مجلة شهرية - العدد (529)  | أكتوبر 2020 م- صفر 1442 هـ

المجلة العربية تحاور الدكتورة نازك الملائكة


المجلة العربية تحاور الدكتورة نازك الملائكة

نشر الحوار في العدد 10، السنة 04
(ربيع الأول 1401هـ / يناير 1981م).

حوار: حمد القاضي

اسم عربي معروف.. له ما يزيد على ثلث قرن وهو يحمل راية الكلمة «نقداً وشعراً»..
ونازك الملائكة.. ليست شاعرة وحسب.. ولكنها رائدة مجددة، وحسبها أنها أول من قال قصيدة في الشعر الحر.. ثم وضعت كتابها «قضايا الشعر المعاصر» الذي يعتبر من أول الكتب الحديثة التي تناولvت قضايا الشعر وهموم الأدب.
ويسر «المجلة العربية» أن تلتقي مع الشاعرة المعروفة «نازك الملائكة» في حوار شامل يطرح عديداً من القضايا الأدبية التي تهم القارئ العربي.
- وقد كان سؤالنا الأول حول بدايتها مع الشعر ثم النقد أم العكس؟
بدأت شاعرة ثم بزغ فجر النقد في حياتي بعد أن صدرت مجموعتاي الشعريتان «عاشقة الليل» و»شظايا ورماد»، وأول قصيدة نظمتها في حياتي كانت في عمر سبع سنوات وكانت باللهجة العامية البغدادية، في حين كان أول مقال كتبته في النقد الأدبي في سنة 1950 وعمري ثمان وعشرون سنة، وكان عنوانه «الأبعاد الأربعة في الأدب» ونشرته مجلة «الكتاب» التي كان يصدرها الأستاذ عادل الغضبان في القاهرة، وقد تناولت فيه موضوع الزمن في الأدب الأوروبي وأثر نظرية أينشتاين النسبية في خيال الأدباء، وأول مقال كتبته في نقد الشعر قد نشرته مجلة «الأدب» اللبنانية، وكان عنوانه «حركة الشعر الحر في العراق» وانطلقت بعدها أكتب في النقد بحيث مشى تيار الشعر مع تيار النقد في حياتي معاً.
- تعتبر نازك الملائكة من رائدات التجديد في الحركة الأدبية المعاصرة. ما هي حدود التجديد لديها؟
التجديد هو فرض أبعاد جديدة في القول والتعبير على الشعر بحيث تنشأ عنه رؤية جديدة للعصر وعندما صدرت مجموعتي الشعرية الأولى عاشقة الليل كان الجو السائد في الشعر العربي جواً رومانسياً وكانت مجموعتي الأولى رومانسية في جوها العام إلا أنني حاولت فيها أن أجعل للقصيدة كياناً خاصاً بها يميزها عن كل قصيدة أخرى وذلك هو عنصر الجديد في هذه المجموعة.
وكنت إلى جانب ذلك أحاول أن أعبر بلغة ذاتية تحمل الألفاظ طاقات جديدة لم يستعملها الشعراء غيري وسرعان ما لاح تطور جديد على شعري بعد هذه المجموعة فأصبحت أؤمن بقول نيتشه: «ما قيمة فضيلتي إن كانت لم تستطع أن تجعل مني إنساناً عاطفياً؟» ولكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً وسرعان ما دخلت في مرحلة الرمزية والتعبير السريالي –المعتدل0 عن الحياة، وظهر ذلك واضحاً في مجموعتي الثانية «شظايا ورماد» وقد جمع العنوان بين المرحلتين وفي هذه المجموعة دعوت إلى الشعر الحر أول مرة، وقد صدرت سنة 1949.
- هل تعتبرين «عاشقة الليل» ممثلاً لأفكارك الحالية في الشعر؟
لا.. لم تعد هذه المجموعة تمثلني بما فيها من خيالات رومانسية وفي عاطفية جانحة شديدة، و»شظايا ورماد» يمثلني أكثر مما يمثلني «عاشقة الليل»، إلا أن المجموعة الأقرب إلى نفسي هي «قرارة الموجة» الصادرة ببيروت سنة 1957، ومع ذلك فإني قد تطورت تطوراً عظيماً منذ مجموعتي «شجرة القمر» إلى مجموعتي «يغير ألوانه البحر» الصادرة سنة 1977 ببغداد.
- نازك الملائكة ممن يدعو لمبدأ الأصالة مع المعاصرة، بعض الأجيال الجديدة تندفع وراء التجديد وحسب معتقدة أن نازك الملائكة وجيلها لم يلتفتوا إلى الماضي وهم يقدمون ظواهرهم الجديدة، ماذا تقول إحدى رائدات الجيل لهؤلاء المجددين؟
إن تجديد أي شاعر إنما يتجه اتجاهه المعروف نتيجة لضغط البيئة الأدبية التي يعيش فيها، ففي سنة 1949 عندما كنت منغمسة في نظم قصائد مجموعتي «شظايا ورماد»، كان الشعراء المعاصرون أكثرهم يقرأون الشعر العربي القديم والحديث ويستأثرونه فيما ينظمون من قصائد. وكنت أجد كثيراً من قصائدهم تقليدية ليس فيها من التجديد شيء يذكر -باستثناء بعض الشعراء وبعض القصائد- وكنت في اندفاعي نحو التجديد أجد في نفسي ميلاً شديداً إلى قراءة الشعر الإنجليزي المعاصر لأنني كنت أجد فيه أجواء جديدة تلهمني وتلهب شاعريتي لصور جديدة على الوسط الأول الأدبي العربي كل الجدة، ولذلك لم أكن في تلك الفترة أهتم بالشعر العربي القديم على اعتبار أن كل الشعراء غيري كانوا يتأثرون به وأنا أحب أن أكون الصوت الفريد بين شعراء العصر وأحسب أن الزميلين بدر شاكر يرحمه الله وعبدالوهاب البياتي كانا يحسان بمثل إحساسي، فكان اتجاهنا كلنا إلى قراءة الشعر الإنجليزي بحيث يبدو لي أننا حقاً لم نلتفت إلى الماضي في تلك المرحلة اللهم إلا أن الماضي يعشش في أعماق «عدم الوعي» الذي يصدر الشاعر عنه في إنتاجه فلا خلاص لنا منه حتى ونحن نتجه بعيداً عنه.
- قيل الكثير عن الشعر الحر بداية ونهاية سؤالي أولاً: هل لا تزال نازك تبشر بهذا النوع من الشعر؟ ثانياً: ألا ترى الأستاذة أنه أخر بمسيرة الشعر حين جعل الباب مفتوحاً للشعراء والمتشاعرين؟
أولاً أتناول الشق الأول من سؤالك وجوابه نعم، لم أزل أدعو بحرارة إلى الشعر الحر وقد صدرت لي منه مجموعتان شعريتان جديدتان، إحداهما «للصلاة والثورة» المطبوعة ببيروت سنة 1978، والثانية «يغير ألوانه البحر» المطبوعة ببغداد سنة 1977، وكل ما فيهما من قصائد من الشعر الحر باستثناء قصيدة واحدة هي «الخروج من المتاهة»، وقد نظمتها استجابة لفكرة زوجي الدكتور عبدالهادي محبوبة، الذي ضايقه أن شعري كله حر، فرغب إلي في أن أنظم قصيدة واحدة من شعر الشطرين لتكون في المجموعة، وأنا أجد الشعر الحر يطاوع موضوعات العصر وينسجم مع طبيعة حياتنا المعاصرة ذات القيم التي تختلف بها عن قيم العصور القديمة في حياتنا العربية.
ثم أتناول الشق الثاني من سؤالك حول ما يلوح لك من أن الشعر الحر قد فتح الباب للمتشاعرين، والواقع الذي أراه أن الشعر الحر أصعب من شعر الشطرين الخليلي، لأن الأشطر المتساوية في النموذج القديم تسهل مهمة الشاعر، حيث تعتاد أذنه على وحدة الوزن فيلازمها ويرتاح من الخطأ، أما الشعر الحر الذي يعطي الشاعر الحرية في عدد التفعيلات في كل شطر، فإنه يعرض الشاعر إلى مخاطر الحرية من خطأ وزلل وسقوط في الفوضى والابتذال، والواقع أن المتشاعرين كما تقول قد ارتاحوا إلى الحرية التي منحناهم إياها بالدعوة إلى الشكل الجديد، ولكن ذلك لا يرجع إلى سهولة الشعر الحر كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما لقلة العارفين بالعروض وأصول الوزن والتقفية في الشعر. إن هؤلاء المتشاعرين الذين ملأوا الشعر الحر أخطاء لا يجدون الناقد الذي يفهم وينبههم إلى الأخطاء، ولو أن النقاد حاسبوا الشعراء على أخطاء العروض لخاف هؤلاء الشعراء واضطروا إلى التعلم وتحاشي الخطأ، ولابد لي أن أقول إن الشعراء الأصيلين لا يخلو شعرهم الحر من الغلط وكل السبب يرجع إلى عدم وجود الناقد الكفء على أنني لا أحب أن «أطلق» التعميم لأن هناك نقاداً يعرفون العروض وهم مع ذلك ساكتون سكوتاً تاماً عما نزل بالشعر المعاصر من أخطاء شنيعة والواقع أنني أنا الناقدة الوحيدة التي تنبه الشعراء إلى أخطاء العروض ولذلك ثارت علي ثائرتهم وهاجموني بعد صدور كتابي «قضايا الشعر المعاصر» عام 1962.
- يخلط الكثيرون بين الشعر الحر والقصيدة النثرية كرائدة للشعر الحر، ما هو الفرق بينهما؟
الفرق بينهما وجود الوزن والقافية في الشعر الحر في حين أن قصيدة النثر خالية منهما، فهي نثر اعتيادي لا وزن له، وقد سبق لي أن بينت أن الاسم «قصيدة النثر» متناقض لأن النثر يكون نثراً ويتعارض مع كلمة «قصيدة» التي تشخص الوزن في القطعة المكتوبة، وليس يخفى أن من المستحيل أن يخلط قارئ يعرف الوزن بين «الشعر الحر» و»قصيدة النثر» وإنما يقع في هذا الخلط أولئك الذين لا يحسون بالوزن لأنهم يرون الشكل الخارجي للشعر الحر مشابهاً تمام المشابهة لشكل «قصيدة النثر» الظاهري فلا يستطيعون التمييز بينهما.
- ما هي فلسفة نازك الملائكة في هذه الحياة؟
السؤال واسع سعة كبيرة، وكنت أود أن تحدد موضوعاً معيناً وتسألني عن فلسفتي فيه، ولكن من الممكن أن أقول أن فلسفتي أن الله قد خلق الإنسان ليكون فرداً عاملاً في المجتمع، يلتمس خدمته في كل عمل يعمله وكل كلمة يقولها، فليس من الصحيح أن يظن الإنسان أنه وجد في هذه الحياة ليأكل ويشرب وينام ويلهو عبثاً، لا تنظره رسالة يؤديها إلى الحياة، ولا يقوده مثل عال يقيس أعماله وفقه. إن الحياة الإنسانية تصبح أجمل وأوسع عندما يحس الفرد أنه مسؤول عن سلوكه وتصرفاته مسؤولية كاملة، إذ ذاك تصبح لحظات اللهو البريء جميلة ومقبولة تمام القبول لأنها تأتي التماساً للراحة بعد عناء العمل في سبيل الجنس البشري المعذب في هذا العصر في كل مكان، ففي أفريقيا وآسيا يموت البشر بالملايين من الجوع وتجرف بيوتهم الفيضانات وتدمرهم الزلازل، وفي فلسطين ينسف منزل الفرد العربي ويشرد أولاده ويباد ويقتل على أيدي الصهاينة المجرمين، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وهو أضعف الإيمان»، والحقيقة المؤسفة أن أكثر الناس في هذا العصر قاصرون عن تغيير المنكر، ولو بقلوبهم فهم يفتقدون أضعف الإيمان.
- الرمزية في الأدب.. لا تزال موضوع حوار كناقدة وكرائدة. ما هي حدود الرمزية المطلوبة لديك؟
الرمزية هي التعبير بالرموز عن الموضوع واللجوء إلى الرمز حاجة مالية من جهة ومطلب وقائي من جهة أخرى، أما الجمال فيتطلب الرمز لأن التعبير الصريح يكسب الكلام صفة الوضوح، وكثيراً ما تكون الأشياء الواضحة مسطحة وخالية من روعة الحسن وفتنة الإبهام، وما يكاد الشاعر يستعمل الرموز حتى يكتسب القصيد جمالاً سحرياً يمنحه أبعاداً تذهب عميقاً في الجهات كلها، وأما أن الرمزية مطلب وقائي فإن ذلك يرجع إلى ظروف العصر وتعسف الحكومات، وقد رأينا كيف لجأ شعراء الأرض المحتلة في العقد الثامن الهجري من هذا القرن إلى الرموز للتعبير عن مقاومتهم للمحتل الصهيوني المجرم الذي كان يحصي أنفاسهم ويفتح لهم زنزاناته الضيقة ويفرض عليهم الإقامة الجبرية.
على أن من مقتضيات العصر أيضاً ألا يغرق الشاعر في الرمزية حتى تصبح تعمية وتتحول القصيدة إلى لغز لا حل له، ذلك أن المفروض أن يوصل الشاعر مضموناً معيناً إلى القارئ وإلا أصبح الأدب لغواً لا معنى له، أقول هذا وأنا ألاحظ مظاهر الغموض الشديد على شعر الشباب الذين أصبحوا إذا قرأوا قصيدة على شيء من الوضوح -مع الرموز فيها- زهدوا فيها وقالوا عنها باحتقار «إنها واضحة».
- الشعر هل له مكان في مثل هذا العصر الذي يطغى فيه صخب الحديد على دفء القصيد؟
الشعر له مكان في العصور كلها، وما من فترة من حياة الإنسانية كان الشعر فيها غير مطلوب، وأن الشعر هو لهاث الحياة في صدر الشاعر يعبر به عن حبه للوجود وانفعاله ورغبته في إيضاح رؤياه بحيث تصله هذه الرؤية بأدق جهاتها، وتقيم جسراً بينه وبين معاصريه الذين يعبر عن أحاسيسهم ويرسم رؤيتهم للدنيا على فسحة الورق، والجديد نفسه يفتح للشاعر أبواب التعبير. إن المعامل العظيمة التي جاء بها هذا العصر تستثير الشعر في قلب الشاعر بما لها من مظاهر العظمة.
إن الآلة التي تبدع الصناعات الثقيلة تفتن بالعقل بما فيها من روعة وحياة والكومبيوتر يذهل العقل البشري بقدراته العظيمة على تنسيق المعلومات وجمعها وتقديمها، وهذه الأمور تستثير حاسة الجمال لدى الشاعر والفنان، فكان الجديد يتكلم ويشارك الإنسان حياته التي وسعها العلم توسعة هائلة. الشعر كذلك واحة يفيء إليها إنسان هذا العصر بعد تعب يوم في العمل في الجامعة والعمل والمرصد والمفاعل الذري. إن حياة الأرقام والعمليات العلمية تجعل الذهن البشري ظمآن إلى فطرة شعر تبل عطشه وتزيل حرقته، وكلما زاد تعقيد الحضارة زادت حاجتنا إلى الشعر والفنون الأخرى التي تعطي رؤية للحياة فيها حس الإنسانية التي تبقى محتاجة إلى الجمال وإلى الحنان وإلى العاطفة التي تلون الحياة وتعطيها مذاقاً أحلى وأعلى.
- «قضايا الشعر المعاصر» صدر قبل مدة طويلة وهناك قضايا جديدة طرأت على الشعر.. ألا تنوين إضافتها لكتابك الذي يعتبر مرجعاً للأدباء والباحثين؟
* ستطبع دار العلم للملايين كتاباً جديداً لي، عنوانه «سايكولوجية الشعر» هو في الحقيقة الجزء الثاني من «قضايا الشعر المعاصر»، تناولت فيه ما لم أتناوله في الكتاب الأول، مثل القافية وسايكولوجيتها، والقصيدة المدورة، وموقف الشاعر الناشئ من العصر وقضاياه، وعلاقة الشعر بالمأثورات الشعبية «الفولكلور»، وسوى ذلك من الموضوعات. وفي كتابي هذا تناولت علاقة الشعر باللغة في فصل مسهب أوردت فيه دراسة ذاتية للصيغ العربية، وكيف تفرض نفسها على الذهن العربي فرضاً يجعل من الضروري أن نتمسك بهذه الصيغ تمسكاً كاملاً، كما درست كيفية ولادة القصيدة في نفس الشاعر وعلاقتها بعدم الوعي الذي يسيطر على عملية نشوء الشعر وألحقت بالكتاب باباً تطبيقياً درست فيه شعر شاعر قديم هو ابن الفارض وشاعر معاصر هو إيليا أبو ماضي.
- وبعد؟ تلك آراء الشاعرة نازك الملائكة في الأدب والنقد والشعر بشطريه، ولعلها فصلت ما كان مبهماً، وأوضحت ما قيل ويقال عن تراجعها عن الشعر الحر التي هي أول من صاغته.

ذو صلة