مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

محمد إبراهيم طه: الطب والريف من روافد إبداعي

حوار/ أحمد اللاوندي: مصر


محمد إبراهيم طه، قاص وروائي مصري، ولد في محافظة القليوبية (1963م)، ويعمل طبيباً. الريف والطب والموروث الشعبي والثقافي، من أهم روافده القصصية والروائية، كما يتبنى سرداً ينضح بالعذوبة والشعرية، وأماكن روائية تتسم بالسحر والأسطورة.
من مجموعاته القصصية: (توتة مائلة على نهر 1998م)، (الركض في مساحة خضراء 2006م)، (طيور ليست للزينة 2013م)، (الأميرة والرجل من العامة 2019م). ومن رواياته: (سقوط النوار 2001م)، (العابرون 2010م)، (باب الدنيا 2017م)، (البجعة البيضاء 2018م)، (شيطان الخِضر 2021م).

يتسم نتاجك الأدبي بإنسانيته وسحره، فالسرد مختلف وينضح بالشاعرية، ما الروافد التي تستقي منها هذا؟
- ثلاثة روافد أساسية لتجربتي السردية، الحياة الريفية المصرية بحكم النشأة بكل تفصيلاتها وموروثاتها الاجتماعية والشعبية، والشخصية المصرية ذات الجذور الريفية، ثم الطب دراسة وممارسة وتفكيراً علمياً بحكم الدراسة والمهنة، ثم الخبرات الحياتية والثقافية والمعرفية والقرائية على مدار عقود.
ولذا، نجد الريف بطزاجته حاضراً بقوة في مجموعتك القصصية الأولى (توتة مائلة على نهر)؟
- نعم، وربما جاء الريف بهذا الشكل البديع للاحتماء به من مواجهة المدينة، فجاء عالم القرية وحده، كأنما بحكم النشأة وسنوات التكوين، خالصاً كلوحة بالغة العذوبة والجمال. فضاء رحب وحياة بسيطة، تخلو من كل تعقيد، وأحلام معروضة على اتساعها بانتظار التحقق، فكان الريف المصري بمفرداته شخصية رئيسة لا يمكن فصلها عن بقية عناصر العالم القصصي والروائي، في مواجهة حضور خافت وقاس وعابر لعوالم المدينة، كان هذا في البدايات (توتة مائلة على نهر)، و(سقوط النوار)، لكن فيما بعد، استحوذ الحدث والشخوص بعوالمها النفسية واجهة المشهد، وتراجعت قليلاً لوحة الريف العذبة والطازجة إلى الخلف، لكنها لم تغب.
روايتك (سقوط النوار) تناقش قصة طالب يدرس الطب ثم يلتقي بزميلة له وتتوالى الأحداث التي من خلالها ينفتح السرد على عدة مستويات. كيف تفسر لنا حالة الشجن التي تسيطر على الرواية؟
- مصدر الشجن في (سقوط النوار)، أتى حين دخلت المدينة على الخط مع القرية أثناء دراسة الطب بالقاهرة، المدينة بجوهرها المتمثل في مصر الجديدة ومريم الحرايري المصرية من أب سوري، والقرية الفقيرة التي منها يونس عبدالفتاح، والتفاعل بين عالمين مختلفين اجتماعياً، وبطلين ولدا في ستينات القرن الماضي، جمعتهما ظروف الدراسة، فدخلا في تجربة صداقة وحب، وحين قررا أن ينتصرا لحلمهما الإنساني والقيمي والعاطفي، أبت الأقدار أن يكتمل، فماتت مريم الحرايري، وسقطت كنوارة بازغة.
إلى جانب الرمز، تغلب النزعة الصوفية على السرد في كتاباتك، خصوصاً في المجموعة القصصية الأخيرة (الأميرة والرجل من العامة)، فبدت جلية بالعديد من القصص. أليس كذلك؟
- صحيح، توشك المسحة الصوفية أن تكون بكل أعمالي الإبداعية، وهي المسحة التي تمنح العالم الروائي بشخوصه ملامح إنسانية، لاعتقادي أنها النظرة الأكثر توافقاً مع الواقع المعاش، والأكثر تسامحاً مع الآخر، والأكثر إنسانية. كما أن اللغة فيها محملة بأكثر من دلالة، وتلك النزعة الروحية، بها مساحة تسمح للرمز أن يتجلى في أفضل صوره.
ألم تفكر يوماً في ترك مهنة الطب من أجل التفرغ للكتابة والأدب؟
- انتهى الزمن الذي يعتمد فيه المبدع على نتاجه الأدبي كمصدر دخل، وتجربة يوسف إدريس ومحمد المخزنجي ومحمد المنسي قنديل غير قابلة للتكرار، فقررت البقاء، قدم هنا، والأخرى هناك طبيباً. ساعدني على الجمع بينهما، تخصص النساء والتوليد الأقرب إلى الحرفة، ولا يتطلب مزيداً من القراءة والمتابعة، كما أنه تخصص غير قابل للنسيان، لأنك تمارسه بشكل دائم، ما يوفر باقي الوقت للكتابة الإبداعية، والمتابعات الأدبية والثقافية.
تعريفك للقصة القصيرة، وما موقعها من إبداعك الروائي؟
- أنا في البداية، كاتب قصة قصيرة، وهي ذلك النوع من الكتابة الذي يشبه المقطوعة الموسيقية، يجسد ما لا يقبل التجسيد، ويعبر عما لا يمكن التعبير عنه، تبتعد عن العادي وهي في قلبه، وعن الثرثرة إلى التأمل، وظيفة السرد فيها التأمل وليس الإخبار، كل أدواتها وجمالياتها مركزة في هذه اللقطة أو الحالة المحلقة التي تحاول الإمساك بها، وهي النص الذي بانتهائه ينتزع الآهة من القارئ، فتجعله كشخص يستمتع بتلاوة لقارئ يحبه، أو مقطع من أغنية لمطرب يعشقه، أو حتى للعبة حلوة من لاعب موهوب ذي مهارات عجيبة ومدهشة. في النهاية، هي النص الذي يشبه مقطوعة موسيقية لا تمل من الاستماع إليها. والقصة القصيرة في قلب مشروعي السردي، وبدأت الكتابة بها، وصدرت مجموعتي الأولى (توتة مائلة على نهر)، وأعقبتها روايتي الأولى (سقوط النوار)، وهكذا مجموعة، تليها رواية، والأمر غير مقصود، لكنه جاء هكذا.
وهل ترى أن القصة القصيرة الآن في مأزق؟
- القصة القصيرة ليست في أزمة، ولا تعاني، ولا تمر كتابتها بمشاكل، وما يروج عن موتها، غير صحيح، وإنما كان بسبب مقولة زمن الرواية التي أطلقها د. جابر عصفور، وأعقبت فوز نجيب محفوظ بنوبل. نحن كسالى، نفضل ترديد المقولات بلا تفنيد ولا استقراء للواقع، فحدثت أزمة موت القصة القصيرة، وحجبت ذات مرة جائزة الدولة التشجيعية فيها، لضعف مستوى الكتب المقدمة، وراجت المقولة لسنوات، حتى صارت كأنها حقيقة، فصار الناشر يفضل الرواية عليها، وسار القارئ على نفس نهج الناشر، وركب الكتاب غير الحقيقيين الموجة، فهجروا القصة إلى الرواية، الفن الأكثر رواجاً، والذي رصدت له جوائز تكرس له، وحتى لو اختل الميزان لصالح الرواية، فبإمكانك، وفي غضون سنتين، أن تعدل الكفة لصالح القصة بنسبة 90 في المئة، لو رصدت خمس جوائز قيمة.

ذو صلة