مجلة شهرية - العدد (505)  | صفر 1440 هـ- نوفمبر 2018 م

أحمد خالد البدلي

أحمد خالد البدلي

ذكريات ليالي السطوح

عبدالرحمن فيصل المعمر: الطائف

 

في لقاء مع الأستاذ الأديب محمد عبدالله السيف رئيس تحرير المجلة العربية بمقر المجلة بحي الملز بالرياض؛ ذكر أنهم بصدد التحضير لإقامة ملتقى ثقافي يذكّر الناس والأجيال بدور بعض الرواد، وعدد من أساتذة الجامعات، ويلقي الأضواء على شطر من حياتهم وما قدموا. ورغب أن أشارك بالحديث عن الراحل العزيز الأستاذ الدكتور أحمد خالد البدلي؛ فصادف هوىً في النفس، وشيئاً في الخاطر، وجعلت العنوان كما ترون .

لقد سبقني إلى مثل هذه العناوين عدد من كرام الكاتبين، ففي تونس كتبوا عن (جماعة تحت السور)، وهم رهط غير مفسد من الأدباء يتقدمهم البشير خرية، وفي مكة المكرمة أرّخوا (لجماعة المركاز في قهوة المسفلة)، ومن أبرز روادها حمزة شحاتة وأحمد قنديل.. وغيرهما، وفي مصر والعراق والشام كان لكل جماعة متجانسة مقهى أو مقر يلتقون فيه، يتواعدون ويتوافدون إذا فرغوا، ومن يراجع مذكرات بعض الأدباء وذكرياتهم يلحظ ذلك. 

أعود إلى الدكتور أحمد رحمه الله؛ فقد تعرفت عليه منذ هبط الرياض كالشعاع السني، دون أن تكون معه عصا الساحر وقلب النبي؛ أقول عرفته أو تعرفت عليه وسعدت بالسعي إليه، كان يسكن وطائفة من الحجازيين في محلة جنوب الرياض تسمى (حلة العبيد) قريبة من مطاعم الأكلات الشعبية الحجازية التي وفدت إلى نجد وعرفت بها وتفنن سكانها في إتقانها، ولأني منذ يفاعتي بالطائف أميل إلى تلك الأكلات يوم كان الناس في نجد يعيرون ويسخرون ممن يأكلها ويهجون من يقدمها كرامة للقادم وقياماً بالواجب :

ديرة هلها يبيعون القهاوي  

          والعدس والفول فيها يجلبونه؟         

كان الشيخ أحمد عبدالغفور عطار الأديب الكبير ومؤسس جريدة عكاظ كلما أزمع الحضور للرياض يتصل به ليعلمه، وأحياناً يهاتفه من مكة قبل أن يقوم من مقامه، فنتبادل البشرى بحضور الشيخ، ويتحول الفندق الذي يحل فيه وينزل إلى منتدى وجلسات لا تنسى، تتخللها مناقشات ومقابسات، حتى إذا قرب مساء الخميس توجهنا جميعاً إلى مجلس الشيخ عبدالعزيز الرفاعي، وحسبك ذلك المجلس وما يدور فيه من رفيع القول وجميل النثر وروائع الشعر، يتخلل ذلك تناول ما لذ وطاب من سائغ وشراب، وهكذا تجري الحياة مع أولئك الرجال والعلماء الأخيار:

ذم المنازل بعد منزلة اللوى

          والعيش بعد أولئك الأعلام        

 

ماذا أقول وما أدع وأنا أتحدث عن أحد أصدقاء العمر الأوفياء الذين وقفوا معي وآزروني وشاركوني بدايات عملي مسؤولاً في الصحافة، يوم تسلمت رئاسة تحرير صحيفة الجزيرة قبل نحو خمسين عاماً (لا سنة)، كانت أسبوعية تصدر كل ثلاثاء، وكان البدلي يشرف على الملحق الثقافي الأدبي فيها. يومها خرج على الناس بترجماتٍ للأدب الفارسي الرفيع المستوى، لا عهد لهم بها، بل إن بعضهم حاول أن يشوه القصد من نشرها وأخذ يدس عليه ويكيد له.

لكن أحمد البدلي واصل بشجاعة وتصدى بإصرار، غير مبالٍ ولا مكترث بالتهم والتهكم والإرجاف والأراجيف، واستمر ينشر عبرها وعبيرها، مبشراً بفجر للآداب قادم وضحى للأخلاق مقبل وظهر للفكر يتقدم.

كنا نسهر جميعاً في ليالي الصيف فوق سطوح مؤسسة الجزيرة للصحافة بالمقر القديم في شارع الناصرية، ومعنا ثلة من الزملاء والأصدقاء، أتذكر منهم الآن الأخوان: خالد المالك وسليمان العيسى رحمه الله وصالح رشيد العوين.. وغيرهم، كان العطار والبدلي يضفيان على الجلسة من ظرفهما وتعليقاتهما وقفشاتهما ما يذود عن أرواحنا ملل العمل وينسينا رهق الحياة وصيف الرياض وجحود بعض الجهود.

تدرج الدكتور البدلي في السلم الوظيفي والأكاديمي حتى وصل إلى درجة الأستاذية، وعهد إليه بأعمال إدارية مثل عمادة معهد اللغة العربية ووكالة كلية الآداب.. وغيرها، كان يتقن كل عمل يسند إليه يديره بكل إخلاص واقتدار.

 

ما لي ذهبت بعيداً؛ أعود إلى بعض صفاته الشخصية ومزاياه اللدنية: هو أستاذ جامعي موسوعي وموضوعي. أكتب وأنا لا أنكر انحيازي إليه وتعويلي عليه، كانت الصراحة والجرأة والوضوح من أظهر مزاياه، والبعد عن الغمغمة والالتواء في الآراء صفة ملازمة له، حتى انطبق عليه القول الآتي: (استقام في حياته فأخفق، وتمايل غيره فحقق).

كان رحمه الله يطرب للنكتة يلقيها ويرويها ويضيف إليها ويزيد في حواشيها، وهكذا الإنسان الطبعي السوي، كان لا يجيد لعبة البلوت التي فتن بها الناس وشغلت الأوساط الاجتماعية على مختلف الطبقات. فكان إذا حضر مناسبة اتخذ له ركناً ومتكأً، فينضم إليه القليل ثم يتكاثر من حوله فينجذب لهم البقية لحسن حديثه وطرافة ذكرياته وسرعة قفشاته التي تنتزع الضحك والإعجاب. كان يحدثنا في جلسات فندق اليمامة عن حنينه لأول منزل وتذكره لمكة ونشأته فيها وسلوكه لأحيائها وحواريها، وأحياناً يطلب منه الأستاذ العطار أن يترجم بعض مقطوعات الأدب الفارسي وبخاصة رباعيات عمر الخيام والفرق بين ترجمات الصافي النجفي وعبدالحق فاضل وأحمد رامي، وقد نشر في صحيفة الجزيرة يوم كان يشرف على الملحق الأدبي شيئاً من ذلك، كما نشر في مجلة المنهل ترجمات منجمة عن تاريخ الدولة الغاجارية - ليتها تجمع وتطبع. ويوم تقاعد وتفرغ من أعباء العمل رغبة في الإخلاد إلى الراحة والانصراف لأموره الخاصة؛ كان يغشى جلسة لبعض الأصدقاء يديرها عامل المعرفة أحمد العرفج -قبل أن يتدكتر- في فندق المنصور بطريق المطار القديم؛ لأنها (أقرب الجلسات إلى منزله بالملز)، كان إذا حضر يضفي عليها شيئاً من السرور والحبور والأفاكيه. كان يحدثني أحياناً عما أصاب مجتمعنا أخيراً من خلل في الأخلاق والسلوك حتى لم تسلم الأوساط العلمية العليا مع الأسف، فقلت له إن هذا داء في العرب والمسلمين قديم، ألم تسمع (بالنميمة الخافتة والعداوة الصامتة)، فهتف: الله عليك جبتها يا (أبو عوف)، ولما ألقيت محاضرة المضيفات والممرضات في الشعر المعاصر وطبعتها عام 1976م أرسلت له نسخة منها، كان يومها وكيلاً لكلية الآداب بجامعة الملك سعود؛ فبادر وكتب في مجلة اليمامة تحت عنوان: (أدب الظرافة)، قائلاً: (كنت في قلق وتشويش واضطراب نفسي رهيب عندما وصلتني هذه التحفة المعمرية من الطائف، فكان لها وقع فعل السحر في نفسي، أرأيت الصادي وقد انفجر الماء تحت قدميه؟ أعرفت فرحة الغريب بالأوبة إلى الديار والأحباب؟ ذلك الشعور الذي أحاط بي وغمرني وأنا أتناول هذه التحفة المعمرية، فشكراً للصديق العزيز على هذه اليد البيضاء التي مدها لي في غياهب القلق والاضطراب الذي كان يعتريني.

 

ماذا؟ (المضيفات والممرضات في الشعر المعاصر) يا له من عنوان راقص وإيقاع متناسق، لقد بعد بي الزمان عن قراءة مثل هذا الباب من الأدب الضاحك الجاد في وقت واحد، وبخاصة من قلم سعودي حتى كدت أردد مع المرددين وأنوح مع النائحين: سلامٌ على الأدب والأدباء في بلادي، ولولا ما ينفحنا به بين الحين والحين الأديب الشيخ أحمد قنديل في قناديله التي ظلت تذود الظلام عن حياتنا الوجدانية في عالم الشعر بالذات؛ لشككت أن تكون هذه الجزيرة هي موطن الشعر في يوم من الأيام. لكن النادي الأدبي في الطائف أعاد إلينا الثقة في أنفسنا عندما أعاد إلى أدبنا الروح والحياة، وبعث بعثاً جديداً بهذا الغيظ المتوالي من مطبوعاته، فمنذ حين قرأت طائفة طيبة منها، وها أنا اللحظة يحمل إلي البريد هذه المحاضرة الماتعة الجديدة الطريفة في بابها، الحلوة الهنية في طريقة تناول الكاتب لها، وإن من البيان لسحرا. والظرف والظرافة سجيتان تنبعان بصفاء وصدق من نفس أخي عبدالرحمن المعمر، كما ينبجس الماء من النبع الصافي، فلو قدر لي أن أكتب عن الظرف والظرافة في بلادي لما ترددت بوضع المعمر واحداً من رواد الظرف في المملكة. أقول هذا وقد أمضيت مع المعمر شطراً من العمر ليس باليسير، فقد عرفته منذ سنوات، ولولا ما لديه من خزائن الظرف لما تحمل منغصات الصحافة ومفآجاتها، ومكايدها ردحاً من الزمن، في وقت كان نصيب الصحفي فيه العنت والرهف وما ينتج عن العنت والرهق من الرزايا والأدواء. وقد شاركت جزءاً من هذا الرهق اللذيذ يوم تعاونت معه في جريدة الجزيرة، وأشرفت على صفحتها الأدبية، وما أدراك ما الإشراف على الصفحة الأدبية في جرائدنا، فكلمة الإشراف هنا من باب المجاز الواسع؛ وإلا فالحقيقة أن المشرف هو الذي يكتب المادة الأدبية ويظل يشرف عليها إلى أن تتحول من الحبر إلى الرصاص إلى أن تستوي خلقاً سوياً يكون جزاؤه الغالب كلمة (إخس). أما وقد تفرغ المعمر إلى الإنتاج الأدبي أو تفرغ الأدب للمعمر - لا فرق؛ فإني ألمح في أفق الأدب ميلاد باحث ظريف وكاتب أريب ستصفق له جنبات وادي عبقر، وسيعيد الثقة إلى نفوسنا نحن معشر هواة الأدب. وقد ظننا عهد الظرف قد ولى في مطاوي الحياة الصاخبة التي لا تتيح جلبتها لصوت الظرف أن يسمع) انتهى كلامه.

هذه خواطر وذكريات عن الصديق القديم والراحل الكريم أحمد خالد البدلي، أكتبها بعاطفة المحب، ليست دراسة عنه ولا تحليلاً لأدواره التي مارسها؛ لكن جاءت هكذا أمليها وأغليها؛ وفاءً لذكراه، وتحية لمثواه:

لعلك في جوار الله باقٍ

         ويشفع في خطاياك الرسول

ذو صلة