مجلة شهرية - العدد (506)  | ربيع الأول 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

فيلبي.. الرحالة البريطاني

يكتسب الرحالة والمستشرق البريطاني (هاري سينت بردجر فيلبي)، أو (عبدالله فيلبي) بعد إسلامه، مكانة مهمة في الذاكرة العربية والإسلامية خلال القرن العشرين، فقد رحل إلى الشرق الأوسط أثناء الحرب العالمية الأولى، ودخل الجزيرة العربية في مهمة رسمية تابعة لوزارة الخارجية البريطانية، فكانت هذه الرحلة بداية لتغيير مجرى حياته كلها.
فما أن التقي بالملك عبدالعزير آل سعود، رحمه الله، وتعامل معه عن قرب، حتى انبهر بشخصيته العظيمة وسياسته الحكيمة، وأحب العرب، وعشق الإسلام، وأقبل على دراسته عن قرب، ثم أعلن إسلامه عام 1930م، واختار لنفسه اسم (عبدالله فيلبي)، وأدى فريضة الحج في موكب الملك عبدالعزيز عام 1931م.
وتواصلت علاقة الاحترام المتبادل والصداقة بينه وبين الملك عبدالعزيز سنوات طويلة بعد ذلك، حيث عمل، طوال سنوات عديدة، مستشاراً للملك عبد العزير، وقام بعدة رحلات في الجزيرة العربية، فكان أول أوروبي يزور المناطق الجنوبية من نجد، ويستكشف أنحاء جزيرة العرب المختلفة، ثم يضع مجموعة من الكتب التي كان لها دور كبير في فتح شبه الجزيرة العربية، ذلك المجهول في تلك الفترة، أمام القراء في كل أنحاء العالم.
المولد والنشأة
ولد هاري سينت جون بريدجر فيلبي، عام 1885م في سيلان (سري لانكا)، حيث كان يعمل والده في تجارة القهوة، وعاش 75 عاماً، حيث رحل عام1960م. وقد أكمل تعليمه في إنجلترا، حيث التحق بكلية ترينتي بجامعة كيمبردج، وتخرج منها عام 1907م بامتياز، ثم عمل بعد تخرجه لدى حكومة الهند البريطانية بالهند، وهناك توسع في دراسة اللغات المختلفة، فدرس الفارسية والهندوستانية والبنجابية والأردية، ثم تعلم اللغة العربية مما خوله أن يلتحق بالبعثة البريطانية في البصرة عام 1915م، ثم عمل مساعداً للقائد العام للقوات البريطانية المتمركزة في بغداد في ذلك الوقت.
وفي عام 1917م، وهو في الثانية والثلاثين من عمره، التحق فيلبي بالعمل في وزارة الخارجية البريطانية، وأوفد -كما ذكرنا- في مهمة خاصة إلى الجزيرة العربية على رأس بعثة نجد التي تشكلت لمقابلة الملك عبدالعزيز والتباحث معه في بعض الأمور المتعلقة بالحرب العالمية الأولى، وعلاقته ببريطانيا، وهناك تعرف عن قرب على الملك عبدالعزيز وأعجب به، واختلف مع رؤسائه قادة بريطانيا في تقويم دوره بالمنطقة، فقرر ترك العمل الحكومي، والمجيء إلى المملكة للعمل بالتجارة، وتوثقت علاقته جداً بالملك عبدالعزيز، وأعلن إسلامه، ورافق الملك في أسفاره، وأصبح مستشاراً شخصياً له.
استكشاف جزيرة العرب
وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، ذاع اسم فيلبي وصيته، وقرر البقاء في المملكة العربية السعودية، وأمضى بضع سنوات في استكشاف جزيرة العرب، ووضع العديد من المؤلفات التي قدمت جزيرة العرب بصورتها الناصعة للعالم كله، منها كتاب (جنوبي نجد) الذي طبع منه في القاهرة مئة نسخة عام 1919م، وكتاب (الربع الخالي) الذي طبع في لندن عام 1932م، وسجل فيه مغامرته في قطع الربع الخالي سيراً وعلى ظهور الإبل، كما كتب عدة كتب عن الآثار بالجزيرة العربية من أشهرها (أرض الأنبياء)، و(مدين)، وكتب عن اليمن (بنات سبأ)، وألف عن المملكة العربية السعودية كذلك عدداً من الكتب بالإنجليزية، تجعله بحق أغنى من كتب بالإنجليزية عن نشأة المملكة وتطورها، وجهود الملك عبدالعزيز في تأسيسها وتوحيدها.
حاج في الجزيرة العربية 
وبعد أن أسلم وأطلق على نفسه اسم (عبدالله فيلبي) ألف كتاباً عن (هارون الرشيد) نشرته دار بيتر ديفر ليمتد عام 1933م، وكتاباً آخر بعنوان (الحاج فيلبي)، وثالث بعنوان (الجزيرة العربية في ظل الحكم الوهابي)، بالإضافة إلى كتاب (حاج في الجزيرة العربية) الذي يأتي على رأس كتبه ومؤلفاته، والذي نشرته دار (روبرت هيل المحدودة) عام 1946م، ونال رعاية عدد من المترجمين العرب، فترجم أكثر من مرة، وطبع عدة طبعات مختلفة، كان آخرها طبعة دار الجمهورية للصحافة بالقاهرة في ديسمبر 2006م، ضمن سلسلة (كتاب الجمهورية) التي ترجمها وقدم لها الدكتور صبري محمد حسن.
والكتاب عبارة عن مقالات مختارة من بين ذلك الكم الكبير من المادة غير المنشورة التي تجمعت لدى فيلبي طوال ربع قرن، وهي الفترة التي استغرقتها الرحلة التي قام بها الرجل إلى الشرق الأوسط.
مناقب الجزيرة العربية
وإذا وقفنا عند مضمون هذا الكتاب الوثائقي المهم (حاج في الجزيرة العربية)، نجد فيلبي يبدؤه بذكر مناقب جزيرة العرب ودورها التاريخي والديني كمهد للأديان والحضارات، فيقول عنها في مطلع كتابه: «الجزيرة العربية بحكم ما هي عليه، تقع عند مفترق طرق المصير البشري، أي أنها تقع في منتصف الطريق بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب من العالم المأهول بالبشر، وهي جزيرة صحراوية، لغة هذه الجزيرة النقية ضربت أطنابها في أراضي كثيرة.
وبلاد العرب هذه بحكم شهرتها بالكرم منذ قديم الأزل، هي التي فتحت ذراعيها لتحتضن لاجئي الطوفان، وتستقبل اليهود في زمن الخروج.. وبلاد العرب، أو بالأحرى الجزيرة العربية هي التي تعهدت الأديان الثلاثة الرئيسة التي تنادي بإله واحد، فهي التي أنجبت الديانات العظمى التوحيدية الثلاث، التي تمكنت من الانطلاق لتغزو العالم كله».
ثم يقول: «لقد تحققت العظمة مرتين لجزيرة العرب، وأصبحت خلالهما قوة كبيرة، كانت المرة الأولى في عهد سبأ، والثانية في عهد الخلفاء الراشدين».
العهد السعودي
ويمر فيلبي على تاريخ الجزيرة العربية عبر العصور، حتى يصل إلى العهد السعودي الذي عاصره، وشاهد مجريات أحداثه بنفسه، بحكم قربه من الملك عبدالعزير - يرحمه الله-، وعنه يقول: «إن المملكة العربية السعودية هي البلد الوحيد من بلدان الشرق الأوسط، الذي احترمنا استقلاله، بالرغم من أن ذلك كان على مضض منا في بعض الأحيان، لقد تحتم علينا -يقصد بريطانيا- محاربة كل من العراق وبلاد فارس، وقد تحتم علينا إجراء بعض المساومات مع تركيا، واعتقال وحجز الوطنيين السوريين لإبعادهم عن الأذى، وتحتم علينا التعامل مع مصر بصورة دقيقة ورقيقة، وفي الدول العربية الصغيرة تحتم علينا الاحتفاظ ببعض القوات استهدافاً لضبط سلوك وتصرفات هذه الدول الصغيرة.. وابن سعود هو الوحيد الذي أثبت أنه كان صديقاً وفياً لنا في وقت الشدة. وعلى الرغم من كل ذلك، لا يمكن أن نعد ابن سعود حليفاً لنا، إنه محايد في واقع الأمر، ومع ذلك فهو يميل إلى الإحسان إلينا».
مصالح الإسلام والعرب
ثم يقول عن الملك عبدالعزيز: «ولقـد تولى الملك عبدالعزيز بن سعود ملك آبائه عام 1919م، وبكل تأكيد إنه أحد الملوك القلائل جداً الحاكمين فعلاً، الذين يستطيعون ادعاء هذا التميز، وقد كان هم ابن سعود الأول هو تأمين مصالح الإسلام والعرب. ولا يمكن لأحد أن ينكر أن البلد الذي كان يحكمه ابن سعود ظل طوال جيل كامل يتمتع بنعمة السلام، وعلى نحو ليس له مثيل في تاريخ شعب هذا الرجل، وقل أن نجد لذلك مثيلاً في أي مكان آخر من أماكن العالم المضطرب في ذلك الوقت.
وفي ظل هذا السلام والأمن تمتعت بلاد هذا الملك بكثير من التقدم والازدهار، هذا يعني أن موسم الحج السنوي إلى مكة، وهذا بشهادة عشرات الآلاف من الحجاج أصبح أكثر سلامة وراحة من ذي قبل.
وبمعاونة المعدات والآلات الصناعية لانت الصحارى العربية بتسليم كنوزها المخفية -الزيت والذهب بصفة خاصة- وأدخل الملك عبدالعزيز إلى بلاده وسائل التطور من برق ولاسلكي وبريد وسيارات وكهرباء وآلات زراعية، أصبحت مألوفة في أرض كانت من قبل أرض مخاطر وقصص خرافية».
في صحبة الملك
ويخصص فيلبي جزءاً كبيراً من كتابه للحديث عن قيامه بأداء فريضة الحج في موكب الحج الخاص بالملك عبدالعزير، فيقول: «في نهاية الأسبوع الثالث من أبريل عام 1931م، كانت قد وصلت آخر مجموعة من سفن الحج من مصر والسودان، ومن المغرب وسوريا، ومن الهند والشرق الأقصى إلى ميناء جدة، لقد كان تجمعاً من عدد ضئيل مخيب للآمال، 40 ألف حاج التقوا في مكة مما وراء البحار، ليتضاعف العدد بما انضم إليه من حجاج الداخل القادمين من الرياض واليمن ومن الحجاز.
فعدد الحجاج القادمين من خارج البلاد في السنوات الخمس السابقة كان يتراوح بين 80 و120 ألف حاج، ويعزى سبب الانخفاض في عدد الحجاج هذا العام (1931م) إلى موجة الكساد الاقتصادي العالمي الذي عم الدنيا كلها، والذي اصطبغ به ذلك العام والأعوام التالية. فقد انخفض عدد الحجاج في العام 1932م إلى ما يقرب من 30 ألف حاج، وفي العام 1933م إلى 20 ألف حاج، وهذا مؤشر على ضراوة ذلك الكساد.
وبعد تحري الهلال أعلن أن الإثنين سيكون يوم التاسع من ذي الحجة، وبدأ الاستعداد لمناسك الحج، فأقام الملك عبدالعزيز حفل عشاء تكريماً لضيوف الرحمن، دعا إليه 600-700 من كبار الشخصيات، من بينهم أمان الله خان الملك السابق لأفغانستان، والأمير أحمد سيف الدين، ودعي إليه ممثلون عن كل البلاد والجاليات التي تدين بعقيدة الإسلام.
وبعد الانتهاء من الوليمة طبقاً لمراسم الشرق السريعة، تجمع ذلك الحشد الكبير من البشر في المجلس الواسع الكبير التابع للقصر، كي يستمتعوا بإلقاء القصائد المعدة لهذه المناسبة، من مؤلفيها شعراء الجزيرة العربية ومصر، وألقيت الخطب بعد القصائد، وتكلم الملك عبدالعزيز الذي ليس في كل الجزيرة العربيـة من خطيب أكثر منه تمرساً في الخطابة، أو أكثر تواضعاً وبساطة في الأسلوب، ولا أثقل وزناً وأشد تأثيراً منه، إنه يهيمن على مستمعيه بالتدرج بهم نحو الذروة بتقريرات منطقية مستندة دائماً على أقوال العلماء الثقات المعروفين لسامعيه مثلما هم معروفون له». 
صعود الحجيج
«وشهد اليوم التالي صعود الحجيج بأزرهم البيضاء إلى عرفة على قدم وساق، وقد كان الطريق الواسع المخترق لمكة شرقاً والمجاور لمقبرة المعلا والقصر الملكي بالمعايدة طيلة اليوم مسرحاً لحركة لا تنتهي، وفي ازدياد دائم، وقطارات الجمال حاملة الهوادج: أربعة أو خمسة في صف واحد، تسير حاملة أثقالها ببطء وتتقدم إلى وجهتها على بعد 9-10 أميال، وبينهم جماعات من الحجاج على الحمير تتخلل طريقها في خطوات أسرع، وإلى جانبهم يتسع الطريق لجحافل من الحجاج السائرين على الأقدام كباراً وشباباً، رجالاً ونساء وأطفالاً، ومن حين لآخر تأتي سيارة تحمل إذناً ممهوراً من الملك تمخر وتزمجر في الزحام، لأن كل حركة السيارات في مكة ممنوعة خلال اليومين الأولين للخروج».
ثم يقول فيلبي: «وفي يوم التروية هذا، تحرك الحجاج إلى منى، وبقي الملك تأتيه التقارير الميدانية عن سير النفرة، ويوجه أوامره لحل ما يعترض من مشكلات، ويصرف أمور الدولة حتى الظهر عندما توجه إلى منى، وقمت برحلتي إلى منى في سيارة وزير المالية، ووصلنا بسلام إلى منى وقد تفتق واديها عن مدينة من الخيام، وبعد العشاء في خيمة الملك تجولت بمنى، ولم يكن الأمر سهلاً للجماعات المتحركة من الناس والِجمال، وكان القمر يضفي على المنظر سحراً».
موكب من الجمال 
ثم يقول: «وحين بدأ ضوء النهار يخترق ضباب الوادي، بدأ إنهاض الجمال الباركة أمام باب القصر، وفي لحظة كنا جميعاً على أقتابها، وتحركت مجموعة الملك نحو أسفل الوادي وسرعان ما انضمت القوافل الأخرى في موكب مهيب، لم يكن هناك أقل من 10 آلاف جمل خلف الملك ذلك الصباح، يوم عرفة، وفي هدوء سار الموكب في الوادي كالسيل، ودخلنا وادي المأزمين في مزدلفة، ثم وادي عرنة، فأنخنا ونزلنا إلى الخيام المنصوبة في سهل عرفات، وأمامنا غير بعيد جبل الرحمة، الذي هو بمثابة المعلم الرئيس في سهل عرفات، تبدى جبل الرحمة لنا وفيه عمود أبيض اللون، وراحت حرارة الجو ترتفع، لقد كان الماء كثيراً، بل والثلج أيضاً، وبعد تناول الغداء في خيمة الملك، مشينا عبر رقعة الرمال التي كانت كالنار للأقدام الحافية، مما اقتضى لبس الصنادل إلى مسجد نمرة لأداء صلاتي الظهر والعصر جمعاً وقصراً، والاستماع إلى خطبة الحج، ومسجد نمرة عبارة عن مسور مدهون باللون الأبيض وحوائطه مسننة، لكن المسجد بلا مئذنة، ولم يكن في المسجد مكان لسجود المصلين عندما أقيمت الصلاة من شدة الزحام، واستمعنا للخطبة التي ألقاها الشيخ عبدالله بن حسن رئيس الهيئة الدينية في مكة، والتي فجرت بكاء بين الحجاج الخاشعين، لقد كانت الخطبة أيام الأتراك والأشراف تلقى من على ظهر جمل أو من على جبل الرحمة أو بالقرب منه، وفي وسط المحمل وغيره من المراسم ومظاهر العظمة الدنيوية التي غدت في طي النسيان.
وبعد ذلك عدنا إلى خيامنا، وجاء للسلام على الملك بعض الحجاج الهنود وغيرهم، ثم ركب الملك حصانه ومعه حاشيته متجهاً إلى مكان وقوفه بعرفة، ووصل الملك إلى الحشود الواقفة في الفضاء ومعه مرافقوه براياتهم الخضراء، وكانت بين الجموع الهوادج المغطاة للنساء محجوبة عن عيون الرجال، وظلت الحشود واقفة من الثانية بعد الظهر إلى غروب الشمس، تدعو دعاء متصلاً لا نهاية له بالعفو وغفران الذنوب، وقد آثر البعض البقاء في خيامهم تجنباً للشمس شديدة الحرارة، وكان الحجاج الأفقر حالاً قد جاؤوا معهم بسعف النخل وغطوها بأكياس فارغة يستظلون بها».
عجائب الرحلة
ومن عجيب ما رأى فيلبي في رحلته للحج قوله: «رأيت حجاجاً أمضوا سنوات منذ مغادرة بلادهم لأداء الحج، فهذا رجل وزوجته أبلغاني أنهما بدءا رحلتهما ومعهما طفل واحد فصارت بعد 14 سنة في المشعر أسرة من 6 أشخاص، وهذا آخر ادعى أن عمره 120 سنة قضى ما لا يقل عن 70 منها في طريقه من لاغوس لأداء الحج، واستثمرها في تلقي العلوم حيثما مر».
خمسون ألف جمل
ويتحدث فيلبي في كتابه عن النفرة من عرفة، فيقول: «وما أن غربت الشمس حتى بدأ الموكب العظيم في النفرة، وحسب علمي ما من كاتب وصف النفرة من عرفات, فعندما تحركت في ركب الملك وأدرت لحظي في المنظر, كان منظر الجمال هو الذي راعني، ففي الوادي الفسيح كله كانت صفوف الجمال وفيالقها هي التي اسـترعت انتباهي، لابد أن هناك ما لا يقل عن خمسين ألف جمل كلها سائرة إلى الأمام في خطواتها السريعة الصامتة التي تميزت بها وسيلة النقل الرئيسة في الجزيرة العربية، وما إن ازداد الغسق، وارتفع الغبار من حفيف الخفاف حتى بدأت فيالقنا تفقد واقعيتها وتبدو كأنها جنود البشائر السماوية تتحرك بصمت وخفة في الضوء الخافت المعلق الآتي من القمر من فوقنا ومعه المريخ والمشتري».
الوقوف في مزدلفة
«وبعد تجاوز الأعمدة الحجرية المحددة لمنطقة الحرم، انفجرت أمامنا مدينة ضخمة بآلاف الأنوار والأقواس المضاءة في صفوف منتظمة، وفوانيس صغيرة معلقة فوق الأعمدة، لم يكن لهذه المدينة من أثر عندما مررنا عليها في الصباح، لقد نبتت فجأة في الوادي منذ الغسق، لقد كانت هذه مزدلفة والتي حططنا فيها رحالنا وجمعنا حصيات لرمي الجمرات، لقد كانت همهمة الجمال في كل مكان، وكذلك نداءات الرجال لأصحابهم الضائعين فرقة موسيقية حقيقية متنافرة الأنغام.
وهناك عسكر الملك عبدالعزيز في الفضاء، على أبسطة فرشت على المنحدر الرملي، وجيء بالعشاء في صَوان ضخمة نشرت على بساط طويل لمتعتنا، فأكلنا وأمر الملك مساعديه بالذهاب لدعوة الحجاج للعشاء، فجاؤوا بالمئات ليأكلوا من مائدة الملك، ثم انصرفوا بدعوات عالية، ثم نمنا. وصحوت فيما يبدو أنه منتصف الليل على أصوات محركات السيارات، ورغاء الجمال، وكان الملك على بعد خطوات غارقاً في تلاوته للقرآن، ثم اصطففنا لصلاة الفجر، وركبنا متجهين للمشعر الحرام في منى، حيث توقفنا ونحن لا نزال راكبين ندعو الله ونشكره بما هو مأثـور من دعاء عن النبي، صلى الله عليه وسلم».
وبعد خروجنا من مزدلفة ركب الملك حصاناً ليكمل الطريق إلى جمرة العقبة، وبقيت أنا على جملي حتى اقتربت منها، فنزلت سيراً على الأقدام لرمي العقبة، لأجد زحاماً رهيباً، لقد كان مستحيلاً الاقتراب كثيراً لرمي العقبة، وربما استقرت حصياتي التي رميتها على الروؤس التي لم تحس بوقعها للذين كانوا أمامي يرمون.
وبعد رمي العقبة وجدت الأمير عبدالله، أخا الملك، عائداً إلى مكة في سيارته لطواف الإفاضة وكنت محظوظا لأجد مكاناً في سيارته، وفي أقل من نصف ساعة كنت في بيتي. كان هناك 50 ألف شخص في الحوض المغطى بالرخام حول الكعبة، إنه مشهد رائع للإسلام ذي البلدان المتعددة، ثم شربت من ماء زمزم، وأنتهز هذه الفرصة لأقول إن جميع من كتبوا عن الحج قد أساؤوا لهذا الماء بلا وجه حق، وعلى خلاف ما ذكروه فله طعم جميل ومنعش، ومفيد جداً لآلات الجسم الداخلية، والمؤكد أن ذلك الماء هو أقدم وأقدس مياه الأرض كلها، وقد نثر الزمزمي آخر قطرات الماء في الكوب الذي شربت منه فوق رأسي ووجهي».
في مني 
ويواصل فيلبي سرد رحلته للحج والمناسك بصحبة الملك عبدالعزيز، فيقول: «قضيت الوقت هادئاً في منزلي بمكة ولم أتحرك للمبيت بمنى إلا عند العصر، إن الفضاء في الوادي بين السلسلتين الجبليتين قد امتلأ بمدينة فعلية من الخيام غطت مساحة منى، وأصبح الشارع الرئيس بها سوقاً مزدهرة حقاً، ونشر الباعة بضائعهم من كل لون وقيمة على الأرض، وكان كل خامس أو سادس من الجالسين من البائعين: تاجر صرافة يشتري أو يبيع الروبيات والفلوس والعملات مقابل الريال الفضي والهللات النحاسية. فمكة والمدينـة بطبيعة الحال كانتا في عطلة وقد أغلقت كل محلاتها التجارية وتوقف العمل التجـاري، بينما أصبحت منـى في الوقـت الحالي هي القلب التجاري للحجاز.
وفي الشرق من الوادي وراء تجمع خيام الحجاج، كان ابن سعود (الملك) يجلس في مجلسه الكبير يصرّف شؤون الدولة ويصدر الأوامر لجهاز حكمه، وفي يوم التعجل عندما تدافع جمع من مرافقي الملك في المخيم للنفرة إلى مكة مما سيزيد الزحام، أرسل الملك إليهم أمراً بالرجوع إلى خيامهم، وفي هذه الأثناء تدفقت الجموع من منى إلى أسفل الوادي، نهر لا ينقطع من الرجال والنساء والأطفال، راجلين أو راكبين، مرهقين لكنهم سعداء، وفوق ذلك كله طاهرين من آثام الماضي, ذلك العبء الثقيل الذي كانوا جميعاً يحملونه، حتى تلك الأيام».
تنظيم الحج
ويشيد فيلبي في رحلته بالتنظيم الذي شهده الحج في العهد السعودي, فيقول: «هذا الحج المكي المنظم تنظيماً حديثاً في ظل الحكم السعودي الحالي، هو في واقع الأمر دليل على ذلك النجاح الكبير الذي تحقق في هذا الصدد، فإن الحج آمن ومريح ويسوده الرضا والقناعة، ومزود تزويداً طيباً بالماء والعناية الطبية، وخال من المضايقات والمنغصات».
ثم يقول: «إن الأسلوب المنظم الذي كان عليه الحج المكي في ظل حكم الملك عبدالعزيز كان بحق شاهداً على قدر كبير من النجاح أمكن تحقيقه، فحكومة الملك فعلت الكثير والكثير عن الحكومات السابقة من أجل خفض معدل الوفيات بين الحجاج. ففي العام 1931م بلغ عدد المتوفين حوالي أربعين فرداً، من بين جمع الحجاج الذين يقدر عددهم بحوالي 100 ألف حاج، وشهدت الأعوام التي تلت ذلك تحسناً كبيراً في هذا الرقم، إذ لم يصل عدد المتوفين في حج العام 1934 إلى أكثر من خمسة عشر فرداً من بين مجموع الحجاج البالغ عددهم 80 ألف حاج. وخلال السنوات الستة عشرة التي دامها حكم ابن سعود لم تنتشر الأوبئة خلال موسم الحج».
في مدينة النبي
وتنتهي مناسك الحج، ويرحل فيلبي إلى المدينة المنورة في مهمة لتركيب محطة للاسلكي، فنجده يقدم وصفاً مفصلاً لمهجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «بقدر ما قرأت عن مدينة النبي، فإني أقر بأني لم أكن مهيئاً أبداً لسحرها ولا لمعناها، كانت أيامي في المدينة مبهجة وممتعة حقاً فوق التوقعات التي كان أوحى بها انطباعي الأول من قراءاتي، فالذي لا شك فيه أنها مدينة فيها روح، وجاذبية هذه المدينة تناجي الروح أكثر من الذهن، يضاف إلى ذلك أن عبقرية الموقع أو المكان التي ترسخت على امتداد قرون طويلة من التقدير والإجلال المحلي، هي التي تسيطر على جو المدينة المنورة كله، بالقدر نفسه الذي تهيمن فيه قبة مسجدها على المنظر الطبيعي فيها».
ويدخل فيلبي الحرم النبوي من باب السلام، ويقول: «وصلنا إلى الروضة الشريفة، وهي تختلف وتتميز عن بقية صحن المسجد بالكساء الرخامي الذي يغطي أعمدتها، وبعد أن أنهينا صلاة الزيارة القصيرة جلسنا برهة من الوقت رحنا خلالها نتأمل المشهد، ثم نهضنا بعد ذلك لنخرج من الروضة بالقرب من محراب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعد المحراب اتجهنا يساراً، سلمنا على النبي هو وصاحبيه ومن جاؤوا بعدهم».
وبعد الصلاة في المسجد النبوي وإتمام السلام عليه صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضي الله عنهما، زار فيلبي مكتبة عارف حكمت الشهيرة، «هذه المكتبة التي تعد مقراً ومستودعاً لمئات المخطوطات النادرة والفريدة التي لا تقدر بثمن، وهي مكتبة تتميز بأنها واحدة من أبهى غرف القراءة، دائرية الشكل، وفيها كتب قيمة موضوعة على شكل أكوام فوق الرفوف التي تحيط بهذه الغرفة، ولها أمين هو باحث كبير السن اسمه الشيخ إبراهيم بن أحمد حمدي زاده الخربوطي، الذي كان عاكفًا على دراسة الأبجديات، وكانت لأبجدية آدم وشيث الصدارة فيها بحكم التسلسل التاريخي، وقد أراني هذا الرجل بعضاً من كنوزه».
وصف المدينة المنورة
ويقدم فيلبي وصفاً للمدينة المنورة ومزارعها وأحيائها وضواحيها، والسور المحيط بها، وأسلوب المواصلات فيها، حيث يتم في الغالب بالجمال والحمير وأحياناً الخيول، الشارع التجاري: العينية-المؤدي من مخيم الحجاج والتي أخذت اسمها من مقر اللجنة المكلفة بالإشراف على تزويد المدينة بالماء -المناخة- إلى الحرم النبوي، جسر أبوجيدة الذي يمر فوق المسيل رابطاً العنبرية بوسط المدينة.
ويقول: «تنظيم المدينة فيه شيء من البساطة، ولكنه على درجة عالية من الكفاية، وقلب المدينة هو المنطقة المسورة من كل نواحيها، وموقع المسجد النبوي مركز الحركة لكل المقيمين، والذي أعاد بناءه السلطان العثماني عبدالحميد مستخدماً الحجارة من جبال الجماوات في الضفة اليسرى لوادي العقيق، والذي هو بالفعل المعلم الهندسي الرئيس لا للمدينة فحسب وإنما لكل الجزيرة العربية، درب الجنائز المؤدي لمقبرة البقيع، باب الشامي، قباء، وغيرها.
وتظل حياة المدينة تدور حول حدائقها وبساتين نخيلها، لقد زرت عدداً من الضياع وقضيت ساعات ممتعة مع مضيفيّ المختلفين لتزجية الوقت، وهم يجدون متعة في اصطحاب ضيوفهم إلى الحدائق لزيارة الآبار وغرف الماكينات، موضحين كيف أنهم نجحوا محلياً في تحويل ماكينات الزيت لتعمل بالغاز الناتج عن حطب الوقود.
وتمور المدينة مشهورة في كل الشرق الإسلامي لمزاياها الخاصة ولارتباطها الديني معاً، ويتوافر المشمش والعنب والخوخ وغيرها من الفواكه وكذلك الورد والحناء ويسمع تغريد البلبل -النغري- في كل الأوقات».
ومع توسع الرحالة في تاريخ أحياء ومواقع الآثار بالمدينة يعقد فصلاً للحديث عن جبل أحد، يقول: «أحد حسب الموروث واحد من تلال الجنة السبع، ومن قمته يمكن أن يرى المرء أجمل منظر عام للمدينة، وأعتقد أنه يحق لي الادعاء بأني الأوروبي الوحيد الذي وصـل أو حاول الوصول إلى قمته، كان ذلك بعد زيارتنا لقبر سيد الشهداء حمزة عام 1931م، مصاحباً للسيد محمد السقاف الذي كان قد عاد للحجاز بعد 40 عاماً أمضاها في التجوال في إسطنبول وفي أماكن أخرى من العالم، وكان معنا خادم يحمل لنا قربة ماء لكي ننعش بها أنفسنا عند القمة، ومن هذه القمة بقينا مدة تزيد عن ساعة من الزمن، ونحن ننظر إلى منظر جميل من مناظر الجزيرة العربية، في منتصف هذه الصورة تماماً، كنا نرى مسجد النبي هو والمدينة المنورة تحيط بهما أشجار النخيل وتطوقهما أذرع الصخور البركانية المخيفة المنتشرة جنوباً وشرقاً في فضاء لا تحصره العين».
مسجد قباء
ويعقد الرحالة فصلاً خاصاً عن مسجد قباء وهو أول مسجد في الإسلام، والذي اعتاد أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم– الأوائل أن يؤدوا فيه الصلاة قبل وصوله، يقول عنه فيلبي: «يقع المسجد في موقع جميل وسط الحدائق، على مسافة تقدر بحوالي ثلاثة كيلومترات من بوابة قباء في المدينة المنورة، وتمتد خلف المسجد منازل شبه خربة لقرية صغيرة يحيط بها النخيل، وما من بقعة في المنطقة أكثر شعبية لدى الحجاج من قباء، فالطريق قصير والثمرة عظيمة».
كما يعقد فصلاً آخر لضواحي المدينة: العوالى وقربان، منطقة الخندق الذي يمتد في شكل قوس ضحل يصل حرة الشيخين البارزة بمكان المجمع الحالي لمحطة اللاسلكي، ويستمر هناك متجاوزاً الطرف الشمالي لثنيات الوداع إلى الطرف الشمالي النائي من جبل سلع، ومنه إلى الطرف الشمالي من اللسان الغربي للحرة في المنطقة المجاورة للقبلتين. 
وهكذا استمر العشق والحب الذي ملأ قلب عبدالله فيلبي للعرب والجزيرة العربية والإسلام حتى توفي في بيروت عام 1960م.

ذو صلة
التعليقات