مجلة شهرية - العدد (504)  | محرم 1440 هـ- أكتوبر 2018 م

العقيلي (فنار) جازان بحثاً وتحقيقاً وإبداعاً

يشكل محمد بن أحمد العقيلي (1336 - 1423 هـ) علامة فارقة في المشهد التأريخي والثقافي والأدبي في تأريخ منطقة جازان، والمملكة بعامة، خلال النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري والربع الأول من القرن الخامس عشر.
نشأ العقيلي في أسرة موسرة، فتوافر له من الأسباب ما أعانه -بعد توفيق الله- على أن يجوب المنطقة سهلاً وجبلاً، فجال في مدن المنطقة، وقراها، وهِجَرها، راصداً مواقعها، ومدوناً لهجاتها، وباحثاً عن المعمّرين والرواة ممن شهدوا الأحداث من رجالها، وتسلق قمم جبالها، وانساب في أوديتها، باحثاً عن نباتاتها، ومنقِّباً عن آثارها، وتواصل مع كبار العلماء والأدباء فيها، فأفاد مما لديهم، واستنقذ الله به مخطوطات مهمة كادت تعدو عليها عوادي الزمن، وقد حاز منها بالبذل والشراء 65 مخطوطة نادرة، أخرج منها ما تمكن من إخراجه مثل: ديوان السلطانين الحجوريين، وديوان الجراح بن شاجر الذروي، ومختارات من شعر القاسم بن هتيمل الضمدي، والعقد المفصل بالعجائب والغرائب في دولة الشريف أحمد بن غالب، للعلامة الشيخ علي عبدالرحمن البهكلي، ونفح العود في سيرة دولة الشريف حمود لعبدالرحمن بن أحمد البهكلي، ثم سلَّم الأمانة العلمية لجهة رأى أنها الأقدر على حفظها وصيانتها، فأهدى مكتبته مخطوطها ومطبوعها لجامعة الملك سعود، حماية لها من أن تطالها يد العبث والضياع، ولتكون في متناول الباحثين الجادين.
كُتب الكثير عن جهود العقيلي رحمه الله، سواء ما كان على شكل رسائل علمية، أو كتابات مستقلة وهي مطبوعة ومتداولة.
كان -رحمه الله- متعدد المواهب، مُلِماً بتراث منطقته، منفتحاً على روح العصر، (فتنوع عطاؤه العلمي السخي فشمل: الإبداع والتحقيق، والتأريخ، والآثار، والتراجم، وجغرافيا المكان.. والمعاجم، وحتى الفنون الشعبية أرَّخ لها (علمُنا) وأفرد لها مؤلفات ودراسات قيِّمة.. فاستحق بذلك لقب العالم الموسوعي، والأديب والجغرافي المحقق، والباحث، والمؤرخ، حيث برز جهده الأدبي والعلمي في كل جانب من هذه الجوانب).
ولم تقف جهود العقيلي عند حدود منطقة جازان، تأريخاً، وجغرافية، وآثاراً، ولهجات، ونباتات؛ بل توسع بما يمكن القول إنه جهد أقسام علمية ومراكز بحثية متكاملة فكتب عن عسير ونجران، ومازال يتوسع حتى توَّج ذلك بكتابه: أضواء على تاريخ الجزيرة العربية، الصادر في طبعته الأولى عن دار العلم للطباعة والنشر بجدة عام 1413هـ.
واختط لنفسه في بعض تحقيقاته منهجاً في التحقيق يعتمد على اختيار ما يتلاءم مع روح العصر، وما يرى أنه وحده يجب أن يصل إلى يد الأجيال الجديدة دون غيره، وتبقى النصوص الأصلية الكاملة في مضانها ليختص بها الباحثون المتمرسون، وقد توافر بعضهم على نقده في هذا الجانب، وبخاصة طريقته في إخراج بعض من أشعار القاسم بن هتيمل الضمدي، والجراح بن شاجر الذروي، غير أنه نافح عن رؤيته، وأورد من نماذج التراث ما يؤيدها، ومضى في منهجه حتى انتهى إلى غايته، وسلَّم الراية من بعده. وبغض النظر عن موافقته على هذا المنهج أو مخالفته؛ فإننا نتمنى أن ينهض منتقدوه من أبناء المنطقة إلى إكمال مسيرته، وسد ما يرونه خللاً، وألا يبقوا على مقاعد الانتقاد، وبخاصة أن أصول هذه المخطوطات قد أودعت في جامعة الملك سعود منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، وأفاد منها غيرهم، فخرج- على سبيل المثال- ديوان القاسم بن هتيمل كاملاً بجهد الدكتور عبدالولي الشميري (اليمني).
وفي سياق البحث التأريخي يعد (تاريخ المخلاف السليماني) أشهر وأبرز ما كتبه العقيلي -رحمه الله- عن تأريخ منطقة جازان، وطبعه في أول أمره تحت عنوان: تاريخ المخلاف السليماني أو الجنوب العربي في أواسط السبعينات من القرن الهجري الماضي في مطابع دار الكتاب العربي بالقاهرة، ثم طبعه الشيخ حمد الجاسر في طبعته الثانية في دار اليمامة في العام 1402هـ، وخرج في طبعته الثالثة العام 1410هـ عن مطابع الوليد.
بدت شخصية العقيلي في هذا الكتاب -كما هي في بقية كتبه- واضحة جلية، بصبره، وجَلَده، وتضحيته، وكرمه، وأمانته العلمية، وشجاعته الأدبية، وكياسته، مما انعكس ذلك كله على بحوثه ودراساته، وحتى على إبداعاته، غير أن ذلك بدا أكثر وضوحاً على منهجه البحثي بعامة، والتأريخي بخاصة وهو ما تجلى في هذا السفر العظيم، وبه حاز ثناء وتقريظ الباحثين والمؤرخين، وتلقفته الجامعات والمراكز البحثية في الداخل والخارج بعناية واهتمام بالغين.
وكان من أبرز خصائص منهج العقيلي التأريخي التي تجلَّت في هذا السِّفر اعتماده على الوثيقة بعامة، والتاريخية منها بخاصة، فزوَّده -في طبعاته المتعددة-بوثائق نوعية، منها ما جمعه بنفسه من المشايخ والعلماء والأعيان في فترة الجمع، ومنها ما أُهدي  إليه من رجال السياسة والقيادة الذين عرفهم وعرفوه، على نحو ما بعثه إليه تركي بن ماضي بناء على طلب منه من جملة وثائق، واستئذان العقيلي منه في النقل عنها، وفهمت منه -رحمه الله- أنه طلب كثيراً من الوثائق من جهات رسمية لم تتأخر في تزويده بما يريد منها، ولعل القارئ يلمس ذلك بوضوح في كتابه: (أضواء على تاريخ الجزيرة العربية) بشكل خاص. وقد أشار بنفسه إلى أهمية الوثيقة في التوثيق التأريخي في مقدمته لتأريخ المخلاف السليماني، وهو يشرح منهجه البحثي: (ثم جاء دور الوثائق وأهميتها التاريخية، بحيث أصبح كل تاريخ لا يكون مُسْتكمل التوثيق لأهم أحداثه وأروع حركته، ولا تكون له قيمته التاريخية والسياسية والأدبية؛ إلا إذا كانت بخط أبطال الحركات وقادة الثورات، ورجال الإدارة، ممن عايشوا الأحداث وشاركوا في النضال، وباشروا الوقائع، فذلك ما يرفد التاريخ بأوثق المصادر).
كما اتسم منهجه التأريخي أيضاً بحسن التوظيف لمعارفه المتنوعة، ويظهر ذلك جلياً في قدرته على حسن الربط بين الأفكار المتباعدة عندما تلتقي في نقطة أو جزئية ما، مما يدل على سعة اطلاعه وتنوعه.
كما ساعده اطلاعه الواسع على تاريخ جنوب الجزيرة العربية بعامة على المقارنة بين الروايات التأريخية في بعض الأحداث وترجيح ما يراه منها، فمن ذلك ما أورده في حديثه عن: الاستيلاء على تهامة في عهد الصليحيين، وما ذكره حول هذه الرواية في الحاشية من أنها تخالف ما أورده عمارة اليمني في تاريخه، وهذا مما يدل على تمتعه بعقلية صافية، وذاكرة قوية تستدعي الأحداث المتشابهة، والروايات المتقاربة التي اطلع عليها.
وبقدر ما عُني في كتاباته التأريخية بعامة بالجوانب السياسية والعسكرية، كان له مزيد عناية بالتأريخ الاجتماعي، وهي عناية امتدت إلى مؤلفاته الأخرى غير التأريخية، كالأدب الشعبي في الجنوب، وهذا مما يؤكد غلبة النزعة التاريخية بعامة عنده على كل ما سواها.
كان العقيلي يكتب عن تأريخ المنطقة في فترة حساسة عالمياً، وفترة انتقالية أكثر حساسية محلياً، فكان لزاماً عليه أن يوثق الأحداث التي كتب عنها، ولاسيما العهد الإدريسي، من حيث هو المصدر الوحيد لتأريخه، فلم يكتف في طبعته الثانية لتاريخ المخلاف السليماني بالإحالة على المصادر والمراجع التي أفاد منها فحسب، بل اعتمد الرواية الشفهية عمن عاصروا ذلك العهد، وأخرج كتابه في حياة كثير منهم، وأثبت أسماءهم في ضمن مصادر تلقيه.
العقيلي شاعراً وأديباً وناقداً
لا يخفى على الباحثين والمطلعين أن العقيلي يعد في طليعة الشعراء السعوديين الرواد، كتب حيث يكتبون، ونشر حيث ينشرون، وبُثت أشهر قصائده من إذاعة لندن عندما كان يقوم على برامج الإبداع فيها كبار المبدعين كحسن الكرمي -رحمه الله- وغيره، غير أن العقيلي غلب عليه الجانب التأريخي والبحثي بعامة، فشغله عما سواه، وهو ما عبر عنه بنفسه: (وقد استطعت التفريق بين مبالغة الشعر ووقائع التاريخ وقد وفقني الله في ذلك فله الشكر والحمد). وقد قال الدكتور محمد الصادق عفيفي عن شاعرية العقيلي: (وأكاد أقطع بأن العقيلي لو أفرغ نفسه للشعر، ولم تشغله شواغل التاريخ والتراث والبحث لكان له شأن آخر في عالم الشعر)، فقد أخرج ثلاثة دواوين شعرية: الأنغام المضيئة، ورأد الضحى، وأفاويق الغمام، ثم ختمها بإصدار مجموعته الشعرية الكاملة.
وفي هذا السياق كان العقيلي يتمتع بذاكرة مدهشة اختزنت مطولات من عيون الشعر العربي في مختلف عصوره الأدبية، يلمس ذلك من عرفه عن قرب، ويأخذك العجب من قدرته على استحضار شواهده الشعرية، حتى لتكاد تجزم باستظهاره لأشعار أبي تمام والمتنبي على وجه التحديد، وقد انعكس هذا على موهبته الشعرية، وحتى على صياغاته الأدبية الآسرة، وهو يسرد أحداث التأريخ، إذ يرى أن (من الواجب في كتابة التاريخ أن يجمع الكاتب بين الروح العلمي والفن الأدبي، فجفاف الروح العلمي المحض يحول بين القارئ ومتعة التتبع، والجنوح إلى الفن الأدبي المحض يذهب بالقارئ بعيداً عن جو الحقيقة، وبما أن الماضي له حياته فعليه محاولة عرض الصور في حرارة تنبض بالحياة).
والشعر عنده حديث الروح للروح، ويصرح بانتمائه للمدرسة الكلاسيكية شعرياً، ولقد كانت قصيدته عن جازان التي عانقت أخيلة جيل كامل عندما كانت تُدرس بعض أبياتها في ضمن منهج المحفوظات بوزارة المعارف -آنذاك- للمرحلة الابتدائية في الثمانينات والتسعينات الهجرية من القرن المنصرم:
جازان إني من هواكِ لشاكِ
فتنصَّتي لهزاركِ وفتاكِ
وتعد هذه القصيدة من عيون شعره، إذ جسَّد فيها معاناته مما يلقاه مثله من بني قومه في جازان نفسها، رغم ما قدمه من أجلها وأهلها، فصور ذلك بقوله:
إن لم أُقدر فيكِ رغم تفوقي
ويكونُ حظُ النابهينَ جفاكِ
فلقد جرى أن النباهةَ في الورى
حُفَّت كمثلِ الوردِ بالأشواكِ
قام العقيلي -رحمه الله- بما توجبه عليه ريادته من تقديم العون لشداة الأدب، فكانت له وقفات مشهورة مذكورة في مساعدة أدباء منطقة جازان، بل مساعدة الباحثين من أبناء الوطن بعامة، وغيرهم، داخل الوطن، وحتى خارجه وهم في بعثاتهم يتابعون تحصيلهم العلمي، فأخذ بأيديهم، سواء من خلال موقعه رئيساً مؤسساً لنادي جازان الأدبي، أو من خلال مواقفه الشخصية، بعيداً عن مواقع العمل الرسمي، كان ينطلق في ذلك رحمه الله من عشقه للتميز والتفرد، ومن رؤيته الشخصية التي كان يرددها: (لا قيمة لتفردي وتميزي إلا إذا كنتُ بين ألف شاعر، وألف ناقد، وألف مؤرخ وألف أديب، وهكذا أريد لمنطقة جازان حتى يكون لتفردي معنى). ومن هذا المنطلق لم يبخل بمساعدته، وتوسع -لذلك- في كتابه التأريخ الأدبي لمنطقة جازان، فأورد فيه نصوصاً وتراجم لمن ليس له سوى نص واحد أو نصين، وكثيراً ما استكتب من سمع به من الشباب والناشئة، فشجعه وحثه على نشر كتاباته، وضمَّن كتابه: التاريخ الأدبي لمنطقة جازان كثيراً من ذلك، وكان المعوَّل في ذلك عنده أن يلمس لديه مَلَكة الأدب، وموهبة الإبداع، وهذا يعرفه الأدباء في جازان، ناضجين وناشئين، ويثنون عليه به، فهذا الكاتب الصحفي علي العمير يقول: (الصديق الكبير الأستاذ المؤرخ محمد بن أحمد عيسى العقيلي من أوائل من تلقيت منهم العون والتشجيع والمساعدة على المسار الذي اخترته لنفسي وتعلقت به -أقصد الأدب-).
وللعقيلي في مجال النقد الأدبي ومضات متخصصة جميلة، فهو يرى التجديد الشعري إنما يكون (في مسايرة روح العصر بما يوائم المفاهيم الحاضرة والذوق الراقي الحديث.. لا في وصف الأطلال أو البكاء على الدِّمَن)، وله دراسات نقدية متخصصة، فإضافة إلى رؤيته الفنية التي صدَّر بها مختاراته من ديوان ابن هتيمل فإن له دراسات نقدية متخصصة، وله آراء في قضايا نقدية كالالتزام في الأدب، وأدب الشيوخ والشباب، وأدب المرأة.
العقيلي والأدب الشعبي
يعد العقيلي رحمه الله من أول من كتب في الأدب الشعبي في العالم العربي، والعجيب أنه رحمه الله طرق الأدب الشعبي بأنواعه المختلفة: السيرة الشعبية، الحكاية الشعبية، الأغنية الشعبية، المَثَل الشعبي، ولم يطرح من ذلك إلا ما لا وجود له في الجنوب (جازان).
كتاب العقيلي: (الأدب الشعبي في الجنوب) يعد من أوائل مؤلفاته، حيث صدر الجزء الأول منه العام 1389هـ، والثاني العام 1392هـ، وقد عرض فيه لألوان من الرقص الشعبي، كالسيف، والعِرْضَة، والدَّمة، والزامل، والزَّيْفَة والمَعْشى، وغيرها، كما رصد العادات الاجتماعية والتقاليد، والألعاب الشعبية التي كانت سائدة في المنطقة آنذاك، وعرض في ضمنه -أيضاً- لأشعار الحرب والمنافرات بين القبائل قبل أن تشرق عليها شمس الأمن والأمان في العهد السعودي الزاهر. وبالجملة فإن الكتاب ينبئ عن جهد ميداني كبير بذله المؤلف، ويعد قاعدة ضخمة لمشروع بحثي يوثق الفنون الشعبية في المنطقة قبل أن تندثر بهذا العبث الذي نراها تتعرض له اليوم باسم التطوير.
عاش العقيلي عمراً طويلاً نسبياً، وعاصر العهد الإدريسي، وأدرك بعضاً من أبرز رجالات ذلك العهد، وعاش العهد السعودي الزاهر منذ الملك المؤسس إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، وكانت له حظوة كبيرة لدى كبار أبناء الملك المؤسس وكبار رجال الدولة، عاصر أحداثاً كبيرة، وكان له في بعضها أثر، وارتبط بعلاقات قوية مع جيل الرواد في المملكة في الثقافة والفكر والأدب، واختزن ذكريات ضخمة لو توافر على تدوينها لخرجت في مجلدات كثيرة، ولكنه صدف عن الطريقة التقليدية في كتابة المذكرات، وعمد إلى طريقة جديدة مبتكرة لا أعرف أحداً سبقه إليها، وهي استنطاق ما كتبه الآخرون عنه، فكان كتابه: (العقيلي في رسائل واستطلاعات معاصريه) بجزأيه نمطاً فريداً في هذا السياق.
كان العقيلي رحمه الله معتداً بنفسه، معتزاً بمنجزاته العلمية والبحثية التي لا تضطلع بها إلا مراكز علمية ولجان بحثية متكاملة، وكان يمازح جلساءه بقوله: أنا لا أموت!! وكيف يموت من له أكثر من ثلاثين مؤلفاً مطبوعاً، فأحسب أن هذا من الذكر الحسن الباقي الذي لا يفنى، وصدق في ذلك -رحمه الله-، فقد سارت كتبه مسار الشمس، ودخلت كثيراً من مكتبات الدنيا، وقُرِّر بعضها في بعض الجامعات، واقتناها الباحثون وأفادوا منها، وبخاصة في منطقة جازان التي نذر نفسه لخدمتها علمياً. وإننا لنرجو أن يأتي اليوم الذي نرى فيه أبناءه -حفظهم الله- يعيدون طباعة مؤلفاته خدمة للباحثين والدارسين وطلاب العلم بعامة.

ذو صلة
التعليقات