مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

فن تشكيل المعادن

يقصد بفن تشكيل المعادن عمل تشكيلات معدنية تجمع بين الجانبين الوظيفي والجمالي في إطار واحد، وتمثل المشغولات المعدنية أهمية كبيرة في حياتنا اليومية لأنها تزين منازلنا ومكاتبنا، كما تحتوي متاحفنا ومعارضنا على العديد منها.
ومنذ اكتشاف المعادن سعى الإنسان إلى استخدامها في حياته اليومية لتحقيق أهدافه ومطالبه، وبعد تطوره عرف خواصها المميزة وهي الثقل النوعي، الصلابة، القابلية للانصهار، القابلية للتبخر، قوة التماسك، المرونة, وقابلية السحب والطرق، مقاومة الثني والالتواء، قابلية السبك واللحام، القدرة على التوصيل الحراري والكهربائى، مقاومة العوامل الجوية والتفاعلات الكيميائية. 
وتعتبر مصر من أولى الدول التي عرفت مهنة وفن تشكيل المعادن منذ أقدم العصور، ولكنها ازدهرت وتقدمت بشكل كبير في العصر المملوكى، وهو العصر الذي عرف بأنه العصر الذهبي لهذا الفن. وما زالت هذه المهنة تمارس حتى يومنا الحاضر في أحياء القاهرة القديمة بصفة عامة وحي الجمالية بصفة خاصة على الرغم من انتقال العديد من الورش من هذا الحي إلى أحياء أخرى بالقاهرة والقليوبية والجيزة تحت تأثير وضغط العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية. 
وفن تشكيل المعادن من المهن التي يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، كما يعمل بها جميع أبناء الطوائف الدينية دون تفرقة أو تمييز، كما يعمل بها بعض النساء خاصة في الأعمال التي لا تقتضي القوة البدنية العالية، وتقوم هذه المهنة على العديد من خامات المعادن والمواد المساعدة ومن أهمها الحديد، النحاس بأنواعه (الأصفر والأحمر والأبيض)، البرونز، الزنك، القصدير، الرصاص، والفضة.              
تعتمد مهنة تشكيل المعادن وتصنيعها على العديد من الحرف المساعدة, من بينها: حرفة سبك المعادن (فن الصب والصهر)، وتختص هذه الحرفة بعمل قطع معدنية مكررة لنماذج معينة أو محددة, والحدادة ويقصد بها عملية تقطيع المعادن إلى ألواح بعد وضعها في درجة حرارة عالية للغاية حتى يسهل تشكيلها وذلك بوضعها في فرن مملوء بالفحم ومزود بمنفاخ هوائى. وتنقسم الحدادة إلى نوعين هما (الحدادة بالطرق، والحدادة بالقوالب)، ولكل نوع منهما خصائصه وأهدافه ونتائجه، فالحدادة بالطرق تنحصر في فلطحة قطعة الحديد أو تربيعها أو إطالتها، بينما تستخدم طريقة الحدادة بالقوالب بهدف الحصول على إنتاج متكرر من المشغولات، فضلاً عن مهنة تبييض المعادن, ويقصد بها (عملية طلاء المعادن بالقصدير لتبييضها لمنع الصدأ/الأكسدة)، والهدف منها حماية النحاس وغيره من المعادن ومشغولاتها من الصدأ (الأكسدة) نتيجة تعرضها للماء والهواء، ولتفادي إصابة الآكلين بالتسمم من الأوانى المعدنية. 
مراحل تشكيل المعادن
يمر فن تشكيل المعادن بعدة مراحل تبدأ من تقطيع المعادن بواسطة المقصات المختلفة ومن بينها (مقص الألواح، المنشار الحدادي، الأجنة أو الأسفين, وهي (أداة نادرة الاستعمال لأنها تحتاج إلى قوة بدنية عالية)، فضلاً عن إمكانية قطع المعادن باستخدام المثاقب، ومن أهم أنواعها (السنبك، الشنيوراليدوي أو الكهربى، المثقاب الكهربائى). 
وفن تشكيل المعادن يحتاج إلى المهارة والدقة الفنية لتحويل المعادن بعد تقطيعها إلى أشكال مادية نافعة، ومن أهم طرق تشكيل المعادن: الطّرق، الجمع، الاستعراض والاستعدال، والتشفير والإفراد والخصر والتلفيج، ويمكننا تعريف القارئ الكريم بكل طريقة على حدة على النحو التالى: 
- الطّرق (التقبيب): هومن أكثر طرق تشكيل المعادن شيوعاً، ويستخدم في تشكيل الأواني والأباريق ذات الشكل الكروي بالإضافة إلى الأطباق والصواني واللوحات التي تحتاج إلى تقبيب أطرافها أو جزء منها. 
- الجمع: هو أحد الطرق المستخدمة في تشكيل الأواني المعدنية والهدف منه زيادة سمك المعدن وذلك عن طريق الدق على سطح الإناء من الخارج. 
- الخصر والتلفيج: يقصد بهما (التوسيع عند الحافة أو القاعدة بالنسبة للأواني والأباريق). 
- ومن طرق تشكيل المعادن أيضاً الاستعراض والتشفير والإفراد، يقصد بالاستعراض والتفشير إظهار البروز في مقدمة الإناء أو عند قاعدته ويستخدم الحرفي في هذه الطريقة الدقماق (المطرقة)، بينما يقصد بالإفراد: عملية تحويل المعادن إلى أشكال مجسمة، وهي تخضع لعمليات حسابية ورسم هندسي دقيق. 
- الاستعدال: يستخدم في معالجة الالتواءات أو التموجات التي تحدث أثناء تشكيل الأواني، ويتم ذلك إما بالطرق على قطعة من الحديد تسمى زهرة الاستعدال أو باستخدام المطرقة أو بالتسخين في حالة استعدال القطع ذات التخانات السميكة، وينقسم الاستعدال إلى نوعين هما الاستعدال بالطرق أو الاستعدال بالتسخين. 
- البرد والإزالة: يقصد بالبرد تسوية الحواف المعدنية وكشط الزوائد الناتجة عن سوء القطع باستخدام المبارد المتنوعة، بينما يقصد بالإزالة (إزالة الرايش -البقايا- الذي تنتج عن تقطيع للألواح المعدنية). 
وبعد الانتهاء من هذه المراحل يقوم الصانع (الحرفي) بتوصيل المعادن بعضها ببعض بعدة طرق منها الوصل بواسطة اللحام باستخدام القصدير أو الفضة أو لحام المونة، أو الوصل بواسطة البرشام، أو الوصل بالربط، أو اللحام بواسطة استخدام المسامير، أو اللحام بالدسرة ويقصد بها (التعشيق بين معدنين دون استخدام أي مواد لحام).
جماليات المعادن 
ولإضفاء الجمال والرونق المميز لأسطح المعادن تستخدم عدة أساليب من بينها أسلوب الريبوسية REPOUSEE، والهدف من هذا الأسلوب إبراز وإظهار الوحدات الزخرفية أو المناظر المرسومة على سطح المعدن بحيث تشبه ما يطلق عليه RELIEF، ويعني هذا المصطلح الإنجليزي طرق أخرى مثل (التطبيق، التلبيس، الترصيع، التركيب، التنزيل، حيث تتشابه جميعها في طريقة الزخرفة التي قوامها حفر رسوم على السطح المرصع ثم ملء الشقوق التي تؤلف هذه الرسوم بقطع أخرى من مادة أثمن قيمة، أو عمل زخارف غائرة على أسطح معدنية كالنحاس أو أسطح معدنية نفيسة كالفضة أو الذهب ثم ترصيعها بالأحجار الكريمة أو الجواهر الثمينة)، ومن أبرز النقوش التي تزين المشغولات المعدنية المثلث ويدل على التسبيح، والدائرة والهلال والقمر والشمس وهي رموز دلالات دينية، ومن الرموز المشهورة في تزيين المعادن المشكلة الكف المضموم أو المفتوح، ويعتبر اللون الأزرق من أكثر الألوان استخداماً في تزيين المعادن وتلوينها ويقصد به منع الحسد، ويتم ذلك عن طريق استخدام أقلام التحديد أو التحزيز، كما يستخدم بعض الحرفيين لزخرفة المعادن طريقة أخرى تسمى بطريقة الترميل، ويستخدم الحرفي في هذه الطريقة أقلاماً صلبة مختلفة الأطراف، يستخدم بعضها لرسم نقط دائرية، وبعضها يستخدم لرسم نقط مربعة أو مستقيمة أو متعامدة، وتتميز هذه الطريقة بأنها تثري العمل الفني جمالياً لما تظهره من تباين بين التأثير الخشن الملمس الذي ينتج عن أطراف أقلام الترميل المختلفة وبين الرسوم المقببة ناعمة الملمس.  كما توجد عدة أساليب أخرى لإضفاء الصبغة الجمالية على المعادن منها أسلوب الحفر أو النقش، وينقسم الحفر ENGRAVING إلى قسمين الأول: الحفر بالطرق اليدوية ويسمى الحفر في هذه الحالة بالحفر الغائر، أما النوع الثاني فيسمى بالزنكوجراف وهو عبارة عن حفر سطحي، ويعتمد هذا النوع على الأحماض وبعض المواد الكيماوية. 
وهناك النقش CHASING ويقصد به كتابة بعض الآيات القرآنية والأدعية على المشغولات المعدنية أو رسم رسوم معينة (الطيور والحيوانات) بغرض إضفاء صبغة جمالية عليها وإبراز لمعانها. 
وتعتبر طريقة التفكيت INCRUSTATION من أهم طرق زخرفة المعادن التي نقلها الفرس والعراقيون لمصر وتسمى بين الحرفيين أيضاً باسم التنزيل، وهي واحدة من أجمل طرق الزخرفة، وتتم بإضافة أسلاك من المعادن الثمينة كالذهب أو الفضة إلى المعادن غير الثمينة مثل النحاس الأصفر والأحمر، ويعتبر أسلوب النيلو NIELLO من الأساليب الشائعة في زخرفة المعادن ويقصد به ملء الفراغات والشقوق الغائرة والمحفورة. 
ويمثل أسلوب المينا أهمية خاصة في زخرفة المعادن ومشغولاتها وتستخدم المينا وهي مادة صلبة وتشبه في تركيبها المادة المستخدمة في طلاء الأعمال الخزفية، ويتم طلاء المشغولات المعدنية بالمينا بطريقتين أولاهما الطلاء بالفرشاة، وثانيهما باستخدام الأحماض مع الأكاسيد، بهدف حماية وصيانة المشغولات المعدنية من العوامل الخارجية التي تتسبب في الصدأ، كما يبرز أسلوب التفريغ (النشر) FILIGREE براعة فنان المعادن من خلال خلق علاقة بين الخط الزخرفي والفراغ، وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى الفراغات الزخرفية التي تتم على سطح المعدن بواسطة الأجنة أو المنشار اليدوي. 
وتسمى المرحلة الأخيرة من تشكيل المعادن بمراحل التشطيب, حيث تقول الدكتورة منى كامل العيسوي في كتابها القيم الموسوم (المشغولات المعدنية في التراث الشعبي / 2012)، ومن أهم مراحل التشطيب التنعيم والتلميع، ويقصد بالتنعيم محو آثار الطرق، بينما يقصد بالتلميع إضفاء اللمعان والبريق للسطح المعدنى.

ذو صلة
التعليقات