مجلة شهرية - العدد (499)  | شعبان 1439 هـ- مايو 2018 م

مدفع الإفطار: الصدفة خلف أعرق تقاليد رمضان

اعتاد الصائمون منذ مطلع الرسالة على أن يرتبط إفطارهم وإمساكهم في أيام شهر رمضان المبارك بأذاني المغرب والفجر، حيث يتعالى أذان المغرب كل يوم معلناً الإفطار وانتهاء يوم من أيام رمضان، ويتعالى أذان الفجر معلناً الإمساك عن الطعام والشراب، عملاً بقوله تعالى (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) – البقرة 187.

ومع اتساع رقعة المجتمع الإسلامي، بدأت تظهر وسائل مساعدة للأذان تنبه الصائمين في رمضان ببدء الإفطار، خاصة ممن يبتعدون عن المساجد ولا يسمعون صوت المؤذن، ففي عدد من الدول والجمهوريات الإسلامية التي خضعت للحكم الشيوعي ردحاً من الزمان مثل يوغسلافيا وروسيا وألبانيا كان إفطار المسلمين في رمضان يتم على دقات الطبول، بعد أن منع الأذان في المساجد.
ورغم كثرة مساجد القاهرة ومآذنها، فقد عرفت هذه المدينة التاريخية مدفع الإفطار في العصر المملوكي عام 859هـ – 1439م، وكانت أول مدينة إسلامية تستخدم هذه الوسيلة عند الغروب إيذاناً بالإفطار في رمضان.
ولظهور هذا المدفع في القاهرة قصة طريفة، حيث جاء ظهوره بمحض الصدفة، ففي أول يوم من أيام رمضان عام 859هـ، تلقى والي مصر في هذه الفترة الوالي المملوكي  (خوش قدم) مدفعاً هدية من صاحب مصنع ألماني فأمر بتجربته، وتصادف ذلك الوقت مع غروب الشمس، فظن سكان القاهرة أن ذلك إيذاناً لهم بالإفطار، وفي اليوم التالي توجه مشايخ الحارات والطوائف إلي بيت الوالي لشكره على هديته لسكان القاهرة, فلما عرف الوالي الحكاية أعجب بذلك أيما إعجاب، وأمر بإطلاق المدفع عند غروب الشمس في كل يوم من أيام رمضان، واستمر هذا الأمر إلى عصرنا هذا.
الحاجة فاطمة
ويحمل مدفع الإفطار بالقاهرة اسم (الحاجة فاطمة)، وسبب تسميته بهذا الاسم يرجع إلى زوجة الوالي (خوش قدم)، حيث يروى أنه عندما ذهب العلماء والأعيان لمقابلة السلطان لطلب استمرار عمل المدفع في رمضان، لم يجدوه، والتقوا زوجته التي كانت تدعى (الحاجة فاطمة) والتي نقلت طلبهم للسلطان، فوافق عليه، فأطلق بعض الأهالي اسم (الحاجة فاطمة) على المدفع، واستمر هذا حتى اليوم، إذ يلقبه الجنود القائمون على تجهيزه وإطلاقه حاليًا بنفس الاسم. وهناك رواية تاريخية أخرى ترجع هذا الاسم إلي ابنة الخديوي إسماعيل حاكم مصر والتي سميت بالحاجة فاطمة نسبة لها. وأن المدفع لم يسم بهذا الاسم إلا في عهد الخديوي إسماعيل.
رواية أخرى
وهناك رواية أخرى مشهورة عن ظهوره تقول إن والي مصر (محمد علي الكبير) كان قد اشترى عددًا كبيرًا من المدافع الحربية الحديثة في إطار خطته لبناء جيش مصري قوي، وفي يوم من الأيام الرمضانية كانت تجري الاستعدادات لإطلاق أحد هذه المدافع كنوع من التجربة، فانطلق صوت المدفع مدويًّا في نفس لحظة غروب الشمس وأذان المغرب، من فوق القلعة الكائنة حاليًا في نفس مكانها في حي مصر القديمة جنوب القاهرة، فتصور الصائمون أن هذا تقليد جديد، واعتادوا عليه، وسألوا الحاكم أن يستمر هذا التقليد خلال شهر رمضان في وقت الإفطار والسحور، فوافق، وتحول إطلاق المدفع بالذخيرة الحية مرتين يوميًّا إلى ظاهرة رمضانية مرتبطة بالمصريين كل عام.
الذخيرة الحية
وقد استمر المدفع يعمل بالذخيرة الحية حتى عام 1859م، ولكن امتداد العمران حول مكان المدفع قرب القلعة، وظهور جيل جديد من المدافع التي تعمل بالذخيرة (الفشنك) غير الحقيقية، أدى إلى الاستغناء عن الذخيرة الحية. كما كانت هناك شكاوى من تأثير الذخيرة الحية على مباني القلعة الشهيرة، ولذلك تم نقل المدفع من القلعة إلى نقطة الإطفاء في منطقة الدرَّاسة القريبة من الأزهر الشريف، ثم نُقل مرة ثالثة إلى منطقة مدينة البعوث قرب جامعة الأزهر.
ستة مدافع
وقد كان في القاهرة حتى وقت قريب ستة مدافع موزعة على أربعة مواقع: اثنين في القلعة، واثنين في العباسية، وواحد في مصر الجديدة، وآخر في حلوان، وكانت تطلق مرة واحدة من أماكن مختلفة بالقاهرة، حتى يسمعها كل سكانها.
ولعمل المدفع تقليد سنوي متبع، ففي اللحظات الأولي التي تعلن فيها دار الإفتاء المصرية عن شهر رمضان، تنتقل المدافع في سيارات المطافي لتأخذ أماكنها المعروفة، في موكب مهيب من دار الدفاع الجوي إلي قلعة صلاح الدين، ويظل طوال الشهر الكريم محل اهتمام الجميع ينتظرونه وقت الإفطار والسحور.
ولم تكن هذه المدافع تخرج من مكانها إلا في خمس مناسبات، هي: رمضان والمولد النبوي وعيد الأضحى ورأس السنة الهجرية وعيد الثورة، وكان خروجها في هذه المناسبات يتم في احتفال كبير، حيث تحمل على سيارات تشدها الخيول، وكان يراعى دائماً أن يكون هناك مدفعان في كل من القلعة والعباسية خوفاً من تعطل أحدهما.
مدفع إذاعي
وقد تغيّر نوع المدفع الذي كان يطلق قذيفة الإعلان عن موعد الإفطار أو الإمساك عدة مرات،  فقد كان المدفع الأول إنجليزيًّا، ثم تحول إلى ألماني ماركة كروب، لكن أدى اتساع وكبر حجم العمران وكثرة السكان وظهور الإذاعة والتليفزيون إلى الاستغناء تدريجيًّا عن مدافع القاهرة، والاكتفاء بمدفع واحد يتم سماع طلقاته من الإذاعة أو التليفزيون، ويسبق الطلقات عبارات: ( مدفع الإفطار.. اضرب)! (مدفع الإمساك.. اضرب)!.. ومع هذه الكلمات التي يسمعها المصريون بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر في كل يوم من أيام شهر رمضان يتناولون إفطارهم، ويمسكون عن تناول السحور.
إهمال المدفع
وقد أدى توقف المدفع في بعض الأعوام عن الإطلاق بسبب الحروب، وخاصة فترات الحروب العالمية، إلى إهمال عمل المدفع حتى عام 1983م، عندما صدر قرار من وزير الداخلية المصري  بإعادة إطلاق المدفع مرة أخرى، ومن فوق قلعة صلاح الدين الأثرية جنوب القاهرة، ولكن استمرار شكوى الأثريين من تدهور حال القلعة وتأثر أحجارها بسبب صوت المدفع  أدى لنقله من مكانه، خصوصًا أن المنطقة بها عدة آثار إسلامية مهمة.
ويستقر المدفع اليوم  فوق هضبة المقطم، وهي منطقة قريبة من القلعة، وتصبت مدافع أخرى في أماكن مختلفة من المحافظات المصرية، ويقوم على خدمة المدفع أربعة من رجال الأمن الذين يُعِدُّون البارود كل يوم مرتين لإطلاق المدفع لحظة الإفطار ولحظة الإمساك.
pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات