مجلة شهرية - العدد (499)  | شعبان 1439 هـ- مايو 2018 م

حسن المشاري

لا يمكن للباحث في التاريخ الإداري والاقتصادي في المملكة العربية السعودية، خصوصاً ما شهدته السعودية في مطلع الستينات الميلادية من برنامج للتحول الاقتصادي والإداري، إلا أن يقف على سيرة الشيخ حسن المشاري، الذي كان أحد الكفايات السعودية التي أدارت مشروع الإصلاح الاقتصادي والإداري بكل كفاية واقتدار، من خلال موقعه وكيلاً لوزارة المالية والاقتصاد الوطني، وموقعه في معهد الإدارة العامة نائباً للرئيس، وعضويته في لجان الإصلاح الإداري، ثم موقعه وزيراً للزراعة والمياه لمدة أحد عشر عاماً.

الملك فيصل بن عبدالعزيز يفتتح أحد المشاريع الزراعية وعلى يساره حسن المشاري
النشأة والتعليم
يُدين حسن المشاري الحسين لوالده بالكثير من العرفان كونه سمح له بالدخول إلى المدرسة الابتدائية الوحيدة آنذاك في هفوف الأحساء، وهي المدرسة الأميرية، التي زامل فيها ناصر بوحيمد وعادل القصيبي وعبدالمحسن المنقور ويوسف الطويل وفهد الخيال، وغيرهم. وبعد سنوات من الجد والمثابرة يُمضي الشيخ محمد طاهر الدباغ، مدير المعارف العامة، توقيعه على شهادة حسن المشاري، الذي تخرج في المدرسة الأميرية عام 1363هـ، حاصلاً على المركز الأول على مستوى المملكة، من بين 285 طالباً، هم طلاب شهادة إتمام الدراسة الابتدائية.
وكان حسن المشاري قد ولِد في الهفوف من عائلة أحسائية شهيرة وعريقة، هي أسرة الحسين، التي تمتد جذورها إلى الدرعية، وتحديداً إلى مُلكهم المعروف بـ“سهلة”، وهي أسرة تلتقي نسباً بآل سعود في الجد إبراهيم المريدي، وكان نزوحها إلى الأحساء نتيجة لما عُرف بـ“سقوط الدرعية” بعد الاجتياح التركي لها وهدم مساكنها وقطع مزارعها في عام 1233هـ، وما تلا ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية على سكانها، الذين اضطر أغلبهم للهجرة، بحثاً عن الرزق والأمان.
لم يكتف حسن المشاري، وهو المتفوّق دراسياً، بما تلقاه في المدرسة الأميرية، بل حزم أمره وعزم على مواصلة دراسته، فتوجّه إلى مكة المكرمة، والتحق في مدرسة تحضير البعثات، وحصل على شهادته المتوسطة في عام 1365هـ، وكان ترتيبه السابع مكرر، من بين 37 طالباً. وفي عام 1368هـ، حصل على الشهادة الثانوية التي تؤهله للدراسة في الخارج، وكان من زملائه في الدراسة في مكة المكرمة: إبراهيم العنقري وعبدالعزيز الخويطر وناصر المنقور، وعبدالوهاب عبدالواسع وعبدالرحمن آل الشيخ وعمر فقيه وأحمد زكي يماني ومحمد الفريح، وغيرهم.

الملك سلمان بن عبدالعزيز ويبدو حسن المشاري إلى يمينه


في القاهرة
ومن مكة المكرمة إلى القاهرة، حيث التحق بجامعتها “جامعة فؤاد”، في كلية التجارة، وتخرج فيها عام 1953م، متخصصاً في المحاسبة، وعاد إلى وطنه ليساهم في خدمته، بدءاً من أول وظيفة عمل بها، وكانت في شركة أرامكو مستشاراً في إدارة العلاقات الصناعية، لمدة سنتين ونصف تقريباً، ومن ثمّ قرر أن يطور من لغته الإنجليزية، فأخذ إجازة مفتوحة، وسافر إلى بريطانيا لدراسة اللغة الإنجليزية ومواصلة دراسته في الماجستير، لكنه بعد فترة يضطر لمغادرة بريطانيا والتوجه إلى أمريكا، وذلك بسبب نشوب حرب السويس عام 1956م، وتحويل الطلبة المبتعثين في بريطانيا إلى أمريكا، فانخرط في جامعة جنوب كالفورنيا، وحصل منها على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال الصناعية، وكان موضوع رسالته: “تحليل مفاوضات عقود الزيت بين المملكة العربية السعودية والشركات الأجنبية”.


العمل الإداري
بعد حصوله على شهادة الماجستير، عاد حسن المشاري إلى وطنه، وتعيّن مديراً عاماً لشركة أسمنت اليمامة بالرياض فترةً من الزمن لم تدم طويلاً، عرف من خلالها، وعن قُرب، طبيعة العمل في القطاع الخاص، ويبدو أنه كان ينوي الاستمرار بالعمل في القطاع الخاص، لكن نظراً لحاجة القطاع الحكومي إلى الشباب المؤهلين لإدارة التحول الاقتصادي والإداري، الذي انطلق في عام 1960م (1380هـ) حينما استعانت الحكومة بالبنك الدولي للإنشاء والتعمير لدراسة الوضع الإداري والمالي في القطاعات المختلفة للحكومة، وما تلا ذلك من توصيات مهمة وضرورية؛ تمت الاستعانة بخدمات وقدرات حسن المشاري، الذي صدر الأمر بتعيينه وكيلاً لوزارة المالية والاقتصاد الوطني للشؤون المالية، وذلك في تاريخ 29/7/ 1380هـ (1960م) براتب قدره خمسة آلاف ريال، ليبدأ من هذا المنصب الرفيع بدوره الوطني الرائد، مع كوكبة من السعوديين المؤهلين، بتنظيم وإدارة الجهاز الإداري والمالي في المملكة، وقد عمل وكيلاً للوزارة مع الأمير طلال بن عبدالعزيز فترة قصيرة، ثم مع الأمير نواف بن عبدالعزيز، وأخيراً مع الأمير مساعد بن عبدالرحمن، الذي يُعد بحق رائد وقائد المجموعة الإدارية التي أدارت مشروع التحول الوطني في تلك الفترة.
كان من ضمن التوصيات التي قُدّمت إلى الحكومة من قبل بيوت الخبرة الإدارية آنذاك، توصية بإنشاء معهد للإدارة العامة، فتمَّ ذلك في عام 1380هـ، وانضم حسن المشاري إلى عضوية مجلس إدارة المعهد بصفته وكيلاً لوزارة المالية والاقتصاد الوطني، وكان المجلس يرأسه وزير المالية والاقتصاد الوطني ونائبه حسن المشاري ووكيل وزارة المعارف ومدير عام ديوان الموظفين ومدير عام معهد الإدارة محمد أبا الخيل. وقد لعب حسن المشاري مع زميله محمد أبا الخيل دوراً مهماً في بناء المعهد وتمكينه من تحقيق أهدافه، حينما تقدما إلى مؤسسة فورد من أجل تزويد المعهد بمستشار إداري متفرغ، وذلك في عام 1381هـ ( 1961م)، حيث بعثت المؤسسة الكولونيل شاه، رئيس الخدمة المدنية في باكستان. كما كان لحسن المشاري دوره حينما قامت وزارة المالية والاقتصاد الوطني حينذاك بالتعاقد مع مؤسسة فورة الأمريكية لإعادة تنظيم الجهاز الإداري في المملكة، وذلك في عام 1383هـ (1963م)، حيث صدر لاحقاً أمر ملكي بتشكيل اللجنة العليا للإصلاح الإداري، التي تولّت تنظيم الأجهزة الحكومية، وكان لحسن المشاري دوره مع هذه اللجنة، سواء من خلال عمله وكيلاً لوزارة المالية أو من خلال عمله اللاحق وزيراً للزراعة. وخلال عمله وكيلاً لوزارة المالية استعانت جامعة الملك سعود به للعمل محاضراً في كلية التجارة، إلى جانب زملائه من أمثال: أحمد صلاح جمجوم وأحمد زكي يماني.
في مطلع عام 1384هـ، استدعى الأمير مساعد بن عبدالرحمن، وزير المالية والاقتصاد الوطني وكيله وأبلغه بأن قراراً سيصدر ينتقل بموجبه حسن المشاري إلى عمل آخر خارج وزارة المالية والاقتصاد الوطني، ولم يُفصح الأمير عن المنصب الجديد الذي سينتقل إليه الوكيل المشاري، لكنه طلب منه أن يُرشح من يراه مناسباً للعمل مكانه وكيلاً للوزارة. وفي ليلة الحادي عشر من شهر صفر 1384هـ، تلقى حسن المشاري برقية عاجلة من صالح العباد، رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء، كان مضمونها فقط عبارة: “مبروك”، ولم يطل الانتظار، حيث صدر في صباح الغد أمر ملكي موقع من الملك فيصل بن عبدالعزيز بتعيين حسن المشاري وزيراً للزراعة، فانتقل بذلك إلى موقع آخر، وودّع زملاءه في وزارة المالية والاقتصاد الوطني، وخلفه في المنصب زميله وصديقه محمد بن علي أبا الخيل.

حسن المشاري في أحد المعارض الدولية مع الرئيس الأمريكي جونسون


إلى الوزارة
في وزارة الزراعة والمياه، عمل حسن المشاري على إرساء دعائم النهضة الزراعية التي شهدتها المملكة في شتى مجالات الإنتاج الزراعي والنباتي والحيواني وفي مجال المياه، الجوفية والمحلاّة، وهذه الدعائم هي بداية الانطلاق نحو برامج تنموية زراعية. وقد وصفه المؤرخ الدكتور منير العجلاني في عام 1386هـ، بأنه شاب ذكي ونشيط، وأدار حواراً مطولاً معه عن مشاريع الوزارة التي نفذتها، والتي هي تحت التنفيذ، وهو حوار موثق في كتابه: “تاريخ مملكة في سيرة زعيم: فيصل”.
شهدت وزارة الزراعة والمياه في تلك الفترة، وبإشراف من وزيرها، إعادة تنظيم جهازها الإداري والمالي، فتم تسمية الوزارة لتكون “وزارة الزراعة والمياه” حيث أُضيفت إليها مهام قطاع المياه، وتم تقسيم الوزارة إلى ثلاثة قطاعات، هي: قطاع الزراعة، وقطاع المياه، والقطاع الإداري. وعكف حسن المشاري في مكتبه طويلاً مع خبرائه من أجل استكمال الدراسات الخاصة بمصادر المياه، وتم الاستعانة بخبراء من منظمة الأغذية والزراعة الدولية للمساهمة في تصميم وتنفيذ البرامج المطلوبة، حيث تم تقسيم أراضي المملكة إلى عدة أقسام على أُسس علمية، وتم إعداد مشروع خريطة عامة للتربة في المملكة. وحققت الوزارة مشاريع كبرى في مختلف أنشطتها، من بينها: مشروع الفيصل للتوطين، ومشروع الري والصرف بالأحساء، وإنشاء مركز الأبحاث، واعتماد نظام الأراضي البور، وإنشاء محطة تنقية المياه بمدينة الرياض. ومن جانب آخر أولت الوزارة اهتمامها في مشروع سدود الأودية، وتم إنشاء العديد من السدود، من بينها سد وادي جازان، وسد وادي أبها. وفي أرشيفه الخاص توجد العشرات من الصور لحسن المشاري وهو يتجول في قرى ومدن المملكة، متفقداً سدود المياه فيها، متحاوراً مع سكانها عن مشاكلهم الزراعية، مناقشاً لهم عن أبرز السُبل لمواجهة تلك المشكلات. وقد عمل معه في وزارة الزراعة والمياه عدد من الكفايات المؤهلة إدارياً، من بينهم: محمد بادكوك، الذي عمل وكيلاً للوزارة لشؤون المياه، خلفه محمد بن زرعة، في المنصب عام 1386هـ، وحسن حسين شطا، الذي عمل وكيلاً للشؤون الزراعية، ثم طاهر أحمد عبيد، الذي أصبح وكيلاً للوزارة بعد دمج وكالتيها، والأمير محمد الفيصل، الذي عمل وكيلاً للوزارة لشؤون المياه المحلاّة، وغيرهم.
كان حسن المشاري من المستشارين الخاصين للملك فيصل، يستشيره ويثق برأيه وكان يصحبه في كل مؤتمراته الداخلية والخارجية.
وفي عام 1394هـ، صدر أمر ملكي بإنشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، ويُعد حسن المشاري- بصفته وزيراً للزراعة والمياه- أول رئيس لمجلس إدارة المؤسسة، الذي كان يضمُ آنذاك في عضويته: الأمير محمد الفيصل، محافظ المؤسسة، والأمير سعود الفيصل، وكيل وزارة البترول والثروة المعدنية، وعبدالله السديري، وكيل وزارة الداخلية لشؤون البلديات، وفايز بدر، وكيل مصلحة الإحصاء، ومحمود طيبة، وكيل وزارة التجارة، ومحمد الصقير، وكيل وزارة المالية.
إن الحديث عن الدور الذي لعبه حسن المشاري في إدارة العملية التنموية الإدارية والزراعية يحتاج إلى اطلاع واسع على تجربته التي امتدت لأكثر من خمسة عشر عاماً، من بينها إحدى عشرة سنة وزيراً، وهذا يحتاج إلى صفحات مطولات لن يستوعبها إلا كتاب يحفظ للأجيال دوره الوطني الكبير والرائد، وما كان القصدُ هنا إلا إلقاء شيء من الضوء على تلك الجهود، المقدرة والمشكورة.
لقد تعيّن حسن المشاري وزيراً للزراعة والمياه وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، وكان وقتها عازباً، وبعد تعيينه وزيراً قرر الزواج من السيدة الجوهرة بنت عبداللطيف العيسى، ابنة رجل الأعمال المشهور عبداللطيف العيسى، وكان زواجهما في بيروت، وتحديداً في الفندق الشهير “البريستول”،، وذلك في عام 1965م، وفي الليلة نفسها كان زواج عديله الدكتور فهد البنيان من سارة العيسى، وكان زواجهما مشهوداً، حضره عدد من الأمراء والوزراء ورجال الأعمال وسيدات سعوديات، من بينهم: الأمير مشعل بن عبدالعزيز والأمير ماجد بن عبدالعزيز والأمير سطام بن عبدالعزيز، وسليمان العليان وناصر المنقور ومحمد أبا الخيل وعبدالعزيز القريشي ومحمد الفريح وغيرهم.

الأمير ماجد وناصر المنقور ومحمد الفريح في حفل زواج المشاري


في القطاع الخاص
في عام 1395هـ، انتقل الملك فيصل بن عبدالعزيز إلى رحمة الله تعالى، وتم تشكيل حكومة جديدة، عُرفت لاحقاً بـ“حكومة الدكاترة”، التي ضمّت على سبيل المثال: غازي القصيبي وسليمان السليم ومحمد أبا الخيل، وعبدالرحمن بن عبدالعزيز آل الشيخ، الذي تعيَّن وزيراً للزراعة والمياه خلفاً للوزير حسن المشاري، الذي آثر الخروج نهائياً من العمل الحكومي والتفرغ للعمل في القطاع الخاص.
في 28 رجب 1395هـ، صدر مرسوم ملكي بتأسيس “الشركة السعودية للفنادق والمناطق السياحية”، وتم تعيين حسن المشاري رئيساً لمجلس الإدارة، وقد عمل فيها رئيساً لمدة خمسة أعوام. كما صدر أمر في عام 1397هـ، بتأسيس البنك السعودي الفرنسي، شركة مساهمة سعودية، وكان حسن المشاري هو أول رئيس لمجلس إدارة البنك.
وخلال رحلته في العمل الإداري، نال حسن المشاري وشاح الملك عبدالعزيز في عام 1393هـ، كما نال وسام الخلاص الأفريقي من رئيس جمهورية ليبيريا في عام 1394هـ، ووسام رتبة قائد الأسد من رئيس جمهورية فنلندا، وذلك في عام 1407هـ.
وكانت له مساهمته الخيرية والاجتماعية، فقد ساهم في تأسيس مدارس أهلية للبنات، وعمل عضواً في مجلس إدارة نادي الفروسية، وهو يُقيم الآن في منزله بحي الربوة بمدينة الرياض، متعه الله بالصحة والعافية.
تستهويه القراءة والكتابة، وله مقالات في فترة مبكرة، أما القراءة فقد رافقته طويلاً، في حضره وسفره، وهو القائل حينما سُئل عن أصدقائه بعد مغادرته المنصب أين هم، فقال: (أما أصدقاء المنصب فقد ذهبوا مع المنصب)!

ذو صلة