مجلة شهرية - العدد (499)  | شعبان 1439 هـ- مايو 2018 م

الأفلام التسجيلية الفلسطينية: جدل البدايات والأسئلة

بدأت الرحلة الفلسطينية مع الأفلام التسجيلية منذ مطلع القرن العشرين.. البعض أعادها إلى إبراهيم حسن سرحان، كأول من قدم صناعة سينمائية بفيلمه (زيارة الملك سعود إلى فلسطين) عام 1935م، في حين أرخ البعض البدايات منذ العام 1926م، حينما قرر الأخوان إبراهيم وبدر لاما ذوا الأصل الفلسطيني الاتجاه إلى فلسطين عائدين من تشيلي لإنشاء صناعة سينمائية هناك، فأخذا معهما معدات سينمائية وتوجها إلى فلسطين في الباخرة، لكنهما لم يكملا رحلتهما بعد أن توقفت الباخرة في الإسكندرية، فقررا البقاء في مصر، وهنالك أسسا (نادي مينا فيلم) السينمائي، ثم شركة (كوندور فيلم) والتي أنتجت أول فيلم عربي (قبلة في الصحراء)، الذي عرض في مايو 1927 في سينما كوزموغراف. وقد أنتجت هذه الشركة 62 فيلماً طويلاً حتى العام 1951م.

في كتابه الصادر حديثاً (ملامح الأفلام التسجيلية الفلسطينية)، عن دار العين للنشر، في القاهرة، يتناول الباحث علاء الدين عياش (التسجيلية الفلسطينية) في أربعة فصول، جاء الأول مُشتملاً عن المنهجية التي تم تطبيق دراسة تحليل المضمون على أساسها، وذلك من خلال الموضوع وأهميته والدراسات السابقة ومشكلة الدراسة وأهداف الدراسة وتساؤلاتها ونوع الدراسة ومنهجها ونطاق الدراسة وعينتها الزمنية وأدوات جمع البيانات والمعالجة الإحصائية للبيانات، في حين تناول الفصل الثاني نشأة السينما التسجيلية الفلسطينية ومراحل تطورها، وملامح الأفلام التسجيلية الفلسطينية، كما تناول إنتاج هذه الأفلام وتمويلها، ومشاركتها في المهرجانات السينمائية المحلية والعربية والدولية، وأهم الجوائز التي حصلت عليها، ثم تناول هذا الفصل بالتفصيل بعض شركات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني الفلسطينية الخاصة، ومشكلات الإنتاج التسجيلي الفلسطيني.
أما الفصل الثالث فقد تطرق إلى عدد من النقاط، وتم نقد الكثير من الأفلام في كل نقطة من هذه النقاط، وتتضمن النقاط ما يأتي: تطورات القضية الفلسطينية، منذ بدايات وعد بلفور إلى نهاية العام 2008م، بما فيها فترة انتفاضة الأقصى (28/9/2000م) وما يتعلق بها، كما تناول قضية الجدار الفاصل ومعاناة الفلسطينيين منه، وقضية اللاجئين الفلسطينيين، والمعابر والحصار على قطاع غزة، والاجتياحات (الإسرائيلية) للمدن والمخيمات الفلسطينية، وقضية الاستيطان. كذلك مشكلة الحواجز (الإسرائيلية) التي يعاني منها الفلسطينيون في حياتهم اليومية، كما تناول هذا الفصل قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال (الإسرائيلي)، ومعاناتهم وحرمانهم، ثم تناول قضية داخلية مهمة أثرت بشكل سلبي على القضية الفلسطينية، وهي قضية الصراع الداخلي والفلتان الأمني والصراع على السلطة، خاصة بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، فيما سُمي حسماً أو انقلاباً أو سيطرة عسكرية، كما أن انتفاضة الأقصى هي الفترة التي تضم النطاق الزمني لعينة الدراسة التحليلية، وذلك في الجزء التطبيقي من الدراسة التي تتناول القضية الفلسطينية.
وتناول الفصل الرابع نتائج الدراسة التحليلية التي أجريت على عينة من الأفلام التسجيلية الفلسطينية التي تتناول القضية الفلسطينية، والتي أنتجت من 28/9/2000، أي منذ بداية انتفاضة الأقصى إلى نهاية عام 2007م. وقد أجريت الدراسة على العينة المتاحة من الأفلام التسجيلية الفلسطينية التي تتناول القضية الفلسطينية، والتي يكون مخرجوها من الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، إذ بلغت هذه العينة ستين فيلماً تسجيلياً فلسطينياً، ويتناول هذا الفصل جهات إنتاج الأفلام التسجيلية الفلسطينية، وجهات تمويلها، والقضايا التي تتناولها، وأهدافها، والشخصيات التي تتناولها، من حيث طبيعة الشخصيات، وجنسيتها، والمرحلة العمرية لها، ونوعها، وأهم الشخصيات التي تتناولها الأفلام.
أهمية الأفلام الفلسطينية
 أما عن رؤية المؤلف للأفلام التسجيلية (الوثائقية) الفلسطينية فإنها وصلت إلى درجة عالية من التقدم؛ إذ يكاد لا يخلو مهرجان سينمائي (محلي أو دولي أو عربي) من فيلم فلسطيني، وهذا دلالة على انتشار هذه الأفلام وأهميتها، كما ونلحظ ازدياداً ملحوظاً في عدد المخرجين الفلسطينيين، وخاصة من جيل الشباب، وازدياد عدد شركات الإنتاج الفلسطينية الخاصة، وظهور عدد من المؤسسات السينمائية الأهلية الفلسطينية وزيادة اهتمامها بالفيلم التسجيلي الفلسطيني، وتعاني الأفلام التسجيلية الفلسطينية من صعوبات كثيرة، من أهمها إجراءات الاحتلال في منع التصوير وصعوبة الوصول إلى أماكن التصوير؛ بسبب سياسة الحواجز وغيرها من الإجراءات الاحتلالية، كما تعاني هذه الأفلام من صعوبات الحصول على التمويل، وتحاول الأفلام التسجيلية الفلسطينية التعبير عن القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني بقدر استطاعتها، وهي تحقق مزيداً من التحسن في كمها وكيفها باستمرار، إلا أن القليل من المخرجين الفلسطينيين ينجحون في الحصول على التمويل الأجنبي لأفلامهم، وإذا نجح المخرج في ذلك مرة، فمن الصعب الحصول على تمويل آخر من الجهة الممولة سابقاً، هذا إلى جانب قلة الاهتمام الرسمي بتمويل مثل هذه الأفلام.
فيلم الملك سعود والحاج أمين الحسيني
وفي حديث المؤلف عياش لـ(المجلة العربية) حول البدايات، يقول: «يمكن اعتبار إبراهيم حسن سرحان أول فلسطيني حاول إنشاء صناعة سينمائية على أرض فلسطين، إذ هاجر من فلسطين إلى الأردن، ثم إلى لبنان، حيث انحدر إلى قاع الحال الاجتماعي والاقتصادي، فعاش في مخيم شاتيلا ببيروت (سمكرياً) في بيت متواضع؛ فهو الذي ذكر في مقابلة أجراها معه قاسم حوَل أنه تعلم السينما كهواية، وصنع بعض الأجهزة بنفسه، وأنه صور أول فيلم له في العام 1935م عن زيارة الملك سعود إلى فلسطين، والتي رافقه خلال رحلته الزعيم الديني والسياسي في فلسطين الحاج أمين الحسيني (مفتي فلسطين)، وذكر أيضاً أن مدة الفيلم كانت عشرين دقيقة، وعرض الفيلم في سينما أمبير، كما عرض في أحد المصايف أثناء موسم النبي روبين، ويدور الفيلم حول زيارة الملك عبدالعزيز آل سعود إلى فلسطين ، فكان الفيلم عن تنقل الملك بين اللد ويافا».
ويتابع عياش «يقول إبراهيم حسن سرحان إن فيلم (زيارة الملك سعود) صوره وعمل معه كمساعد جمال الأصفر، إلا أن السينمائي الفلسطيني أحمد حلمي الكيلاني يؤكد أن الذي حقق الفيلم جمال الأصفر، وليس إبراهيم سرحان، كما يقول إبراهيم إنه أنجز فيلماً بعنوان (أحلام تحققت)، وهو فيلم عن حرم القدس، كدعاية للأيتام، وكان طول الفيلم (45) دقيقة».
جدل الأسئلة وسؤال التمويل
وحول الأفلام الوثائقية الفلسطينية يقول السينمائي والباحث الفلسطيني بشار إبراهيم رداً على سؤال (المجلة العربية) حول النمطية التي غرقت بها الأعمال الفلسطينية، أنها ظهرت -أي النمطية– بل وسادت خلال عقد من الزمن من عمر تجربة السينما الفلسطينية، تلك المرحلة التي يميل إبراهيم لتسميتها (سينما الثورة الفلسطينية)، عندما كانت فصائل الثورة الفلسطينية، ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، تتولى إنتاج أفلام سينمائية، أرادت من خلالها التعبير الإعلامي البصري عن جوانب متعددة من القضية الفلسطينية، موضحاً: «كان من الطبيعي حينها أن تتسم تلك الأفلام بكونها أفلاماً دعائية، تحريضية، تعبوية.. وهو ما جعلها تتمركز بالحديث عن الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية، عن القتل الفظيع والدمار الجسيم، بغية اجتذاب اهتمام الرأي العام العالمي، والعمل على التأثير في هذا الرأي واكتسابه إلى جانب القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية أرض محتلة، وشعب مشرد، وظلم منقطع النظير».
ويتابع مؤلف كتاب (فلسطين في السينما العربية): «لأسباب عديدة، تبدأ بفعل التحولات التاريخية التي شهدتها القضية الفلسطينية، ولا تنتهي عند دعوات الكثير من المثقفين للتخلص من (العويل)، و(الندب)، والتعامل العاطفي مع القضية.. كان أن بدأ تيار (السينما الفلسطينية الجديدة)، تلك التي استطاعت بداية التعامل مع القضية الفلسطينية بمستوى فني أكثر رقياً، وقدرة على التأثير، وكذلك بعمق إنساني، يركز على عدم مشروعية الاحتلال، وحق الفلسطيني بأرضه ووطنه»، مؤكداً أن كثيراً من الأفلام الفلسطينية باتت «أكثر قدرة على تقديم القضية الفلسطينية، بأعماق فكرية، وأبعاد إنسانية، ومستويات فنية، جعلتها قادرة على تحقيق الحضور، ونيل الاحترام، في أوسع المحافل السينمائية العالمية مع سينمائيين فلسطينيين، من طراز المخرج ميشيل خليفي، ورشيد مشهراوي، وهاني أبو أسعد، ومحمود المساد، وإياد الداود. ومع سينمائيات فلسطينيات، من طراز المخرجة مي المصري، وآن ماري جاسر، ونجوى النجار. ومع قافلة من طرازهم، وطرازهن.. باتت السينما الفلسطينية أكثر قدرة على تقديم صورة الفلسطيني، باتجاهاته، وتنوعاته، مواقفه، وتجاربه، وأحلامه، وآماله».
وفيما يتعلق بجدل (التمويل الأجنبي) الذي يثير كثيراً من الأسئلة، فإنه يتساءل: «لماذا يختفي التمويل العربي، ويحضر التمويل الأجنبي؟!».. ولا تنتهي عند السؤال عن مدى التأثير الذي يتركه التمويل الأجنبي على المضمون الفيلمي!، موضحاً أن «التأثير قائم حتى لو لم يكن هذا الدور مطلوباً بشكل مباشر، من قبل صاحب المال الأجنبي. وثمة تأثير نفسي، قد يكون خفياً، أو لاواعياً، ينبت لدى السينمائي الباحث عن تمويل أجنبي، يتمثل في توفر رقيب أو موجه داخلي يدفع السينمائي إلى التركيز على تفاصيل معينة، تماماً في الوقت نفسه العمل على إقصاء تفاصيل أخرى». إذ أن السينمائي يدرك دون أدنى شك، أن «التمويل الأجنبي، ليس جمعية خيرية. إنه يهدف لتحقيق أهداف ما؛ قد تكون مادية، على اعتبار أن القضية الفلسطينية، موقع اهتمام، وبالتالي يمكن للأعمال التي تتناولها أن تجد إقبالاً ورواجاً، إن لم يكن في الصالات، فعلى الأقل في المهرجانات، وعلى شاشات التلفزة. وقد تكون الأهداف معنوية، من خلال الرغبة في تأكيد صورة معينة، أو تمرير أفكار أو رؤى محددة».
وحول (التاريخ الشفوي الفلسطيني) الذي بدأ بفرض نفسه، قال إبراهيم: «دائماً كانت الذاكرة الفلسطينية تمثل شكلاً من أشكال المقاومة، واستمرار وجود الشعب الفلسطيني، وتواصله، جيلاً إثر جيل.. والذاكرة الفلسطينية كانت المعول الذي يهدم المقولة الصهيونية: (الكبار يموتون، والصغار ينسون)، مشيراً إلى أن تيار الذاكرة في السينما الفلسطينية، كان قد بدأ حقيقة مع بداية السينما الفلسطينية الجديدة، عند مطالع الثمانينات، على الأقل مع فيلم (الذاكرة الخصبة) للمخرج ميشيل خليفي، عام 1980، ومن ثم مع تيار كامل من أفلام ذاكرة الإنسان، وذاكرة المكان، هذا التيار الذي غدا اليوم أساسياً في أفلام السينما الفلسطينية»، فالفلسطينيون يعرفون تماماً كما يعرف الصهاينة، أن الذاكرة هي حقل الصراع. فطالما أن هناك فلسطينياً لم ينس وطنه، ولا قريته، ولا قضيته، فإن الصراع لن ينتهي. ومن هنا كان الدور الكبير للسينما الفلسطينية، التي سجلت أفلامها بالصوت والصورة حقيقة الإنسان الفلسطيني، وعمق ارتباطه بالمكان الفلسطيني، والذاكرة الوطيدة، التي لا انفكاك لها، تربط بين الإنسان والمكان الفلسطينيين.
نقلة نوعية بعيداً عن الأيديولوجية
وفي حديثه عن الفيلم الفلسطيني يرى بشار حمدان مخرج فيلم (الحريق لا يزال مستمراً)، أن «العديد من الأفلام الوثائقية الفلسطينية التي قدمت رصدت معاناة الشعب ولكن تركيزها الأكبر كان عن معاناته تحت الاحتلال أو ما نتج عن هذا الاحتلال، بالإضافة إلى أنها كانت تواكب الأحداث المتعلقة بالقضية ولكن أحياناً كثيرة عزلته هذه الأفلام عن الظروف الطبيعية والمكونات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسلوكية المحيطة به ولم تغص عميقاً في قضاياه الخاصة، لذا قلما تجد أفلاماً تتحدث عن هموم هذا الإنسان الفلسطيني وأحلامه بل وأيضاً قلما تجد أفلاماً تنتقد سلوكيات فلسطينية معينة».
ويؤكد مخرج فيلم (هموم ساخرة) أن الكثير من الأفلام الفلسطينية تفتقر للنقد، مُرجعاً ذلك إلى «طبعية التعاطف مع هذه الأفلام كونها مرتبطة بقضية إنسانية حاضرة على الدوام في الوجدان.. بل وأحياناً تجد أفلاماً ذات مستوى فني ضعيف ولكن بسبب العاطفة الكبيرة فيها تحوز على إعجاب النقاد، وبعضها يفوز بجوائز ربما ليس فقط على المستوى العربي بل أيضاً على المستوى العالمي، وهذه مرتبط بطبيعة الموضوع الذي تطرق له الفيلم دون الالتفات إلى جوانبه الفنية».
وفيما يتعلق بمستقبل الأفلام الفلسطينية فهي –بحد تعبيره– «تشهد نقلة نوعية تجاه التعريف بالقضية بعيداً عن الخطاب الحزبي والأيديولوجي»، مؤكداً أن «هذا ليس جديداً عليها فمنذ الثمانينات قدمت العديد من الأفلام البعيدة عن البكاء والنحيب، وإن كان ذلك لا يعيبها حين تم صنع أفلام عن القضية الفلسطينية فيما مضى خصوصاً خلال فترة (الثورة الفلسطينية)، والأفلام الدعائية ليست مقتصرة علينا نحن وحدنا بل قدمت الكثير من الأفلام في مختلف أنحاء العالم خدمة لأيديولوجيات معينة، بل وحتى الطرف الآخر في الصراع، وأعني (إسرائيل) قدمت العديد من الأفلام المؤدلجة والمؤطرة والتي تقدم الإنسان اليهودي على أنه الضحية».
ويؤكد مخرج فيلم (المتسللون: سودانيون في إسرائيل)، أنه لا يعيب الإنتاج الفلسطيني تقديم أفلام يطغى عليها الحزن، ولكن تكرار نفس طريقة التناول لهذه الأفلام والإصرار على صبغها بالشعاراتية وإشباعها بالبكاء والنحيب والعويل والتركيز على البؤس والشقاء «جعل منها أفلاماً تبدو وكأنها تستجدي الآخرين بضرورة الالتفات حول القضية».
pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات

   احمد علي
   AHMAD-AA@YAHOO.COM
   فلسطين -رام الله
   الأربعاء 03/08/2011
أشكرك كاتب هذا الموضوع الجميل، كما اشكرك المؤلف الأخ علاء الدين عياش على اختياره موضوعاً غاية في الاهمية والصعوبة
   مصعب
   musab_rafat@hotmail.com
   فلسطين -رافات سلفيت
   الثلاثاء 02/08/2011
شكرااا يا علاء عياش على المعلومات القيمة التي لم نكن نعرفها في السابق
pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv