مجلة شهرية - العدد (502)  | ذو القعدة 1439 هـ- أغسطس 2018 م

النكتة: إبداع فني في كل زمان ومكان

لا تزال النكتة مادة من مواد الإبداع الشعبي التي تقوم بدور كبير في حياتنا اليومية في كل مناسبة تقريباً فليس هناك زمن أو مكان لم تعش فيه النكتة سواء في الحياة أو الأدب، ساخرة من سياسة أم تتعلق بجانب اجتماعي. وإذا كانت النكتتان الأدبية والشعبية ترجعان إلى أصول نفسية واحدة فإن النكتة السياسية –لأنها تنبع من صميم الشعب– في وسعها أن تحدد المكان والزمان اللذين نشأت فيهما، فنستطيع أن نميز النكتة الإنجليزية من المصرية، والقاهرية من غيرها في مختلف العواصم العربية، وبالمثل يمكننا أن نميز النكتة القاهرية في زمن الاحتلال وفي عصرنا الحالي.

والنكتة عند الدكتورة نبيلة إبراهيم في مرجعها القيم (أشكال التعبير في الأدب الشعبي) خبر قصير في شكل حكاية أو ألفاظ تثير الضحك، وهي في رؤية الدكتور محمد الجوهري في كتاب (دراسات في علم الفولكلور) تنقسم إلى ثلاثة أنواع من مواد الإبداع الشعبي، هي: النكتة والنادرة والقصة الفكاهية، النكتة قصة قصيرة جداً تتميز بطبيعتها الدرامية وبتصعيد الحدث ونهايته بطريقة فجائية، وتشترك النكتة مع النادرة Anecdote في أن كلتيهما تثيران الضحك لكن النادرة أحياناً تعني الحدث الطريف الذي يسرد سرداً كما أنها -وخاصة في اللغة الإنجليزية- قد تعني أسطورة تاريخية ترتبط بشخص معين، أما القصة الفكاهية Merry Tale فتشترك مع النكتة في طابعها الفكاهي القصصي وتختلف في الطول وغياب عنصري التصعيد والنهاية الفجائية. والنكتة تلخيص مكثف لموقف يبرز ما فيه من تناقض أو مفارقة، وإذا كانت للمفارقة أشكال تتراوح بين الإبكاء والإضحاك فالنكتة هي صورة هذا الأخير وإن جاء أحياناً في صورة سخرية من وضع مأساوي على طريقة التراجيكو ميدي أو شر المصائب ما يضحك.
ويستبعد الدكتور لطفي عبدالوهاب، في دراسته (نحو صيغة مسرحية مصرية) بمجلة (آفاق ثقافية) العدد الثاني مايو 2000م، النكتة التهريجية التي لا تعبر عن تناقض جاد أو عميق وإنما تعبر في خير صورها عن افتعال تناقض قد لا يكون موجوداً بالفعل أو افتعال ضحك بدون سبب مقنع أو لمجرد التلاعب غير المعبر بالألفاظ عن طريق الغمز مثلاً عن مفارقة حقيقية تخدم الموقف، وإنما النكتة الحقيقية تفلسف التناقض وتبلوره إلى أقصى حد ثم تقدمه في أقل الكلمات وأكثرها تعبيراً ومن خلال ذلك يتبلور المعنى الكامن في النص وفي الأداء، فإذا أضفنا إلى هذا الولع المصري بالنكتة السياسية بوصفها ممارسة ذهنية محببة وأدخلنا في اعتبارنا أنها بطبيعتها التي تتعامل مع ما في المجتمع والحكومات من تناقض تنسجم انسجاماً تلقائياً مع عنصر الصراع بما ينطوي عليه بالضرورة من مفارقات، وإذا أدخلنا هذا في الاعتبار أدركنا ما يمكن أن تقدمه النكتة من توجهات ذهنية وتفاعلات للمواطن تسهم في كسر الحاجز الوجداني بين الحكومة والشعب.
مفاهيم وخصائص
النكتة تلاعب بالألفاظ يصنع معنى مزدوجاً، فهناك المعنى الظاهري الذي لا يثير الضحك إذا استعمل بشكل مألوف، والمعنى الخفي الذي لا يثير الضحك إلا لكونه مرتبطاً بالمعنى الأول مثال: سأل يهودياً يهودياً آخر كان يقف أمام حمامات شعبية: هل أخذت حماماً؟ فأجاب بالنفي، ولم؟ فأجاب: دخلت فوجدت حماماً ناقصاً، ويوضح ذلك أن كلمة أخذت حماماً تحتوي على معنيين: ظاهري مألوف، وهو الاستحمام. وخفي، هو سرقة الحمام. ولو أن اليهودي سأله صديقه عما إذا كان قد سرق حماماً ما كان هناك منذ البداية معنى مزدوجاً، فالنكتة تركيبه لغوية معقدة تهدف للوصول إلى الحل اللغوي الذي يدركه السامع، وسيلتها ليست اللغة المألوفة المنطقية وإنما تنقطع فيها سلسلة التعبير المنطقي ومع ذلك تهدف من خلال المعنى إلى إدراك العبث أو المحال أو متناقضات الحياة. وتختلف الحكاية الخرافية عن النكتة إلا أنهما يلتقيان معاً في زاوية ما؛ فالأولى تغير أوضاع العالم اللاأخلاقي وفقاً لطموحات الإنسان الشعبي، أي أنها تهدف إلى إلغاء الواقع التراجيدي، أما النكتة فلا تلغيه وإنما تسخر منه وهي تختلف عن أنواع الفكاهة الأخرى في أن كل ذلك يتحقق في النطاق الذهني وحده كمرح ذهني أهم خصائصه الكشف المفاجئ عن المعنى المزدوج، وترتبط النكتة بسائر أنواع التعبير الأدبي الشعبي التي رغم تعددها إلا أنها تنبع من باعث واحد هو حب الشعب للحياة كيفما تكون فيتفنن في إبداعها لذا فإنه ليس من الجائز أن نفصل بين محتواها الفكري وبين فنيتها فهما يرتبطان معاً تمام الارتباط، وهناك فرق بين النكتة وسائر أنواع الفكاهة فالألفاظ العربية الفكاهية كثيرة منها: المزاح واللمز والتندر والهزل والقفشة والمفارقة، وقد اشتهر جيل الأدباء في أوائل القرن العشرين بالميل إلى التندر وربما كان أشهر أنواع الفكاهة التي رويت عنهم هي القفشة وتعني أن تقفش شيئاً في إنسان يصلح لأن يكون موضوع سخرية، ومنها ما روي عن الشيخ عبدالعزيز البشري الذي جلس ذات يوم مع بعض أصدقائه فمر بهم أحد باعة المحافظ فاستوقفه أحدهم ليشتري محفظة وراح يقلبها جميعاً حتى أعجبته واحدة لكنه ردها قائلاً: إن المحفظة تعجبني لكنها صغيرة، فتدخل البشري قائلاً: «يا أخي هو أنت حتشيل فيها زنوبك؟!». وشبيه بالقفشة الكاريكاتير إذ أنه ينتج كذلك عن إحساس بثقة تدفع صاحبها الذي يمتلك الموهبة الفنية إلى أن يتخذ من الشخصية أياً كان وضعها الاجتماعي موضوعاً لفنه فيبرز الملامح المميزة لها والتي يمكن أن تكون موضعاً لسخريته. أما (المفارقات) فهي كما يقول الأستاذ أحمد أمين في قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية عبارة عن «الجمع بين الشيء ونقيضه»، ويرى الشيخ حسن الآلاتي في كتابه (مضحك العبوس) أن المفارقات تحتوي على ملح كثيرة مثل قوله «قال لها وحياة جمالك وافتتانك قصدي الهوى أقلع سنانك»، ولا تخفى نوادر جحا على أحد وليست شخصيته حكراً على المصريين فربما كان لكل أمة جحا فنحن نعرف جحا التركي وهو ناصر الدين خوجه وجحا الألماني وهو أولين شبيجل.
إبداع النكتة
تتطلب النكتة نشاطاً ذهنياً خاصاً فلا يمكن أن تنشأ بين السذج وإنما تنشأ بين الطبقات التي تعيش الحياة في أعمق أعماقها، ولهذا تعضد الدكتورة نبيلة إبراهيم النظرية التي تقول بأن النكتة الشعبية لا تنشأ في الريف، ولا يعني هذا أن إبداعها حكر على من يعيش في المدينة، فقد يبدعها فلاح بشرط أن يعيش الحياة بوصفها كلاً بعيداً عن أسلوبه الاعتيادي وهو بما له من نشاط إبداعي يبتكر الكلمة التي سرعان ما تلقى هوى الشعب إذ تمكنت فيها روحه وتجاربه ومشكلاته.
والنكتة الحقيقية صناعة دقيقة تحتاج لحيز زمني محدود وهي تهدف للوصول إلى إدراك مفاجئ لبعض مظاهر الحياة التي لا يدركها الناس بوضوح، ويتحقق هذا عن طريق المقارنة والمفاجأة وأن يتحرك الوعي بين الأشياء الحسية والمعنوية فيحللها ثم تنتهي للإنسان قواه التصورية وذاكراته فيقارن بين المدركات ويجمع بينها في وحدة جديدة مركبة تكسبه معرفة غير مسبوقة وإذا كانت المقارنة العلمية تتبع منهجاً موضوعياً فالمقارنة الجمالية تنبع من الذات التي تكشف عن نواحي التشابه والاختلاف كشفاً يؤدي إما إلى خلق الانسجام والجمال وإما إلى إدراك الحقيقة الوجدانية وعملية المقارنة المضحكة شبيهة بالمقارنات الفنية الأخرى فهي ذاتية مثلها ولكنها تتميز عنها في اختيار مجال محدد للمقارنة يرتبط بالموضوع الباعث على الضحك فمبدع النكتة شأنه شأن أي فنان تطرح أمامه مجالات من الاختيار لا حصر لها من أدنى المحسوسات إلى أعلى المدركات ولكنه يتميز عن أي فنان آخر أن عقله يعمل بسرعة مذهلة ولابد أن تنتهي المقارنة إلى نتيجة غير متوقعة ذلك أن المفاجأة هي الجسر الذي يقع بين الذات القادرة على إثارة الضحك وبين الشيء الباعث على الضحك فمبدع النكتة يمر بتجربة معينة (التجربة الضاحكة) وتبدأ بحالة من اليقظة مصحوبة بذكاء المبدع وبثروة تفكيره وإدراكه وكلها تمهد لابتكار حالة من التوتر تدفعه إلى الإحساس العميق بالشيء المثير المحزن من ناحية وإلى الرغبة في المرح وأول سبب يبعث على هذا الإحساس هو التحول الداخلي المفاجئ لإدراك حقيقة بعينها أي إدراك جزء من الواقع. وثاني هذه الأسباب هو التأكد من أن هذا الإدراك لا يسيء إلى أحد الأمر الذي يؤدي إلى الإحساس بالثقة، وما أن تنتهي المفاجأة بخلق جو من المرح حتى يجمع مبدع النكتة أو راويها بالمستمع عبر مجال واحد من التفكير والإحساس وإذا بالمستمع يدرك بعض مظاهر الحياة إدراكاً إيجابياً غير مسبوق، فالنكتة ضرورية لحياتنا وفكرنا اللذين يسيران بغير انقطاع في حالات من التوتر الداخلي والخارجي نحاول تقليلهما فنستعين بوسيلة تؤدي إلى حالة من الاسترخاء وأفضلها وربما كانت الوحيدة هي النكتة ولعل هذا هو السر في أن النكتة إبداع فني يعيش في كل زمان ومكان وهي في رؤية خبير التراث نايف النوايسة كالمثل الشعبي تبدأ من الفرد فيتبناها المجتمع وتنتشر عن طريق إعادة إنتاجها بشكل موسع.
مقياس الشعوب
أنواع النكتة متعددة كالساخرة من الحموات والسلبيات كظاهرة الدروس الخصوصية المصرية وأثرياء الحرب والأغبياء والبخلاء وهناك نكات جنسية وسياسية واجتماعية واقتصادية وجميعها أصبحت موضوع دراسة العديد من المراكز البحثية العربية في الآونة الأخيرة بوصفها تعبيراً لقياس اتجاهات الرأي العام ومعرفة رؤيته للقضايا المطروحة على الساحة خاصة وأنها لم تعد قاصرة على مجالس النكتة بل انتشرت عبر الإنترنت والطريف أن هناك من يدافع عن النكتة العربية والسياسية حيث يرى البعض أنها الأكثر إيلاماً وسخرية وهي بمثابة (هتاف الصامتين) في رؤية دكتور سيد عويس عالم الاجتماع وهي أيضاً (سلاح شعبي) و(نزهة المقهور)، ولقد انتبهت مراكز الأبحاث والدراسات إلى أهميتها وخطورتها فأجرى مركز الدراسات والبحوث النفسية بجامعة القاهرة دراسة حول النكتة والكاريكاتير كآلية للنقد الاجتماعي، ويقول الدكتور معتز سيد عبدالله المدير الأسبق للمركز «إن الدراسة ترصد أشكال الفكاهة في مصر منذ بداية القرن العشرين وعلاقة النكتة بالأحداث السياسية والاقتصادية»، وترصد من خلال 1200 طالب بجامعات القاهرة وعين شمس وحلوان أهم النكات التي انتشرت كشكل من أشكال التفريغ النفسي والجانب الآخر من الدراسة وهو الكاريكاتير، وتم إجراؤه بالتعاون مع مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية حيث تحلل الدراسة مضمون الكاريكاتير بالصحف اليومية والحزبية خلال 10 سنوات وعلاقته بالأحداث وأهم أشكاله والتغيرات التي لحقت به، والنكتة السياسية تنتشر في الأوقات العصيبة محلياً ودولياً وهي في كل الأحوال تعبر عن الرأي العام واتجاهاته وفي كل دولة هناك أجهزة متخصصة في قياسات الرأي العام وهو أسلوب أمني كان موجوداً بقوة في عصر الزعيم الراحل عبدالناصر ثم السادات الذي كان يبدأ يومه بقراءة تقرير المخابرات عن النكت وكان يسميها نكات الصباح وفي أمريكا وأوروبا نكات اقتصادية وسياسية واجتماعية وإذا كانت بعض الأجهزة التي تستخدم النكتة من أجل تدمير نفسية الشعوب فإن الشارع العربي يتهكم بنفسه على بعض المواقف وعالم النكت لا تكاد تخلو منه لغة أو ثقافة أو بلد تجد للنكتة مرادفها في أكثر من حارة وجماعة يتغير الفاعلون وتبقى النكتة لتعبر عن فكرة تتجاوز حدود البقعة التي أطلقت منها فهي عابرة للقارات وللزمن ويكاد يجزم الباحث خالد الطراولي بأنها سبقت تقارب الأسواق وعولمة الاقتصاد وشكلت أول بنود ميثاق القرية الكونية الذي لم ير النور إلا أواخر الألفية السابقة وكثيراً ما أضحكت شعوباً مختلفة الأعراق والتقاليد تفصلها مسافات الجغرافيا والتاريخ وهي مؤشر لدرجة القهر السياسي ومستوى الفساد وفي التاريخ المعاصر مثل المعسكر الشرقي والستار الحديدي الذي تدل عليه طيلة عقود –وخاصة الإطار السوفيتي ومعتقلات الغولاغ في سيبيريا– ملاذاً للتعبير عن هذا الظلام والظلم اللذين حبست فيهما شعوب بأسرها وبخروج هذه الدول من ربقة الاستبداد وقع تسليم هذا التراث إلى بقاع في العالم أصبحت تعبيراً عن الاستبداد والاستحقاق بالشعوب فكانت دول أفريقية وعربية محطات ملزمة للنزول لمن أراد تتبع خطى النكتة السياسية وآثارها ولهذا فهي ليست دائماً معراجاً واضحاً وسليماً لتمثل المعارضة ولكنها يمكن أن تكون إدارة للاستبداد في تمرير فعل أو أفكار. ولقد وردت كثير من نماذج هذه النكتة في كتاب (أشهر النكت السياسية) الصادر حديثاً لمجدي كامل وقد كان بعضهم يلقونها مثل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل فقد جاءته سيدة غاضبة من الغلاء قائلة: «لو كنت زوجي لقدمت لك فنجان قهوة مسموماً»، فما كان من الداهية إلا أن قال: «ولو كنت زوجتي لشربت الفنجان فوراً». وبشكل عام يشتهر البريطانيون بإجادة إلقاء النكت كما يشتهر المصريون، ويرى إسماعيل الناطور أن أقدم نكتة سياسية مكتوبة في العالم فرعونية مضمونها: كيف ترفع معنويات الفرعون سنوفرو حين يذهب لصيد السمك؟ الجواب: ترمي أحد العبيد بدون أن يدري ثم تصرخ بأعلى صوتك هناك سمكة كبيرة يا سيدي، كما سخروا من الهكسوس فصورهم على جدارياتهم على شكل فئران وقد جلسوا على مقعد الفرعون بينما القطط وهي حيوانات فرعونية مقدسة تقوم بخدمتهم، فالمصري صار ذليلاً للمحتل، وهكذا نجده يقاوم الأتراك بالنكت والفرنسيين أيضاً حتى أن نابليون ذهل من ذلك حتى اضطر لاستغلال الدين لتحريمها، ولما استمرت سن عقوبات رادعة ليمنعها فكان راويها يقتل أو يضرب ورغم هذا لم تتوقف (الأضاحيك) كما أسماها الجبرتي في تاريخه. يقول عنها جورج أورويل أنها (ثورة صغيرة) ومع تفجر الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير 2011 م تفجرت ثورة النكتة السياسية فأضفت عليها نكهة خاصة تنبع من رحم المعاناة والملاحظ أن النكتة المصرية المعاصرة تمر في حلقة زمنية مفرغة فما سخر منه الفراعنة قد نجده الآن! وينقل لنا كتاب (النكت السياسية) لعادل حمودة على لسان وزير الداخلية الأسبق حسن أبو باشا أن مباحث أمن الدولة تجمع النكات من خلال أجهزة تحليل وقياس الرأي العام والتي تعرض في تقرير أسبوعي يعرضه بدوره على مجلس الوزراء كي تتعرف القيادة السياسية على احتياجات الشارع ومشاكله ويضيف أن انتفاضة 18، 19 يناير 1977م التي تفجرت بسبب الزيادة الحادة في الأسعار كان يمكن تجاوزها لو تمت دراسة النكت حول شدة الأزمة التموينية واتخاذ الإجراءات المناسبة لكن تجاهلها أدى للانفجار، وكان الرئيس الراحل عبدالناصر يستقبل في مكتبه تقريراً أسبوعياً من وزارة الإرشاد عن أهم اتجاهات الرأي العام ويضم بين دفتيه أهم النكت وتحليلها لاسيما المتعلقة بالأسعار والتموين وفي أول خطاب له بعد خطاب التنحي الشهير طالب أفراد الشعب أن ينتبهوا إلى نكت العدو التي تهاجم الجيش وتحاول غزو نفسية الشعب وتحطيمه من خلال حرب النكتة ويؤكد عادل حمودة بعد تحليله لنكت هذه المرحلة أنها روجت إلى أن الهزيمة حتمية، كما عرض للصحف السياسية الساخرة التي اختصت بتأليف النكت مثل: (التنكيت والتبكيت) لعبدالله النديم و(أبو نضارة) ليعقوب صنوع، ثم ظهور الكاريكاتير الساخر أو النكتة المصورة على يد عبدالحميد زكي الذي تجاهله التاريخ ومروراً بأشهر رسامي الكاريكاتير في مصر مثل: رخا وصاروخان ثم الصحافة الحزبية، وأختتم بالتأكيد على القراء أن يسجلوا النكت بدقة من أجل التاريخ والأجيال القادمة لعلها تحظى بفرصة النشر، وإذا كان عادل حمودة قد رصد النكتة المصرية فإن كتاباً إنجليزياً صدر لكاتب فلسطيني من فترة بعنوان (الدعابة الفلسطينية) الذي انتهى إلى أن الشعب الفلسطيني قد تغير نفسياً وقدم الدليل بأن النكتة الفلسطينية تغيرت بدورها بتغير الأحداث فأصبحت كالترمومتر للشعوب، ويؤكد أن الاتجاهات السلبية الفلسطينية بدأت في الاختفاء مع مطلع الانتفاضة الأولى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وقد رصد بعض الباحثين أهم وأفضل النكات الفلسطينية التي انطلقت في أعقاب الانتفاضة وتميزت بسخريتها من الحكومة الإسرائيلية، ويؤكد المحلل السياسي حسين عبدالرازق أن النكت تعبر عن مكنون وواقع الشعوب؛ فكان عبدالناصر يضحك عالياً على النكت التي تطلق عليه ويتخذ منها دلالات، وعندما اختفت النكتة في فترة ما فسرها علماء الاجتماع أن الشعب في حالة ضيق واكتئاب شديدين لأنها متأصلة في المصريين، ويؤكد الخبير الإستراتيجي اللواء طلعت مسلم أن للنكتة تأثيراً سلبياً أو إيجابياً يغير في الميزان بنسبة ضئيلة، ومن الناحية القانونية هل يجرّم مبدع النكتة بتهمة القذف العلني؟ يقول عصام الإسلامبولي (المحامي): «إذا كانت النكتة عامة غير موجهة ضد شخص أو أشخاص معينين وتوجه نقداً بناءً فهي ليست مجرّمة قانوناً، أما إذا هدفت إلى التجريح والتحقير لشخص معين فإنها تجرّم قانونياً وتعد سباً وقذفاً».
وأمامنا نوع من النكت اليومية لمصطفى حسين وأحمد رجب هدفها النقد البناء والصالح العام. ويرى الباحث عاطف سلامة أن العديد من زعماء العالم تابعوا النكت لاستطلاع سياساتهم واعتبرها آخرون مقياساً لمؤشرات صعود أو هبوط شعبيتهم السياسية، مثل شارل ديجول الذي كان أكثر ما يزعجه هو أن النكتة أو الكاريكاتير لم يعد يعره اهتماماً في الآونة الأخيرة من عصره في فرنسا فقال: «لقد تدنت شعبيتي، فأنا لا أرى نفسي في رسوم الكاريكاتير، ولا أسمع اسمي في النكت التي تنتقدني». الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كان يبدي اهتماماً بالنكت التي كثيراً ما أزعجته إلا أن معرفة المزاج الشعبي من القضايا السياسية كانت تخفف من وقعها، ويؤكد اختصاصي علم الاجتماع دكتور حسين الخزاعي أن النكتة هي البناء المعماري للنقد الساخر من المجتمع والمؤسسات والأفراد، لافتاً النظر إلى أنها وليدة أشكال سوسيولوجية محددة تاريخياً واجتماعياً، ويوضح أن الأشكال السوسيولوجية والمجموعات الاجتماعية هي التي تبدع النكتة من مواقع انتمائها ومواقفها. ويشاطره الرأي أستاذ العلوم السياسية دكتور محمد المومني الذي يؤكد أن محاولة الوقوف على الظاهرة السوسيولوجية للنكتة السياسية مرده إلى ملاحظة تتمثل في ظاهرة التسييس الزائد للمجتمع بفعل التحولات السريعة التي تزيد من قوة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على الفرد والمجتمع، وهو يوضح أن الجزائر عرفت النكتة السياسية في عدة مراحل وشهدت أشكالاً تطورية وتحديداً بعد الاستقلال وهي مراحل سياسية وتاريخية، ويؤكد نايف النوايسة أن النكتة السياسية جنس أدبي يتعدى للشأن العام.
العلاج بالنكتة
يدعو الهدي النبوي إلى الابتسام والمزاح البريء والتودد للناس، وفي الحديث النبوي «تبسمك في وجه أخيك صدقة». وقال علي بن أبي طالب: «روحوا القلوب فإنها تمل كما تمل الأبدان». وقال أيضاً: «من كانت فيه دعابة فقد برأ من الكبر». ولقد تحدث الجاحظ عن فلسفة الضحك وأهميته في الارتقاء بالخلق وتطبيب النفوس وكذلك ابن الجوزي مؤلف (أخبار الحمقى والمغفلين) وكتاب (الأذكياء) والتوحيدي مؤلف (المقابسات) وغيرها، كما أن له نظريات عميقة في تفسير الضحك، وفي بداية القرن العشرين تم الاعتراف بعلم نفس الضحك فأشار فرويد إلى فوائده كما اهتم علماء الفسيولوجيا بميزاته العلاجية. فهو يعد قبل كل شيء تمريناً عضلياً وتقنية تنفسية ومنشطاً نفسياً مزيلاً للتسمم الجسدي والمعنوي لأنه يعالج الاكتئاب البسيط والمخاوف والقلق والتوتر العصبي ويحسن القدرة الجنسية فضلاً عن دوره في إرخاء العضلات وإبطاء إيقاع النبض القلبي وخفض التوتر الشرياني وتخفيف الأرق ويستخدمه العلماء كإستراتيجية علاجية اسمها (جيلو ثيرابي) ويرى أديب الأشقر أنها تقوم على استخدام تقنيات استرخاء ويوجا من خلال تعلم منعكسات تنفسية وتمارين خاصة وفي أوروبا يلجأ عدد من مستشفيات الأطفال لاستقدام مهرجين للترويح عنهم والمساعدة في نسيان الآلام والصمود في وجه المرض، ويرى عالم الأحياء كونراد لوزنز أن قدرة الإنسان على الاستجابة ككائن اجتماعي ترتكز قبل كل شيء إلى بيولوجيته، كما فسر فرويد النكتة على أساس أنها نوع من أنواع التعبير اللاشعوري وأن قوة النكتة تكمن في هدفها فيمكن اكتشاف الأفكار اللاشعورية لدى أي شخص من خلال تحليل ودراسة ما يضحكه. وترى الدكتورة نادية نصر أنه إذا نظرنا إلى أكثر النكت تداولاً في العالم العربي سنجد أنها النكت الجنسية والسياسية وهما من التابوهات التقليدية عامة. ويوضح الدكتور جمال الخطيب أن النكتة وسيلة دفاع متعارف عليها في علم النفس يكثر استخدامها عند الشعور بالكبت وتعمل على حماية الإنسان وتعكس فهمه للأحداث وهي شكل من أشكال التنفيس، ولقد انتهت دراسات عديدة إلى أن النكتة ترتبط بالشخصية الإبداعية وهي بمنزلة الميسر للعملية الإبداعية فالإبداع والنكت كلاهما يقوم على أساس الحيل والمرونة العقلية والطلاقة في التعبير والأفكار كما تحقق التواصل مع الناس والتفاعل بينهم بالسخرية من مخاوفهم وإزالتها وتعزيز التماسك الاجتماعي وتحديد أنماط السلوك المقبول وكيفية إصلاح القيم والأفكار والقرارات غير المناسبة وتعالج النكتة بعض سلبيات الحياة الاجتماعية فتقوي التعاون الاجتماعي وتنشط العقل والإبداع والخيال وتقاوم الاكتئاب والغضب والإحباط واليأس كما تنشط الجهاز العصبي وتزيد ضربات القلب وإفراز هرمون الأدرينالين الذي يعقبه الاسترخاء، وتعزز قوة جهاز المناعة الطبيعية وتتحرك عضلات الوجه والقلب الصدر والبطن والحلق والجهاز التنفسي.
السؤال الآن: ما مستقبل النكتة؟ هل ستفقد رواجها بعد انتهاء عهد بعض الطغاة ملهمي صناع النكت؟ ولاشك أن مخاوف مبدعي النكت أصبحت حقيقية في عهد أوباما بعد وفرة نكت دامت 8 سنوات طوال عهد بوش مع احتمالية أن تحاصرهم سنوات عجاف فعلى الأقل كان بوش لا يستطيع نطق كلمة (نووي) صحيحة ومع كل هذا ستظل النكتة تعبر عن أهم قضايا الإنسان كلما كان التلميح فيها قوياً وكلما كانت أكثر اقتراباً من متطلبات الحياة وتحقيق الذات كلما كانت أعمق تأثيراً وأبقى.
ذو صلة
التعليقات