مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

خالد بن أحمد السديري.. لمحات تنموية وإنسانية

د. عبدالكريم السمك: الرياض

 


 الأسرة والمولد والنشأة


ولد خالد السديري في بلدة الأفلاج، حيث كان والده أميراً عليها، وذلك بتاريخ (1333هـ / 1915م) ، سنة معركة جراب، فنشأ في ظل رعاية أبيه له، ورافقها اهتمام والده بتعليمه جميع أنواع العلوم، بما يفيده في مستقبله، فقد استقدم له من القصيم أستاذاً له (عبدالله الحصين)، وذلك سنة (1346هـ / 1927م)، وأقام على تعليمه عاماً كاملاً وبعدها عاد لبلده، وكان في بيت والده مكتبة متنوعة العلوم والفنون حيث دفعه والده إليها ليستفيد منها، ووجد الأمير خالد أن طلب العلم في الرياض فقصدها والتحق بحلقات المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبداللطيف آل الشيخ، واستفاد من حلقات الشيخين وبعدها قصد الطائف حيث مدرسة الأمراء من أبناء الملك عبدالعزيز، وقد كان الأمير خالد مهتماً بنفسه بطلب العلم واستطاع أن يقدم نفسه لخدمة الدولة من خلال ما وصل إليه من أهلية علمية ليحظى بمكانة ممتازة في وسطه المجتمعي وعند الملك.


الأميران خالد ومحمد وأبناؤهما:فهد الخالد وزيد المحمد وتركي الخالد واللواء مساعد الخالد ومحمد الخالد


أهم التكاليف والمهام الإدارية
جاء تاريخ ارتباطه بخدمة الدولة في فترة من أهم الفترات التي عرفتها المملكة في تاريخ نهضتها، وقد وقع سهم الاختيار عند الملك على الأمير خالد في مجموعة رجاله من الذين اختارهم ليكونوا من لبنات بناء الدولة، ولم يصل فيه العمر إلى ما دون العشرين في عمره يومها، وكان الأمير خالد قد أينع عوده وأصبح مؤهلاً أن يكون من أولئك الرجال، وهذا بيان بأهم الإدارات التي تم تكليفه فيها من قبل الملك عبدالعزيز، ومن خلفه من أبنائه الكرام:
1 - وكيلاً مساعداً لأخيه أمير أبها الأمير تركي (1353 - 1359هـ / 1934 - 1940م).
2 - أميراً لمنطقة جيزان (1359 - 1364هـ / 1940 - 1945م).
3 - أميراً لمنطقة الظهران (1364 - 1365هـ / 1945 - 1946م)
4 - عضواً في مجلس المستشارين بالديوان الملكي (1365 - 1366هـ / 1946 - 1947م).
5 - أميراً لمنطقة تبوك (1366 - 1375هـ / 1947 - 1956م).
6 - وزيراً للزراعة (1375 - 1380هـ / 1956 - 1960م).
7 - أميراً على نجران (1382 - 1399هـ / 1962 - 1978م).


صحيفة (الجريدة) اللبنانية تنشر صورة للأمير خالد السديري وبيده مفاتيح «المصفحات» يعرضها للصحفيين عندما قال إن المعتدين خلفوها وراءهم بعد فرارهم


غيض من فيض
سار الأمير خالد على خطى أبيه وجده الأعلى وأبناء أسرته في الولاء والوفاء للدولة السعودية، وبالحديث عن نجاحاته وأعماله في مسيرة خدماته التي تجاوزت الـ45 سنة، حيث أدركته الوفاة وهو لا يزال على رأس عمله، وتجسدت هذه العطاءات في عدد من المحاور، اقتصرنا منها على أربعة محاور:
 في الجانب العسكري
- مشاركته في الحملة العسكرية التي قادها الأمير محمد بن عبدالعزيز، وذلك بتاريخ (1 / 7 / 1352هـ - 20 / 10 / 1933م)، وقد رابطت في أبها لصد عدوان يمني.
- قضية مسألة قبائل الريث في جبال (الحقو)، شرق جيزان، الذين حاولوا الخروج عن الطاعة، حيث قاد الحملة أمير أبها الأمير تركي السديري ومن جيزان أميرها الأمير خالد وذلك بتاريخ (1359هـ / 1942م)، وتمكنت الحملة من جلبهم للطاعة عن طريق الحوار بدون أن تراق نقطة دم واحدة.
- حادثة تيماء وقضية (ابن رمان)، حيث قاد الأمير خالد حملة بقوة (500) عسكري، وتم القضاء على فتنة (ابن رمان) وأقام في تيماء ستة شهور وأنشأ فيها مركزاً للشرطة.
- قضية العلا والخلاف القبلي بين قبيلة (محمد بن فرحان الأيدا)، من عنزة، وقبيلة (بلي) وشيخها (ابن رفادة)، فقد استطاع بحكمته تسوية أمر الخلاف بين القبيلتين.
- انقلاب عبدالله السلال في اليمن سنة (1382هـ / 1962م)، بدعم مصري من عبدالناصر، ولعظم المهمة وتبعاتها على أمن المملكة فقد كلف الملك سعود، الأمير خالد بإمارة نجران، في الوقت الذي كان فيه أخوه محمد مشرفاً على حدود جازان، وكان الأمير خالد يدير الإمارة والمنطقة في حالة حرب، وكان على تواصل وإشراف دائم على القوات العسكرية السعودية في نجران، كما شارك في استرداد مركز (الوديعة)، من قوات اليمن الجنوبية.

على أقدام جبل «الوديعة» أو الصوان والزقوم عدد من الصحفيين مع العديد من السعوديين الذين رافقوا قافلة المستكشفين في «حملة الآلام» عبر مفارز ومتاهات الربع الخالي

 البعد الإنساني والاجتماعي
هذا الجانب في شخصية الأمير خالد أسبغ عليها صورة متألقة في علاقاته مع الآخرين، ولا يمكن أن يتحقق النجاح لشخصية لم تتوفر فيها مثل هذه الجوانب والأبعاد، وهناك العديد من الشواهد التي أشارت إلى كرم وسمو شخصيته الإنسانية والاجتماعية، وتجلى ذلك في مساعدة الفقراء والمحتاجين وعطفه عليهم، وهناك عدد من الوقائع والشواهد على ذلك
- ومن جوانبه الخيرية في منطقة تبوك، أنه همَّ بالحج عام (1367هـ / 1948م)، وشاع خبره في تبوك، وكانت هناك أسرة رجل اسمه (عطالله القبلي)، وكان معتقلاً في مكة فطلب ذووه من الأمير خالد أن يطمئنهم على والدهم، وبينوا له سبب اعتقاله، حيث كان يهرب دلال القهوة وقدور الطعام وغيرها من لوازم المطبخ التي يأتي بها من الشام، فقبض عليه وسيق لمكة وبها سجن، فحمل الأمير خالد قضيته معه رحمةً بأسرته، وقصده في السجن وسمع منه قضيته، فقال له السجين: أوكلك بأولادي من بعدي، لأنه قد حكم عليه بالقتل، فقال له الأمير خالد: سيسهل الله أمرك. فذهب الأمير خالد إلى الملك عبدالعزيز يطلب الشفاعة فيه، ونزل الملك على طلبه، فذهب الأمير خالد وأخرجه من السجن وأخذه معه إلى الطائف، وفي الطائف جهز له سيارة تأخذه إلى عائلته في تبوك، بعد أن زود السيارة بالأطعمة والأرزاق والحوائج لبيت هذا الرجل، وجعله الأمير خالد من جملة (الأخويا في الإمارة)، وعندما قصد فيلبي تبوك مستكشفاً جعله مرافقاً له لخبرته في مناطقها وطرقها.
* كما يلحق بأعماله الخيرية والإنسانية، أنه عندما كان في حج سنة (1367هـ / 1948م)؛ التقى بالشيخ الشنقيطي الذي كان بجوار خيمته، فما أن علم عنه ووقف على سعة علمه طلب من الملك عبدالعزيز منحه الجنسية طمعاً في علمه وتكريماً له هو ومن معه من قرابته وأسرته.
* ومن عطاياه في الخير أنه وقف على حكاية رجل اسمه (دمنان) كان قد لقي وجه ربه تاركاً وراءه أطفالاً ومزرعة، ولم يستطع أولاده العمل فيها، وكان مدير الشؤون المالية (محمد بن غنام)، فأخذهم للأمير وقال للأمير يريدون السلام عليك وتقديم المزرعة لكم، وذلك لعجزهم عن العمل فيها، فوافق الأمير وطلب من ابن غنام تثمينها، فقال له تم تثمينها بـ(3000) ريال، فقال له الأمير وأنا آخذها بـ(6000) آلاف على شرط أن يلتحق الأولاد بالدراسة، وكان يتابع الأولاد في تعليمهم حتى أينع عودهم ونهضوا بأنفسهم.

الأمير خالد والفريق طراد الحارثي في جنوب المملكة مع بعض من الضباط والجنود


 مساهمته في النهضة التعليمية
كان الأمير خالد، قد عانى الكثير من التعب وبذل الجهد في سبيل طلب العلم لنفسه، وكان والده وراء تأهيله العلمي، ومن حكايات طلبه للعلم أنه إبّان وكالته لأخيه في إمارة أبها كان فيها طبيب سوري من أبناء حمص اسمه (د.عبدالعليم الأتاسي)، وكان هذا الطبيب من الملمين باللغة العربية وعلومها، فوجدها الأمير فرصة ليدرس على يد هذا الطبيب اللغة العربية، وتحقق له ذلك، وهذه الصورة في طلبه للعلم تركت في نفسه الأثر الطيب في دعمه لمسيرة التعليم في المناطق التي تولى إمارتها، وبخاصة منطقة جيزان، فقد كان له في جازان شأن آخر، فهي منطقة حدودية وأهلها أهل خير وطيبة، وكانوا أصحاب ولاء ووفاء في توحيد منطقتهم بالمملكة، ولما وجد فيهم الأمير الخيرية اهتم بالنهوض ببلادهم في الكثير من المسائل، كالعمران والصحة، لكن التعليم كان شأنه كبيراً عنده، وكان في جيزان يومها الشيخ عبدالله القرعاوي، الذي كان متطوعاً من نفسه في تعليم أبناء منطقة جيزان، فكان يتنقل على الحمير من قرية لقرية ويطوف على معظم مناطق وقرى جيزان وهنا وجدها مناسبة كريمة بوجود الشيخ القرعاوي، فخصص له مبلغاً شهرياً بـ 300 ريال، إعانة له في شراء الكتب ولوازم التعليم لطلبة العلم الذين يقرؤون على يديه، وكان الأمير يتابع النهضة التعليمية ونشر التعليم في المنطقة، مستفيداً من وجود الشيخ القرعاوي.
وحيث ما نزل الأمير خالد كان يذهب لافتتاح المدارس للبنين والبنات، في تبوك وجيزان ونجران، في ظل رغبة الملك عبدالعزيز وأنجاله من بعده، في رفع شأن المجتمع السعودي تعليمياً، وتعميم افتتاح المدارس في سائر مناطق المملكة، حيث تكلم عنه المؤرخ محمد بن أحمد العقيلي بقوله: تسلم الأمير خالد بن أحمد السديري أعمال وإدارة منطقة جازان، وكان يجمع بين سياسة السيف والقلم، فنظم سير الأعمال الإدارية، وأنشأ مجلساً من أبناء المنطقة يجتمع بشكل أسبوعي، وقرر تطبيق سياسة نظام المقاطعات، ويقول الشيخ عمر جردي المدخلي صاحب كتاب (النهضة الإصلاحية في جنوب المملكة العربية السعودية)، إن الشيخ القرعاوي افتتح مدرسة في قرية البيطارية، الواقعة شرق أحد المسارحة، بتوجيه من أمير جيزان، الأمير خالد السديري، الذي كان أميراً مصلحاً وسياسياً حازماً، ولم يكتف الأمير خالد بهذا كما يروي الشيخ المدخلي، (فقد ساعد طلاب العلم بماله من جيبه الخاص، حيث أمر صاحب دكان بمدينة جازان بأن يعطي الشيخ عبدالله القرعاوي ما يحتاج إليه من دفاتر وأقلام للمدارس، فختم كلامه بالقول: كان الأمير خالد عادلاً ومصلحاً يحب الخير).
وهذا غيض من فيض عطاءاته، تم الوقوف على جزء بسيط من هذا الفيض في عطائه، وليس غريباً عليه أن يذهب أبناؤه من بعده، مبرة بأبيهم أن يجعلوا جائزة باسمه، يتم فيها تكريم طلبة العلم تحت مسمى (جائزة الأمير خالد بن أحمد السديري للتفوق العلمي)، من باب الوفاء له لما تركه من آثار كريمة في انتشار التعليم من خلال حياته الإدارية، وهناك فرع من الجائزة خاص بالمعلم المتميز والمعلمة المتميزة بهدف تقدير الأداء المتميز عند من يستحقون الجائزة، وفي كل عام يقام حفل لهذه الجائزة يحضره الأمراء من أصحاب السمو والعلماء والفضلاء.

صحيفة (الجريدة) اللبنانية تنشر في عام 1969م حديثاً للأمير خالد السديري عن حرب الوديعة ويظهر في الصورة  الأمير سلطان بن عبدالعزيز وزير الدفاع والطيران آنذاك


شاعريته ومجالسه الثقافية
العرب بطبيعتهم يرون أن الشعر مكرمة من مكارم العربي، والذي يحسن الشعر يحسن الحديث، ويتصدر المجالس في العادة، وقد كان الأمير خالد يحب الشعر حتى أصبح شاعراً، ومن عادة الشعراء في قديمهم وحديثهم حب المجالس وسماع الأشعار، وكان للأمير خالد مجالس أدبية يتخللها ما عند الشعراء من قصائد يتناولونها في مجلسه، وكان له مجالس في عسير ونجران وجيزان، وجمع أبناؤه جميع قصائده التي تنوعت بين الفصيح، رغم قلته، والشعر العامي، في كتاب (قصائد من الوجدان).


وفاته
في سنة (1376هـ / 1956م)، ظهرت على الأمير خالد علائم إصابته بمرض البلهارسيا، وكان قد أصيب به سابقاً، وكان هذا المرض شائعاً في جيزان، وتم إجراء عملية له في المعدة والطحال في سنوات اكتشاف المرض، وتم استئصال أجزاء من المعدة والطحال ومناطق أخرى أصابتها البلهارسيا، وتعافى مما نزل فيه، ولكن هذا المرض لابد أن يترك أثراً عند من يصاب به، حتى إذا كانت سنة (1398هـ / 1978م)، نقل الأمير خالد إلى مستشفى خميس مشيط، مصاباً بنوبة قلبية، رافقتها جلطة دماغية، وبعدها نقل لمستشفى التخصصي في الرياض، ومنه نقل لأمريكا لعلاجه، وقد لقي وجه ربه حيث كان، وتم نقله للرياض حيث صُلِّي عليه من قبل الأمراء والعلماء في جامع الإمام تركي بن عبدالله، وبعد الصلاة تم نقله إلى بلدة الغاط ليدفن بجوار أبيه، وكان ذلك أواخر عام (1399هـ / 1978م)، ونعاه الكثير من أصحاب السمو الملكي والوزراء والشعراء، تاركاً في قلوبهم غصة وأسى وحزناً عليه، ولكن الأمور تجري بمقادير الله، ولا يسع الجميع إلا التسليم بقدر الله وقضائه.
الأميران خالد ومحمد وأبناؤهما:فهد الخالد وزيد المحمد وتركي الخالد واللواء مساعد الخالد ومحمد الخالد  
صحيفة (الجريدة) اللبنانية تنشر صورة للأمير خالد السديري وبيده مفاتيح «المصفحات» يعرضها للصحفيين عندما قال إن المعتدين خلفوها وراءهم بعد فرارهم
على أقدام جبل «الوديعة» أو الصوان والزقوم عدد من الصحفيين مع العديد من السعوديين الذين رافقوا قافلة المستكشفين في «حملة الآلام» عبر مفارز ومتاهات الربع الخالي
الأمير خالد والفريق طراد الحارثي في جنوب المملكة مع بعض من الضباط والجنود
صحيفة (الجريدة) اللبنانية تنشر في عام 1969م حديثاً للأمير خالد السديري عن حرب الوديعة ويظهر في الصورة  الأمير سلطان بن عبدالعزيز وزير الدفاع والطيران آنذاك

ذو صلة