مجلة شهرية - العدد (535)  | أبريل 2021 م- شعبان 1442 هـ

د. عارف الساعدي: النقد ابن الفلسفة البار

إعداد: منى حسن: السودان


يتجاوز النص الشعري لدى الشاعر العراقي عارف الساعدي ظواهر الأشياء إلى بواطنها، ويستلهم التراث الديني والتاريخي في أغلب تجلياته التي لا يكرر من خلالها إنتاج الحقائق، بل يعيد بناءها برؤية جديدة وشاملة شكلت صوته الشعري الخاص، وألهمت قصيدته فرادتها.
والساعدي اسم له حضور بارز في الساحة الثقافية والشعرية العربية. وهو من مواليد بغداد عام 1975. تحصل على الدكتوراه في الأدب العربي الحديث ونقده، ويعمل أستاذاً للأدب والنقد في الجامعة المستنصرية. صدرت له ستة دواوين شعرية أهمها: (آدم الأخير، مدونات، جرة أسئلة، عمره الماء، ورحلة بلا لون). كما أصدر مجموعة شعرية ضمت الأربعة دواوين الأولى، تلاها ديوانه الأخير: آدم الأخير في 2019. أيضاً صدرت له عدة كتب في النقد الشعري منها:  (لغة النقد الحديث/ من السياقية إلى النصية)، و(مسارات المعرفة الأدبية)، نال عدداً كبيراً من الجوائز والتكريمات في مسيرته الأدبية، إضافة إلى مشاركته في العديد من المهرجانات العراقية والعربية، وهو كاتب عمود بجريدة الشرق الأوسط وصحف أخرى.
التقته (المجلة العربية) مؤخراً على هامش توليه رئاسة تحرير مجلة الأقلام العراقية العريقة بترشيح من وزير الثقافة العراقي الدكتور حسن ناظم ودار هذا الحوار حول تجربته الشعرية ومجلة الأقلام وقضايا ثقافية أخرى.

يقول جان كوكتو: (الشاعر لا يَخترع، إنه يستمع)، فلمن استمعت في بداياتك؟
- استمعت لكثيرين، وكنت أشعر لحظة استماعي لهم أن هؤلاء قادمون من كوكب آخر، ولم أكن أفهم أن هذا هو شعر ولم أعرف في الأصل ماذا يعني الشعر، لكني كنت أستمع لهم بروح طقوسية عالية وبكهنوتية تضع الشعراء بمصاف الأولياء، استمعت وأنا بعد لم أبلغ العاشرة إلى نقل مباشر من تلفزيون العراق عام 1985 لجلسة المربد الشعري، حينها قام نزار قباني وقرأ قصيدة طويلة وقاطعه الجمهور كثيراً بالتصفيق، لحظتها شعرت بشبه غيبوبة تتملكني، كيف هيمن هذا الذي اسمه نزار قباني على جمهور بالآلاف وماذا كان يقول وما هذا الإيقاع الذي يسحر، ومن تلك اللحظة أدمنت على سماع كبار الشعراء، حتى إنني حين كبرت قليلاً وبدأت أتسامر مع الأصدقاء، جمعتني جلسة مع شخص يعمل على التنويم المغناطيسي ويستطيع استحضار الأرواح فباغتني بسؤال أي روح تريد استحضارها الآن؟ دون تردد قلت له المتنبي، وكل ظني أني سأستمع إلى صوت المتنبي وهو يقرأ:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
لكنه فشل في إحضار روح المتنبي ولهذا بقيت روحي معلقة به وبصوته الذي لم أسمعه.
وأنت تكتب هل تُفكر في القارئ، وماهي أصعب مرحلة تواجهها من مراحل الكتابة؟
- بالنسبة لي فقد مر القارئ بتحولات عديدة، منها أني في بداية كتاباتي كنت أستحضر الجمهور الذي سيصفق على البيت الفلاني أو الجملة الفلانية، ومن ثم بدأت الرقابة أيام النظام السابق تحضر لحظة كتابة القصيدة، وتملي عليك أن تبتعد عن المشاكسة وألا تتجاوز الخطوط الحمراء وأن تكون مروضاً بشكل يخدم السلطة، ولكن كل هؤلاء القراء لم يخدموا القصيدة، ولم يرفعوا من شأنها، حتى وصلنا إلى مرحلة ما بعد الحداثة وتحول المناهج النقدية من النص إلى المتلقي ولكنه ليس المتلقي الذي له عينان وأذنان، إنما المتلقي الذي يتشارك مع الشاعر في صناعة النص، وبهذا التحول استطعت أن أرافق المتلقي وأن أتخلص من المتلقي التقليدي الذي تهتز أريحيته لجملة أو لصورة، إنما أبحث عن متلق يصنع معي القصيدة ويهتم بالسؤال الذي أطرحه في النص، متلق يحار مثلي ويقلق مثلي ويتمرد مثلي، أما أصعب مراحل الكتابة فهي اللحظات أو الأيام التي تسبق كتابة القصيدة حيث المزاج المتعكر والقلق الدائم والشرود الذهني، أتحول إلى كائن لا يطاق، هذه أصعب لحظات الكتابة.
هل هنالك توجهات نقدية حديثة استطاعت أن تواكب الحراك التجريبي المتجدد في القصيدة العربية على اختلافها؟
- أنا أعتقد أن النقد في العالم العربي مازال غير مواكب للحركة الشعرية العربية، وهذا الأمر ليس عيباً لدينا إنما هو جزء من ثقافتنا وكياننا، ذلك أن النقد هو ابن بار للفلسفة والفكر والمعرفة، فيما الشعر هو ابن البرية الحر الذي لا تحده الحدود ولا تقيده المناهج، وبذلك فثقافتنا ثقافة شعرية في العموم الأغلب، وهذا ما دعا المفكر محمد عابد الجابري أن يفرق بين المشارقة والمغاربة، ما بين العقل البرهاني لدى المغاربة والعقل البياني لدى المشارقة، وهذا الأمر مرتبط بالشعر بيانياً وبالنقد والفكر برهانياً، والنقد عادة لا ينتعش إلا بفضاء الحريات وبالتلاقح مع العالم، وأذكر هنا أن الناقد الكبير دكتور صلاح فضل له رأي يقول إن النقد العربي لم ينتعش إلا في القرن الرابع الهجري وفي القرن العشرين، ولو التفتنا لهذين القرنين لوجدنا أن العالم العربي كان منفتحاً على مجمل الثقافات الأجنبية وكانت حركة الترجمة في أعلى منسوبها في هذين القرنين، أما الشعوب التي تعتقد أنها أفضل الناس وأعظمها ستواجه مستقبل العزلة لا محالة، من هنا يكون النقد وجهاً من وجوه الأمم الحرة التي تنمو وتطور وتراجع مشاريعها وحضاراتها بالنقد لا غير، فكلما ابتعدت الأمم عن النقد كلما شعرت بالعظمة وفي النهاية سيؤدي هذا الشعور إلى الموت البطيء.
كيف ترى انعكاسات العولمة على النص الشعري العربي في عصر الثقافة الافتراضية والثورة المعلوماتية؟
- لم تكن انعكاسات العولمة على النص الشعري فقط إنما على الحياة كلها، ولكن النص الشعري تأثر كثيرا بوصفه قوى ناعمة تستطيع التأثير والتغيير، إلا أن العالم الافتراضي مسح الحدود كلها، وحول النصوص والشعراء إلى أرقام متساوية جميعاً، بل إن شاعراً ساذجاً لديه متابعون كثر يستطيع أن يحصد آلاف (اللايكات) والتعليقات وملايين المشاهدات على اليوتيوب بأيام معدودة، فيما شاعر عظيم كالسياب مثلاً لا يستطيع أن يواكب هذا الشاعر البسيط، وبهذا فإن الرهان على هذا العالم صعب وفيه شعبوية عالية تتقاطع مع قيمة الفن ونخبويته، إضافة إلى ذلك فإن نقلة الإنترنت وهيمنتها على العالم فرضت أخلاقياتها وشروطها على الكتابة، فمثلاً تويتر روض الشعراء في أن يكتبوا كلمات محددة لهم وبهذا فإنه تدخل مع عقل وقلب الشاعر في أن يحدد مساره ويضبط إيقاعه، وبهذا فإن الرقيب الذي تحدثنا عنه تحول إلى رقيب آخر يشترك في الكتابة ولكنه في نفس الوقت يدعو الكاتب لأن يكثف ويختزل أفكاره، ومع هذا فالعالم الافتراضي يزحف بقوة لكي يكون عالماً حقيقياً وبشروطه هو.
يقول تشيخوف: (حين تَمل ابتكر فكرة جديدة)، هل هذا ما دفعك لدخول عالم الرواية عبر (زينب)؟
- رواية زينب هي عملي السردي الأول خارج الشعر، فأنا لست روائياً ولن أكون على ما يبدو، ولكن في بعض المرات تسمع حكاية مهمة جداً، لا تستطيع القصيدة أن تعالجها وهي تبقى تتردد في رأسك، فلا بيت لها إلا الرواية، وهذا ما حدث معي في رواية زينب التي أثارت في قلقاً مختلفاً توغلت فيه فاستدرجت مرحلة مهمة من مراحل تاريخ العراق المعاصر الديني والسياسي والاجتماعي، فكانت زينب مشتبكة بكل هذه الأحداث التي لن تخرج إلا على شكل رواية.
توليت مؤخراً رئاسة تحرير مجلة الأقلام العراقية ذات التاريخ الطويل، فماذا عنى لك هذا التكليف، وإلى أي اتجاه ستبحر بها؟
- بصراحة حين كلفني أخي وزير الثقافة الدكتور حسن ناظم برئاسة تحرير مجلة الأقلام، استدعيت لحظتها كل من مروا على الأقلام وإذا بهم نخبة العراق الثقافية والإبداعية، والواقع كان الوسط الثقافي في العراق لا يعترف بالشاعر شاعراً إلا إذا نشرت له مجلة الأقلام، وبهذا تكون المسؤولية ثقيلة وكبيرة، فضلاً عن تاريخها العظيم هناك رهانات أخرى وهو رهانها بأن تقرأ في زمن (السوشال ميديا) وكيف لها أن تربي قراء شباباً على صفحاتها، هذا رهاننا الأكبر، مجلة الأقلام مرت بتحولات عديدة منها أنها كانت تعنى بالأدب الحديث وشؤونه ومن ثم أصبحت مجلة ثقافية عامة ومن ثم مجلة تعنى بالفكر والثقافة، لذلك علينا الآن كهيئة تحرير أن نحدد مسار تلك المجلة، وأنا أعتقد أننا ذاهبون باتجاه أن تكون المجلة معنية بشؤون الأدب الحديث ونقده، وبهذا ستكون الخطوط واضحة، فضلاً عن طموحاتنا في أن نعقد شراكات وتوأمة مع بعض المجلات المهمة في الوطن العربي مثل مجلة فصول في مصر، نطمح أن نصل إلى مجلة الأقلام طبعة القاهرة ومجلة فصول طبعة بغداد.
لماذا مجلة فصول بالذات من بين نخبة المجلات العربية العريقة؟
- ممكن جداً أن نعقد شراكات مع عدة مجلات، ويشرفنا كثيراً، لكن الذي يميز (فصول) أنها أهم مجلة عربية تهتم بشؤون النقد الحديث، ولهذا فإننا تعرفنا على قضايا النقد الأدبي الحديث والنقد الثقافي والمناهج النقدية وكل ما يتعلق بالنقد من خلال صفحات مجلة فصول، وكذلك اشتغلت فصول على ملفات نقدية كبرى ومهمة، ولهذا فإن حضورها العربي كان أحد مصادر المعرفة النقدية العربية الحديثة، لذلك أعتقد أننا لو اتفقنا مع فصول أن تكون لها طبعة في بغداد وأن تكون للأقلام طبعة في القاهرة فإننا سنضمن مادة علمية ومعرفية مهمة ستسوق في بغداد والقاهرة، وبهذا سنسهم بزيادة جغرافية المعرفة.
وأساساً كان هناك اتفاق معهم قبل سنتين ولكن لم يفعل للأسف.
تضم (الأقلام) في باقة كتابها ناقدين يعدان من أعلام النقد الأدبي العربي من السعودية هما د. عبدالله الغذامي، ود. سعد البازعي، فعلام اتكأت آلية الاختيار؟
- ضمت الهيئة الاستشارية لمجلة الأقلام أسماء عربية مهمة من ضمنها جابر عصفور، والمنصف الوهايبي، ونادر كاظم، وسيف الرحبي، ومن العراق حاتم الصكر، وبشرى موسى صالح، وحسن ناظم وزير الثقافة نفسه، وأيضاً من السعودية الناقد الدكتور عبدالله الغذامي، والناقد الدكتور سعد البازعي من السعودية، وواقعاً اتجه الاختيار لهما لنصاعة اسميهما في الحركة النقدية العربية ولإثرائهما المشهد الثقافي العربي، وهنا أتذكر أن أول شيء قرأته للدكتور عبدالله الغذامي كان بحثاً منشوراً في مجلة الأقلام عن نازك الملائكة نهاية الثمانينات على ما أذكر، وهو بحث هائل، لذلك حين كلفت بتشكيل الهيئة الاستشارية ذهبت مباشرة للدكتور الغذامي ولهذه الأسماء التي ذكرتها، وبهذا يكون عملنا في جزء منه استعادة اللحظة التنويرية لتلك المجلة ولكن في نفس الوقت الانطلاق بها لاستقطاب كتاب شباب يكبرون مع المجلة مثلما كتب الكبار أيام شبابهم في هذه المجلة وسايروها على طول الطريق، لذلك فأعيننا مشدودة للمستقبل دائماً.

ذو صلة