مجلة شهرية - العدد (496)  | جمادى الأولى 1439 هـ- فبراير 2018 م

رشيد الناصر بن ليلى

الباشا رجل الدولة.. رشيد الناصر بن ليلى

د. حمد عبدالله العنقري: الرياض

 

 

بيان الملك عبدالعزيز بتعيين رشيد الناصر في مفوضية دمشق في 16 المحرم 1352هـ/ 11 مايو 1933م

 

 

هو رشيد بن ناصر بن رشيد بن سالم بن ليلى. أمه: شقراء العبدالله الخزام، ولد بحائل وبها تعلم، حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، كما حفظ أجزاء من صحيح البخاري، ودرس على عدد من علماء حائل،منهم أخوه لأمه الشيخ صالح السالم. تميز بالفطنة والذكاء الحاد والذاكرة، واعتُمد عليه في المهمات وحل الإشكالات. لذا كلفه الأمير محمد العبدالله بن رشيد، أمير نجد، بمهمة القيام باستمالة القبائل الخارجة عن سلطته خلال الأعوام 1311-1315هـ/ 1894-1897م، كما استلم الأسلحة والمدافع والأموال التي قررت السلطة العثمانية صرفها لابن رشيد من ولاية بغداد. وأدت مشاركته تلك ورحلاته إلى قيامه بالمتاجرة في السلاح، وخصوصاً بنادق المارتيني، التي يشتري أغلبها من أسواق مسقط وينقلها إلى حائل.

لهذه الخبرات، قرر عبدالعزيز المتعب بن رشيد الاعتماد على رشيد الناصر ووجهه في مهمات عدة إلى إسطنبول، إلى أن عينه أخيراً وكيلاً له في إسطنبول في 21 رجب 1322هـ/1 أكتوبر 1904م، وقد قبلت السلطات العثمانية تعيين رشيد الناصر ووجه السلطان عبدالحميد الثاني بتخصيص منزل لرشيد في حي ماجكا القريب من قصر يلديز (مقر إقامة السلطان عبدالحميد الثاني)، كما أمر أن تكون مصروفاته على حساب قصر السلطان وأن يصله الطعام كل صباح ومساء من مطبخ القصر. كما منحه السلطان رتبة مير ميران مع الإنعام عليه بالوسام المجيدي من الدرجة الثانية، وأتاحت هذه الرتبة الجديدة لرشيد الناصر الحصول على الباشوية المدنية.
لكن تغير الموازين في نجد ودخول لاعب جديد فيها يطالب بعرش آبائه وأجداده وهو الملك عبدالعزيز، ثم مقتل عبدالعزيز المتعب بن رشيد في معركة روضة مهنا في 16 صفر 1324هـ/ 11 أبريل 1906م، وتولي ابنه متعب جعل مركز ابن ليلى غير مستقر في إسطنبول، وخصوصاً بعد مقابلة رشيد باشا للسير أوكونور، السفير البريطاني في إسطنبول، لذلك قررت السلطات العثمانية تحديد إقامة رشيد الناصر في مدينة بروصة وحرمانه من الراتب المقرر له اعتباراً من 24 رمضان 1324هـ/ 11 نوفمبر 1906م.
لكن السلطان عبدالحميد الثاني لم يلبث فترة إلا وقد عفا عن رشيد الناصر وأمر بتخصيص راتب شهري له مع بقاء إقامته في بروصة، وقد استمرت إقامة رشيد باشا في بروصة لمدة عام وتسعة أشهر إلى أن أُعلن عن عودة العمل بالقانون الأساسي في 4 رجب 1326هـ/ 2 أغسطس 1908م حيث عاد إلى إسطنبول.

 

الأمير سعود في زيارته لإمارة شرقي الأردن في 17 جمادى الأولى 1354هـ/ 17 أغسطس 1935م ويرى على اليمين الثاني رشيد باشا الناصر.


لم تكن عودة رشيد باشا الناصر الثانية إلى إسطنبول محفوفة بالورود، بل عانى خلالها من عدم استقرار الحكومات العثمانية المتتالية وتقلبها وتسارع الأحداث في الدولة، لكن مع تولي أنور باشا وزارة الحربية بدأ نجم رشيد باشا يسطع قوياً في إسطنبول، فأصبح لاعباً سياسياً فيها، وأصبح كبار المسؤولين العثمانيين في إسطنبول من أصدقائه ما مكنه من طلب المساعدات المالية والعسكرية لإمارة حائل، حيث أقنع صديقه أنور باشا بالطلب من القيصرية الألمانية تزويد ابن رشيد بعشرة آلاف بندقية ألمانية حديثة الصنع معظمها من نوعية الموزر، وقد نقش عليها اسم سعود بن رشيد، واشتهرت هذه البنادق في نجد بسلاح ابن ليلى.
طالت فترة إقامة رشيد باشا في إسطنبول وانقطعت أخباره عن حائل، وإلى ذلك تشير والدته شقراء في قصيدة لها في عام 1329هـ/ 1911م:
من أول خطك يجيني وشفقان
واليوم حتى التيل جنّبت عنا
عاد رشيد الناصر من جديد إلى حائل لكنه قدم ومعه الأسلحة التي جلبها من ألمانيا لابن رشيد إضافة إلى مدافع ومعدات، ومعه خمسة وعشرون ضابطاً عثمانياً وثلاثمئة جندي، وقد أقاموا في بيت رشيد في لبدة، ولا تزال كتاباتهم على أبواب البيت قائمة، وكان من أشهر من أقام في حائل مع الجند العثماني الشاعر التركي محمد عاكف آرصوي، الذي كتب قصيدته المشهورة (من صحراء نجد إلى المدينة المنورة).
كانت هذه هي الإقامة الأخيرة لرشيد باشا الناصر في حائل، حيث غادرها في عام 1335هـ/ 1917م إلى دمشق ولم يعد بعدها مرة أخرى. أما أثناء إقامته في دمشق فقد قام بعدد من الأعمال لصالح إمارة ابن رشيد، وطبع خلالها على نفقته ثلاثة كتب اعتنى فيها سليمان بن صالح الدخيل وأشرف عليها الشيخ عبدالقادر بن بدران، وهي: كتاب تقويم الأبدان في تدبير الإنسان، وكتاب الصحة بالأسباب الستة، وكتاب الأقراباذين، وجميعها لـ(أبو علي الطبيب يحيى بن عيسى بن جزلة)، عن نسخة محفوظة في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت في المدينة المنورة. كما نشر رشيد باشا الناصر كتاباً من تأليفه أطلق عليه اسم (الكتاب الأسود)، وطبعه في دمشق، وقد أغضب هذا الكتاب السلطات العثمانية التي صادرت الكتاب ومنعته.
ومع ذلك، فإن الدولة العثمانية استمرت في منح الامتيازات لرشيد باشا ومنحه السلطان أعلى الأوسمة العثمانية، وكان من أعلاها الوسام المجيدي المرصع، وعند تغير الأحوال في الدولة العثمانية نتيجة الهزيمة في الحرب العالمية الأولى وهروب رجال حزب الاتحاد والترقي من إسطنبول وعلى رأسهم صديق رشيد باشا والداعم له أنور باشا لم يتغير وضع رشيد باشا في الدولة، بل أصدر السلطان محمد وحيد الدين السادس قانوناً بترتيب صرف المعاشات وفق قانون الخدمات الوطنية، كان على رأس القائمة اسم رشيد باشا الناصر.

 


وبعد سقوط الدولة العثمانية استقر رشيد باشا في إسطنبول وخصوصاً بعد ضم الملك عبدالعزيز لحائل عام 1340هـ/ 1921م واستمرت هذه الإقامة شبه الدائمة لمدة تسع سنوات تخللتها زيارات إلى مدينة دمشق، حيث يلتقي خلالها بأقاربه، إلى أن قرر توجيه خطاب إلى الملك عبدالعزيز يستأذنه في السماح له بزيارة عائلته في حائل أو السماح لها بالانتقال من المملكة إلى خارجها، فما كان من الملك عبدالعزيز -الذي كان من مزاياه اصطناعه للرجال، ذلك أنه كان يعتقد في نفسه أن الإخلاص في العمل غريزة قلما يتجرد منها الإنسان-، إلا أن وجه الدعوة لرشيد باشا في العودة إلى المملكة واستقبله في جدة عام 1349هـ/ 1930م ثم عينه عضواً في مجلس الشورى في دورته الثالثة، حيث حضر فيه أول جلسة في 13 رجب 1349هـ/ 4 ديسمبر 1930م، واستمر عضواً فيه إلى نهاية هذه الدورة التي انتهت في 3 ربيع الأول 1351هـ/ 5 يوليو 1932م.
كما شارك رشيد باشا في عضوية المؤتمر الوطني الذي دعا إلى عقده الملك عبدالعزيز لبحث ما يتعلق بمصلحة البلاد وأهلها في أمور الدين والدنيا، وافتتحه الملك في مكة المكرمة في 15 المحرم 1350هـ/ 2 يونيو 1930م واستمرت أعماله إلى يوم 24 المحرم 1350هـ/ 11 يونيو 1931م، ونتج عن هذا المؤتمر قرارات نشرتها جريدة أم القرى تتضمن أمور القضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشؤون الحج والمطوفين والشؤون الاقتصادية والتعليم وغيرها.
وإنفاذاً للمادة الثانية من معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين المملكة والمملكة العراقية الموقعة في مكة المكرمة في 20 ذي القعدة 1349هـ/ 7 إبريل 1931م التي تنص على تأسيس التمثيل السياسي المتبادل، فقد قرر الملك عبدالعزيز تأسيس مفوضية للمملكة في بغداد وتعيين رشيد باشا الناصر قنصلاً عاماً وقائماً بالأعمال إلى حين تعيين وزير مفوض وذلك في 4 صفر 1350هـ/ 21 يونيو 1931م، لكن رشيد لم يباشر عمله هناك بسبب علاقته بموفق الألوسي، واستمر في عضويته في مجلس الشورى.
وبعد انتهاء الدورة الثالثة من مجلس الشورى كان من المتوقع مباشرة رشيد باشا لعمله في بغداد وخصوصاً بعد قبول السلطات العراقية بتعيينه قنصلاً في بغداد إلا أن الظروف لم تسمح له بمباشرة عمله هناك، لذلك صدر قرار الملك عبدالعزيز بإعادة ترشيحه في عضوية مجلس الشورى مرة أخرى في الدورة الرابعة له في 15 رجب 1351هـ/ 14 نوفمبر 1932م واستمر فيه مع تكليفه بعمله الذي لم يباشر به في مفوضية بغداد.
خلال هذه الفترة شارك رشيد باشا المجتمعين في مدينة الطائف في منزل عبدالله الفضل، نائب رئيس مجلس الشورى، بضرورة اتخاذ مسمى جديد للمملكة يبرز الوحدة التي هي عليها بدلاً من المسمى القديم، ولذلك رفع المجتمعون ومن ضمنهم رشيد باشا برقية إلى الملك عبدالعزيز في 12 جمادى الأولى 1351هـ/ 13 سبتمبر 1932م طلبوا فيها موافقته على تغيير مسمى المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها إلى المملكة العربية السعودية، وقد وافق الملك عبدالعزيز على مقترحهم وصدر الأمر الملكي بذلك في 17 جمادى الأولى 1351هـ/ 18 سبتمبر 1932م.
ونتيجة للاتفاقية بين حكومة الحجاز ونجد وملحقاتها وبين حكومة الجمهورية الفرنساوية بالنيابة عن سوريا ولبنان في جدة في 29 جمادى الآخرة 1350هـ/ 10 نوفمبر 1931م قرر الملك عبدالعزيز إجراء مناقلات في مفوضيات المملكة في الخارج، فصدر قرار بنقل رشيد باشا من مفوضية بغداد إلى مفوضية دمشق في 16 المحرم 1352هـ/ 11 مايو 1933م، وقد استقبل المندوب السامي للجمهورية الفرنسية في سوريا ولبنان في شهر ربيع الأول 1352هـ/ يونيو 1933م رشيد باشا بعد اعتماد تعيينه.

 


وخلال عمله في مفوضية دمشق لمدة عشر سنوات سعى رشيد باشا في توثيق العلاقة بين السعودية وسوريا ولبنان وفقاً لتوجهات حكومة المملكة، وكان من أبرز جهوده سعيه لفتح الطريق البري للحج بين سوريا والمملكة، وقد دعم مشروع إعادة فتح درب الحج الشامي الذي قام به الوفد السوري لاكتشاف طريق الحج البري عام 1353هـ/ 1935م، كما دعم جهود جمعية الهداية الإسلامية بدمشق في محاولاتها إعادة تسيير الخط الحجازي عام 1359هـ/ 1940م، وعمل على تنمية التجارة البرية بين المملكة وسوريا، خصوصاً تجارة العقيلات.

 


توفي -رحمه الله- في دمشق في 28 ربيع الأول 1362هـ/ 3 أبريل 1943م، ودفن في مقبرة الباب الصغير، وله من الأبناء خمسة أولاد، هم: عبدالله، ومحمد، وإبراهيم، وعثمان، وأحمد، أما البنات فست، هنّ: هياء، وشماء، وسلمى، وفاطمة، وعائشة، وممدوحة.

ذو صلة