مجلة شهرية - العدد (506)  | ربيع الأول 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

وظيفة الدراماتورج في المسرح العربي

انضم إلى المسرح في الآونة الأخيرة نوع جديد من المشاركين في صناعة العرض المسرحي هو الدراماتورج، وإذا كنا نعتبر هذه الوظيفة الدرامية من الأعمال المصاحبة والمساعدة بمفهومنا الحالي فإنها في الماضي البعيد عندما أنشئ المسرح بدرامياته الكلاسيكية المعروفة كانت تطلق على من يعمل بتأليف الدراما المسرحية.

مرت الدراما المسرحية بمراحل متعددة منذ الشعراء الإغريق الأوائل في العصور القديمة وذلك عندما نشأ المسرح في أحضان الشعر في زمان الرواد الإغريق القدماء المشاهير (سوفوكليس) و(يوربيديس) و(إيسخيلوس) وأخيراً الكوميديان اليوناني ذائع الصيت (أرستوفانيس) وكان هؤلاء الشعراء يقومون جميعهم بأغلب الوظائف المسرحية، وكان كل واحد من هؤلاء يسمى دراماتورج، وعليه نستنتج أن الدراماتورج هذا كان الشخص الأهم في إنتاج العروض المسرحية، ورغم ذلك اختفى تدريجياً هذا المسمى الوظيفي ليعود من جديد بعد مئات الأعوام مع تطور المسرح إثر تأثره بظروف العصر وزيادة عدد العناصر المسرحية من نص ومؤدٍ وجمهور إلى مالا يقل عن ثلاثة عشر عنصراً.
وقد جاء في المعجم المسرحي عن تعريف كلمة (دراماتورج) أنها تستعمل كما هي بلفظها الأجنبي (dramaturg) في كل اللغات بما فيها العربية، وهى مأخوذة من الكلمة اليونانية المركبة (dramaturgos) التي تتألف من مقطعين الأول (dramato) يعنى العمل المسرحي والثاني (ergos) أي الصانع أو العامل أي أنها كلمة تعبر عن التأليف كصنعة أو صناعة التأليف.
كانت كلمة دراماتورج تطلق على من يعمل بتأليف الدراما واختفى المصطلح طويلاً ليعود في النصف الأول من القرن الثامن عشر على يد الكاتب الألماني (غوتولد لسنغ  G. lessing) (1729-1781م) أول دراماتورج في العصر الحديث. وضع لسنغ تصوراً جديداً للكتابة المسرحية يربطها بالجمهور، وقد تبعه في فعل ذلك المسرحي الألماني الأكثر شهرة (بر تولد بر يخت B.Brecht) (1898–1956م) صاحب الملحمية والذي كان أول من طبق مفهوم الدراماتورجية فعلياً في تحليله للنص المسرحي وفي إعداده للكلاسيكيات المسرحية لتقدم الصورة العصرية، وقد جعل بر يخت الدراماتورج أكثر أهمية من الكاتب ومن المخرج يعرف ذلك من يقرأ نصه (رائية النحاس) حيث اعتبر بر يخت الدراماتورج مسؤولاً عن الجانب التقني والعملي للعرض وترك للمؤلف الجانب الفكري والفلسفي.
وبانتشار المدلول الألماني لكلمة دراماتورج تطور معناها ودخل عليه مدلول جديد هو عن الشخص الذي يهتم بالعرض المسرحي والذي غالباً ما يكون المخرج.
وأقرت الدراماتورج كوظيفة رسمية لأول مرة في المؤسسة المسرحية في ألمانيا وفى بعض دول أوروبا الشرقية في النصف الأول من القرن العشرين بأن تم تعيين دراماتورج أو أكثر في بعض المسارح.
هناك تنوع في مهمات الدراماتورج حسب المهمات التي تسند إليه وهذا التنوع وفقاً لما جاء ببعض المعاجم المسرحية كالتالي:
- دراماتورج الإنتاج: عمله مرتبط مباشرة بالإخراج وينتهي دوره مع بداية التدريبات، لذلك فهو المسؤول عن تحديد الإطار الدرامي للعروض ورسم سياسة المسرح واختيار النص وتوثيقه وإجراء بحوث تاريخية ومسرحية حوله، وتحضير الدعاية له وكتابة النشرة التوضيحية التي توزع على المتفرجين (البروشور) وتوثيق العمل بعد العرض (إعداد ملف وصور عن العرض وما كتب عنه) وهذه العملية يمكن أن يقوم بها شخص واحد أو فريق عمل، كما يمكن أن يتولاها مساعد المخرج في غياب الدراماتورج.
- دراماتورج المنصة: ويدخل عمله في صلب العملية الإخراجية، ويتراوح ما بين ترجمة النص أو إعادة ترجمته لعرض معين أو نقله من اللغة الأدبية إلى اللغة المحكية وإعداد النص أو توليفه وتقديم قراءة محددة له، وهذا العمل يقوم به الدراماتورج بالتعاون مع المخرج والممثل والسينوغراف، وقد يقوم به أثناء التحضير للعمل فقط، أو يستمر به خلال التدريبات أيضاً.
وهناك حالات يقوم فيها الدراماتورج بكتابة النص انطلاقاً من تدريبات الممثلين الارتجالية في صيغة الإبداع الجماعي، وهذا ما تم لدى صياغة نص مسرحيتي (1789) و(العصر الذهبي) اللتين قدمتهما المخرجة الفرنسية (آريان منوشكين A.Mnouchkine) (1939م) مع فرقة مسرح الشمس، وقام الكاتب (دافيد إدغار D.Edgard) بنفس العمل مع فرقة شكسبير الملكية التي قدمت إعداداً لرواية (نيوكولاس نيكلبي) لـ(تشارلز ديكنز C.Dickens) حيث قام بصياغة نص العرض من خلال متابعة دامت ثمانية شهور للعمل الارتجالي للممثلين. لكن في كثير من الأحيان يرفض المخرج الاستعانة بدراماتورج بحجة أن عمله يعتبر تدخلاً في النص. ولهذا تراجع دور الدراماتورج في السنوات الأخيرة عالمياً أما في مجتمعاتنا العربية التي لا يرضى فيها الفرد بغير أدوار البطولة، الكل يرفض الشراكة فإن هذا العمل نادراً ما يطبق لكنه موجود بشكل أو بآخر في بعض الأعمال. قد يقوم به المؤلف نفسه أو المخرج الذي عنده خبرة بالكتابة، ويظهر ذلك بوضوح عند إعادة تقديم أحد النصوص القديمة على المسرح المعاصر، وهو الأمر الذي يحتم ضغط الدراما من ست ساعات كما كانت إلى ما لا يجب أن يزيد كثيراً عن ستين دقيقة، ومع أن الواقع الدرامي يؤكد أنه ما من تجربة مسرحية خضعت لهذا النوع من الأداء الدراماتورجي الجماعي إلا وحققت نجاحاً ساحقاً مثل تجارب مسرح الغد التي يقدمها خالد جلال وآخرها (قهوة سادة) ومثل تجارب عبير علي وآخرها (حد دايس على قلبي).
تبرز أسماء في أداء هذا العمل (الدراماتورجية) على المستوى العالمي مثل الباحث الفرنسي (برناردورت B.Dort) (1929-1994م) الذي عمل بتدريس المسرح وقام بإعداد نصوص لعرض معين، والألماني (هاينر موللر H.Muller) (1929-1995م)، وهو كاتب مسرحي ودراماتورج في نفس الوقت، وقام بإعداد الكثير من النصوص الكلاسيكية للمسرح والألماني، و(لفغانغ فاينس W.Weins) الذي شغل على التوالي وظيفة مخرج ومدير مسرح ودراماتورج في مسارح هامبورغ وفرانكفورت وبرلين. وقد جرت العادة على أن يتعاون المخرج مع الدراماتورج في صياغة متفق بشأنها للعمل المسرحي.
تختلف كلمة دراماتورج في وظيفتها ومعناها عن قرينتها في الشكل والكتابة وهي كلمة (الدراماتورجية Darmaturgy) التي لها مجال دلالي واسع لأنها تدل على وظائف متعددة ظهرت تباعاً مع تطور المسرح، وأصل كلمة دراماتورجية يرتبط بالدراما وهي مأخوذة من الفعل اليوناني (Dramaturgeo) بمعنى يؤلف أو يشكل الدراما كما أن كلمة (dramaturgos) تحتوي على شقين، الأول (dramato) يعني مسرحية، والثاني (regos) يعني صانعاً أو عاملاً، ولذلك فإن الكلمة تحمل في أصلها معنى الصنعة، وتستخدم الكلمة بلفظها اللاتيني المذكور في أغلب لغات العالم ومنها اللغة العربية لأنه لا مرادف لها، وإن كانت بعض الكلمات تعبر عن بعض جوانبها مثل (إعداد أو قراءة أو كتابة).
وقد تطور معنى كلمة (الدراماتورجية) في الفترة التي كان النص فيها يشكل مركز الثقل في العملية المسرحية في القرن السابع عشر عندما كان مؤلف النص يسمى دراماتورج، وكانت كلمة دراماتورجية تعني فن تأليف المسرحيات لكن التأليف وقتها لم يكن يعني كتابة النص فقط؛ لأن طبيعة العمل المسرحي في تلك الفترة كانت تفترض في الكاتب معرفة وثيقة بأعراف العرض كما كانت الكتابة بحد ذاتها تفترض شكل عرض محدد بشكل واضح عبارة عن مقدمات تشمل ملاحظات تتعلق بشكل الكتابة وبشروط تحقيق العرض وبمدى الالتزام بالقواعد المسرحية السائدة آنذاك.
وعند انتقال مركز الثقل من النص إلى العرض بتطور المسرح كانعكاس للواقع تطور عمل الدراماتورج من مؤلف للنص إلى معد للعرض، وتمثل التجربة الألمانية التي سبق ذكرها أول انفتاح في معنى كلمة الدراماتورجية ومدلولاتها التي تخطت عملية الكتابة لتشمل العمل المسرحي بجملته بما فيه عمل الممثل، وقد واكب ذلك إعادة نظر في المفاهيم المسرحية رغبة في الخلاص من هيمنة النموذج الكلاسيكي، وربط العمل المسرحي بالجمهور الذي يوجه له، ولذلك يعتبر لسنغ أول دراماتورج بالمعنى الحديث للكلمة، يليه الألماني بر تولد بر يخت، وبأسلوب عمله في التحليل الدراماتورجي للنص والعمل مع الممثل لكي يبدأ هذا المفهوم في الانتشار بمعناه الجديد، ثم صارت كلمة الدراماتورجية تغطي مجال المسرح ككل بما فيه كتابة النص، وتحضير العرض، ودراسة تاريخ المسرح، والنقد، والتحليل. ومن الجدير بالذكر أنه في اللغة الألمانية وعلى العكس في المعنى الفرنسي يوجد تمييز بين وظيفة الكاتب ووظيفة المسؤول عن إعداد العرض (الدراماتورج) ووظيفة المخرج، وقد عمل بر يخت كدراماتورج مع المخرج النمساوي (ماكس راينهارت M.Reinhardt)  (1873-1943م) ومع الألماني (إروين بيسكاتور E.Piscator) (1893-1966م) وغيرهما، المهم في عمل بر يخت أنه انطلق من خبرته العملية كدراماتورج عصامي بالفطرة، وأنه طبق فعلياً العمل الدراماتورجى على المسرح وعلى أسلوب التعامل مع الجمهور عندما صاغ نظرية المسرح الملحمي وعندما أسس فرقة (البرلينر أنسامبل Berliner Ensemble) في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية تأكد وجود الدراماتورج في المؤسسة الغربية.
الجدير بالذكر أن مفهوم الدراماتورجية الذي ظهر في القرن الثامن عشر سبق مفهوم الإخراج الذي ظهر في نهاية التاسع عشر ومهد له، وفى كل الأحوال يعتبر ظهور الدراماتورجية والإخراج تحولاً في المنظور العالمي للمسرح أو ما يسميه الناقد الفرنسي (برنار دورت B.Dort) (الذهنية الدراماتورجية)، إذ يعتبر أن تراجع أهمية الأعراف التي كانت تتحكم بالكتابة وبالعرض جعل من العملية الدراماتورجية عملية مهمة لأنها تبني علاقة جديدة ما بين النص والعرض بمعزل عن القواعد. سادت الدراماتورجية في العملية المسرحية كجزء من العمل الإخراجي من أجل التحضير للعرض، ويمكن أن نعتبر عمل المخرج الروسي (قسطنطين ستانسلافسكي C.Stanislavski) (1863-1938م) على النص مع الممثلين قبل البدء بالتدريبات هو شكل من أشكال العمل الدراماتورجي الذي نتحدث عنه.
صارت الدراماتورجية عملية متكاملة يشارك فيها المخرج مع معد النص ومترجمه والممثل والسينوغراف بل والناقد في بعض الأحيان، كذلك فإن عمل الممثل على إعداد دوره هو نوع من القراءة الدراماتورجية للدور، ولذلك درست الدراماتورجية في معاهد المسرح وصارت جزءاً من عملية إعداد الممثل، وأدت إلى الانفتاح على العلوم الإنسانية مثل السميولوجيا والسوسيولوجيا. كذلك فإن ارتباط الدراماتورجية بالدراسات المسرحية خلق مجالاً دلالياً جديداً لاستخدام الكلمة، إذ صار يمكن اليوم الحديث مثلاً عن دراماتورجية نص معين أو دراماتورجية عرض ما بمعنى بنيته الداخلية وشكل كتابته في ارتباطها بسائر العناصر، وعن دراماتورجية العلبة الإيطالية بمعنى نوعية الكتابة وشكل التلقي الذي يفترضه هذا الشكل المحدد للمكان المسرحي، وعن دراماتورجية إيهامية ودراماتورجية التغريب بمعنى شكل التأثير على المتفرج، وعن دراماتورجية إليزابيثية أو رومانسية بمعنى شكل الكتابة في ارتباطها بالعرض في عصر ما، وقد أدى ذلك إلى ظهور منظور دراماتورجي في تناول تاريخ المسرح. كذلك هناك ما يسمى بالخيار الدراماتورجي ويعني القراءة التي يفرضها مخرج معين أو محلل معين لنص مسرحي وإخراجي في نفس الوقت.
الفرق بين الدراماتورج والدراماتورجيه أن الأولى تصف القائم بالعمل الدرامي والثانية تصف هذا العمل، وإذا وجد بينهما أي خلط أو لبس فهو أمر متكرر وشائع في دراسة أي عنصر من عناصر المسرح، وعندما نحاول دراسته بمعزل عن باقي العناصر لا نستطيع لأننا نجده متصلاً ومرتبطاً أشد الارتباط والاتصال بالعناصر الأخرى لذلك لا شيء يدرس في المسرح بمعزل عن الآخر؛ لأننا عندما نتحدث عن الإكسسوار نضطر إلى الحديث عن الديكور والإضاءة بل والتمثيل، فما بالنا بالدراماتورج أو الدراماتورجية، وهي كما عرفنا ذات علاقة بكل العناصر؛ لأنها تمثل القاعدة القديمة الجديدة تنطلق منها وتعود إليها جميع عناصر الدراما المسرحية.

ذو صلة
التعليقات