مجلة شهرية - العدد (506)  | ربيع الأول 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

أكرا: العمق التاريخي لمنطقة الوجه

تتميز منطقة الوجه بعمقها التاريخي, ما يجعلها منطقة دسمة للبحوث والدراسات، وما يجعلها منطقة سائغة للسواح، يتلذذون بطعم التاريخ عبر الأحقاب المتعاقبة عليها. فلا تكاد تمشي في بقعة لا تتعدى عدة كيلومترات فيها؛ إلا وترى التاريخ شاهداً بآثاره الباقية، حتى ارتوت أرض الوجه ووديانها وهضابها وشواطئها من الآثار التي تشهد على أعظم حضارات مرت بها، وهي الحضارة الفرعونية والرومانية والنبطية واللحيانية. ثم موقعها الرئيس على طرق الحاج لقرون عديدة. ومن الآثار التي تشهد على ذلك (أكرا) التي تثير في النفس التساؤلات، وتبدي للزائر لها حكايات أمم قديمة.
تصارعت في منطقة أكرا الأثرية أقدم الحضارات التي عرفتها الدنيا, إذ تتراءى لعين السائح فيها السفن الرومانية وهي راسية على الميناء، وقافلات النبطيين التجارية تحمل البضائع، وإبل السبئيين تحمل اللبان والبخور، وسفن طريق الحرير تحمل البضائع والثقافات للعرب لتأخذ منهم بضائعهم التي اشتهروا بها.. ومرور الحجاج بها براً وبحراً بطريق تعددت مسمايتها عند أهل الوجه مثل (طريق الحاج، الغُرْبْ، والوافدية).
تركت هذه الحضارات شواهدها في أكرا, تكلم فيها المؤرخون والباحثون في التاريخ والآثار يتفقون ويختلفون في دراساتهم وبحوثهم حول هذه المنطقة، فمن غير المعقول أن تمر الحضارات دون أن تترك لها أثراً. فكانت النقوش ودروب الحاج والآبار والمناجم والمستوطنات والممرات التي حفظها لنا الزمان تشهد على حضارات هذه الأمم.
وأكرا منطقة تقع على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وتبعد عن الوجه حوالي 40 كلم جنوباً, وهو ميناء أثري تصارعت على أرضه حضارات ما قبل الميلاد وبعده، لأنها كانت أحد منافذ دروب التجارة المنتشرة على البحر الأحمر في شبه الجزيرة العربية كالنبطية واللحيانية والسبئية إلى الحضارات التي تقع على ساحل البحر الأحمر الإفريقي كالفرعونية والرومانية.
رأس كركمة
توجد فيها آثار ميناء للأنباط عرف بميناء أكرا كومي قبل الميلاد، عادت منه الحملة الرومانية بعد فشلها بالسيطرة على العرب في شبه الجزيرة العربية عام 24 ق.م في عهد الملك الروماني أغسطس. كما ذكر سترابون (المؤرخ والجغرافي والفيلسوف اليوناني) أنواعاً من التجارة التي يمارسها الأنباط المسيطرون على موانئ شمال البحر الأحمر مثل لوكي كومي، وأكرا كومي وهو (مرسى كركمة), وذكر أنها تنقل من هذه الموانئ إلى البترا ومنها إلى فينيقيا وباقي الأمم, وأن البضائع منها الثياب الأرجوانية والأصطرك والزعفران والتماثيل والصور والقطع المنحوتة.
ومن آثار أكرا آبار أثرية قديمة، وقصر صغير يأخذ في بنائه طابع الطراز الروماني، يبعد عن ساحل البحر الأحمر في أكرا نحو ستة كيلومترات، ولقدمه ارتبط بـ(فارس الخلا) وهي قصة شعبية طويلة يتداولها سكان المنطقة, مختصرها أن عبداً له رأسين أحدهما صغير والآخر كبير يعيش بأكرا، وخطف فتاة جميلة من أهلها، وبنى لها قصراً بجانب البحر, فإذا أراد أن يذهب بعيداً يسجنها فيه، وكان يأكل في غدائه ناقة، وفي عشائه ناقة، يخطفها من إبل الناس ويحملها على رمحه إلى بيته لتطبخها له زوجته المخطوفة، وبنى من عظام هذه النوق معبداً له، وفي أحد الأيام خطف العبد ذو الرأسين ناقة أصيلة من أرملة فراحت تصيح وتستنجد بأبي زيد الهلالي، فركب أبو زيد فرسه وذهب لمكان العبد ذي الرأسين عند القصير، واستطاع أن يحتال وساعدته كثافة شجر الأثل المتقارب من بعضه في رد سيف العبد ذي الرأسين عنه. واستطاع أبو زيد قتل العبد ذي الرأسين وأعاد الفتاة لأهلها. (القصة موجودة في كتابي: السعلوة بين الحقيقة والخيال - الجزء الثاني).
أما من الناحية التاريخية والأثرية فتعتبر أكرا التابعة لمنطقة الوجه من الموانئ القديمة على الساحل الشرقي للبحر الأحمر, أنشئت في حقبة ما قبل الميلاد، كما في ضبا وأملج وينبع, وكان لها دور اقتصادي وتجاري وعسكري ولها دور مهم في طريق القوافل، كما كان لذكرها نصيب في الكتب اليونانية القديمة حين ذكرها المؤرخ والجغرافي والفيلسوف اليوناني سترابون مرة بـ(أجرا) وبطليموس بـ(أجر), وربما هذا بسبب تحوير الكلام الأعجمي للكلمات العربية، ومن أرض الواقع نذكر الآثار التي تشهد على تعاقب الحضارات بهذه المنطقة, ومنها:
1 - آبار أكرا الأثرية بالقرب من مصب وادي (أبا النعام) بوادي الحمض.
2 - رصيف أثري قديم للعربات يبعد عن ساحل البحر في أكرا بحوالي كيلومتر واحد, ويتجه للجنوب.
3 - قصر يبعد عن ساحل البحر حوالي ستة كلم, بقربه بئر أثري يتبعه ويأخذ أحجار المرو التي بني منها القصر.
4 - بقايا عظام إبل بمساحة ثلاثة في ثلاثة أمتار تقريباً، ذكر بعض كبار السن أنه على شكل بنيان, وكان موجوداً إلى ما قبل ثلاثين عاماً، حيث نقل العظام أشخاص، ويقال إنه كان معبد, ولم تزل بقايا العظام ماثلة إلى اليوم.. وقد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان الجزء الثاني ص  316 عن أثر قصر مبني بعظام الجمال.
5 - وجود عملة نحاسية مسكوكة يظهر عليها صورة ملك من ملوك الرومان وجدت بالقصير.
6 - وجود تمثال إغريقي.
7 - النقوش الإغريقية على جبال وادي العرجا.
8 - أقصر الطرق التجارية إلى وادي العرجا من أكرا ثم القصير عبر وادي الرماحية، ثم وادي المرّة عرضاً، حتى نصل جبال الستار، ليلتقي الطريق مع درب الوافدية (طريق الحاج), ونترك جبال الستار خلفنا، لنعبر وادي المسماة، حتى نصل وادي العرجا الذي يضم هو الآخر مناجم أثرية ومستوطنة ونقوشاً إغريقية، فوادي النابع الذي يضم أيضاً النقوش النبطية وبقايا آثار سد منهار يحتاج لبحث.
تميزت أكرا بغابات كثيفة من أشجار الأثل والسدر التي أزالها سيل عام 1406هـ. بالكامل. إلا أن الحياة النباتية والشجرية بدت تعود لها مرة أخرى.
ذو صلة
التعليقات