة الإنسان ذاته، فاكتشاف الزراعة ساعد على استقرار المجموعات البشرية، وتحسين شروط حياتهم، وكذلك كان لاكتشاف النار أثر كبير في تطور حياة البشر، وبدأ الإنسان بتطويع الطبيعة (بشقيها الحي وغير الحي) وتطويع مكوناتها، فاخترع أدوات الصيد، ودجّن الحيوانات، واخترع أدوات الحراثة والزراعة البسيطة، واخترع العجلة، وطوّع النار، واستخرج المعادن... ثم راحت معارفه وخبراته تتراكم، وزادت قدراته العقلية، فأصبح يصمم ويخترع الآلات الميكانيكية، التي سخرها لخدمته في البناء والتنقل والزراعة وغير من مجالات الحياة.

تراكم المعارف الإنسانية
وظلت المعارف الإنسانية تتراكم عبر القرون، إلى أن تحولت إلى حالة نوعيّة سميت بالثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، باختراع الآلة البخارية التي ساهمت بشكل كبير في ظهور مصانع الأقمشة، والقطارات، والسفن وغيرها، وتوالت التطورات العلمية، حتى وصلت ذروتها في القرن التاسع عشر، وكان بعض فلاسفة العلوم قد مهّدوا نظريا لهذه الثورة العلمية، ومنهم: فرانسيس بيكون، وسبينوزا، وديكارت، وروجرز بيكون، وبرتلد رسل، وغيرهم.
أما القرن العشرون فقدم ثورته العلمية المرتبطة بالتكنولوجيا، وقد تطور العلم في هذا القرن أضعاف ما تطوره منذ نشأته، وفيه ظهرت النظرية النسبية، وغزو الفضاء، والقنبلة النووية، والأقمار الصناعية، والتدخل الجيني لإنتاج سلالات جديدة في النباتات والحيوانات، وظهر الكمبيوتر، ووسائل الاتصال الحديثة، وغيرها من الاكتشافات والاختراعات، التي أعطت الإنسان دفعة قوية باتجاه الثقة بالعلم، وأنه قادر على إحداث كل شيء في صالح الإنسان.
وبالفعل ما أن انتهى القرن العشرون، ودخلنا القرن الحادي والعشرين، حتى شهدنا تسارعاً غير مسبوق في التطورات العلمية، ففي مجال الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات والروبوتات، نشهد ونحن ما زلنا في بدايات القرن الحادي والعشرين، تطورات يوميّة، ويحدث هناك سباق تنافسي بين الشركات ومراكز البحث والتطوير يتمحور حول تحقيق لا الأفكار الواقعية وحسب، بل وحتى تلك الأفكار التي كانت تتسم بأقصى درجة من الخيال.


المتخيل أصبح واقعاً
لا شك أن تسمية هذا القرن قرن الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات، هي تسمية لا تجافي الحقيقة، فما كان متخيلاً حتى الأمس القريب بات واقعاً في أيامنا، وهذا يحدث بفضل تطور تقنيات تكنولوجيا المعلومات والاتصال، فمدار الأرض أصبح يعجُّ بالأقمار الصناعية التي تتبع دولاً عديدة، وتؤدي وظائف متنوعة، وأجهزة الاتصال تتطور كل يوم، ويزداد انتشارها في العالم، وقد أدت زيادة استخدامها إلى تغير في كثير من النشاطات التي كان يقوم بها الناس في الماضي، فعلى سبيل المثال تغيرت وظيفة الصحفي، ووكالة الأنباء، فصناعة الخبر، وصناعة الفيلم، والصورة لم تعد حكراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل إن حجم الاعتماد على المواد الإعلامية التي ينتجها المواطن العادي في وسائل الإعلام التقليدية أصبح في تزايد يومي، وكثير من الأحداث، التي كانت تبقى مجهولة في الماضي لغياب الصورة، على سبيل المثال، لم تعد مجهولة، وصارت الهواتف النقالة، وسيلة مهمة في توثيق ونقل الأحداث، خصوصاً بعد ربطها بشبكة الإنترنت العالمية. هذا التطور تطلب تطوراً موازياً في التشريعات الناظمة لنشاط الأفراد والجماعات بواسطة هذه التكنولوجيا الحديثة، وتطوراً في أخلاقيات استخدام هذه التكنولوجيا، ومحاولة وضع ضوابط لذلك، فمن المعروف أن أي ظاهرة إيجابية جديدة (ونحن بالتأكيد نعتبر التطورات العلمية والتكنولوجية ظاهرة إيجابية في خدمة الإنسانية)، فإنه يلازم تلك الظواهر جوانب سلبية عديدة، لا يجوز أن تحجب الجوانب الإيجابية. فإذا نشأ من وراء الأبحاث العلمية في الذرة إنتاج الأسلحة الذرية، فإن ذلك لا يلغي أهمية العمل في مجال اكتشاف الذرة واستخداماتها في خدمة الإنسانية، ونحن نعرف جيداً إمكانيات استخدام الذرة في إنتاج الطاقة، والعلاجات الطبية، والتشخيص الطبي، وغيرها.
أما الاستخدامات غير الإيجابية، فهي التي على البشرية أن تتوافق على منظومة أخلاقية بشأنها، ومعاهدات ملزمة لجميع الدول، والجماعات. وبالمثل هناك تطورات علمية في مجال الطب، تنبثق عنها جوانب أخلاقية، وقد كانت وما زالت مثار نقاش وجدال فلسفي، وقانوني، من مثل: هل يجوز للإنسان أن يلغي التنوع الحاصل بين البشر، لينتج نسخاً واحدة مهما كانت مواصفاتها؟ وقد برز هذا التساؤل إثر تطور علم الجينات وإمكانيات الاستنساخ.
 ورغم الجدل والمحاذير، إلا أن العلم يستمر في مساره في خدمة الإنسان، وبالتأكيد لن تتوقف إنجازات العلم عند حدود، وكما اكتشف إلكسندر فلمنج البنسلين، واستطاع أن يستخدمه علاجاً لأمراض كانت تفتك بأعداد كبيرة من البشر، وكذلك لويس باستور، باكتشافه المطاعيم، فإن العلم الحديث مطلوب منه مساعدة البشرية للقضاء على كثير من الأمراض الوراثية وغير الوراثية، عبر تكنولوجيا الجينات، وهو قادر على ذلك، وقد قطع العلم شوطاً في هذا الاتجاه. ولم يعد أي خبر علمي جديد مستغرباً عند عامة الناس، لقناعتهم أن العلم المعاصر قادر على كل شيء، ولأنه صار يرى ويلمس هذه التطورات بشكل يومي.


التنافس والمصالح السياسية
من المعروف أن المصالح السياسية والتنافس بين الدول كانا عاملين مهمين في تطور العلوم، فغزو الفضاء لم يكن بعيداً عن المصالح العسكرية، وكانت الصناعات العسكرية في الدول الكبرى تحظى باهتمام يفوق الاهتمام ببقية الصناعات، وقد وظفت كثير من الصناعات لصالح الصناعات العسكرية، كما وظفت كثير من الاكتشافات العلمية في هذا الاتجاه، مثل الاكتشافات النووية، التي استخدمت في تصنيع أسلحة الدمار الشامل، ومثلها الصناعات الكيميائية، والبيولوجية، فالجانب السلبي ظل يسير بخط مواز للاستخدامات الإيجابية.
وفي التكنولوجيا الرقمية والإنترنت وأجهزة الاتصال الحديثة، تثار مسائل حساسة ثمثل الجانب السلبي من تطور هذه التكنولوجيا واستخدامها من قبل الأفراد والدول، مثل إمكانية اختراق خصوصيات الأفراد، والدول، فأجهزة الاتصال قابلة لتسجيل وتصوير كل لحظات الفرد، وإتاحتها لمراكز مراقبة، تسيطر عليها الدول المصنعة لتلك الأجهزة، وأصبح الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي المتعددة وسيلة لجمع أكبر قدر من المعلومات عن الأشخاص والشركات والدول، وإمكانية استخدام تلك المعلومات لصالح الدول والجهات التي تمتلك الخوادم الكبيرة الرئيسة لشبكة الإنترنت، وبرز شكل جديد من الصراع العالمي اصطلح عليه الحرب الإلكترونية، إذ أصبح نظرياً على الأقل بإمكان أي جهة أن تخوض حرباً على جهة أخرى وتسبب لها خسائر مادية وبشرية كبيرة بواسطة أجهزة الكمبيوتر المتصلة بشبكة الإنترنت. فقد أصبحت كثير من الصناعات تستخدم التكنولوجيا الرقمية، مثل الصناعات المالية، والتجارة، وحتى الصناعات الحديثة التي أصبحت تدار بواسطة الربوتات، جميعها ممكنة الاختراق، وقابلة للتعطيل أو التخريب. وقد شهدنا أعمالاً قام بها قراصنة أفراد، أو دول أدت إلى أضرار اقتصادية، أو سياسية، عوضاً عن الآثار السلوكية، التي قد تنقلب إلى أمراض، نتيجة الإفراط في استخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل الإدمان على الإنترنت، والموبيل. كما أن الروبوتات التي يمكنها أن تسهل عمل الإنسان، قد تعطله عن الحركة، التي تضر بصحته بشكل عام، وقد تفرز مشاكل اجتماعية خطيرة، مثل ازدياد نسبة البطالة.


البيئة العربية طاردة للعلم
العرب بصفتهم جزءاً من هذا العالم، ليسوا بعيدين عن التطورات العلمية والتكنولوجية، لكن الدول العربية بحد ذاتها ليست حاضنة للعلم والتكنولوجيا، ولا للكفاءات العلمية، بل هي طاردة لها، لذلك فإن إسهامات العرب في هذا المجال غالباً ما تكون فردية، من خلال الكفاءات التي تجد حاضنة لها في دول أوروبا أو أمريكا. رغم وجود فرص أمام العرب لتكون لهم إسهامات في تطوير العلوم والتكنولوجيا، وذلك لتوفر كثير من شروط هذا التطوير، لكن ما يغيب، وهو أساسي، هو انشغال الأنظمة العربية، بالصراعات السياسية، والحفاظ على السلطة، وغياب الحرية، التي هي شرط أساسي لتطور العلوم والتعليم، وبسبب غياب الإرادة السياسية، أيضاً، لدى الأنظمة السياسية، وتدني الاهتمام بتوفير الظروف المناسبة للبحث العلمي. هذه العوامل وغيرها، هي ما دفع، ويدفع أصحاب الكفاءات العلمية للهجرة.
وحتى يستفيد العرب من كفاءاتهم المهاجرة، لا بد لهم من تهيئة الظروف المناسبة لإعادة استقطابها، من شروط معيشية مناسبة للعلماء، وتخصيص الموارد المادية المناسبة للبحث العلمي، وإعطاء الباحثين مساحة واسعة من حرية البحث العلمي، ومن الممكن إقامة مشاريع مشتركة تكاملية، وإيجاد إستراتيجية عربية في هذا المجال، وهذا الأمر ليس مستحيلاً، فهناك دول لم يكن حالها أفضل من حال الدول العربية، استطاعت أن تحدث نهضة علمية وتكنولوجية وصناعية كبيرة في فترة زمنية وجيزة نسبياً، مثل الصين، والهند، البرازيل، وماليزيا، وكوريا وسنغافورة وغيرها.

ذو صلة
التعليقات