مجلة شهرية - العدد (527)  | أغسطس 2020 م- ذو الحجة 1441 هـ

د. خزعل الماجدي: بدأت بتطوير اهتمامي بالأسطورة من خلال الشعر

حوار: أحمد اللاوندي: مصر


الدكتور خزعل الماجدي، هو مؤرخ، وباحث في علم وتاريخ الأديان والحضارات، وشاعر، وكاتب مسرحي عراقي. له أكثر من خمسين كتاباً في الميثولوجيا والتاريخ القديم والأديان القديمة والشعر والمسرح. ولد في كركوك عام (1951)، أكمل دراسته في بغداد، وحصل على الدكتوراه في التاريخ القديم من معهد التاريخ العربي للدراسات العليا في بغداد (1996)، عمل بين عامي (1973 - 1996) في الإذاعة والتليفزيون والمجلات والصحف العراقية واتحاد الأدباء والكتاب ودائرة السينما والمسرح. وما بين عامي (1996 - 1998) عمل في الأردن ونشر كتبه الفكرية الأولى هناك، ثم أستاذاً للتاريخ القديم وتاريخ الفن في جامعة درنة الليبية من (1998 - 2003). بعد ذلك، عاد إلى العراق، حيث عمل مديراً للمركز العراقي لحوار الحضارات والأديان، وبين عامي (2007 - 2014) حاضر في جامعة لايدن الهولندية وفي عدد من الجامعات المفتوحة بأوروبا.
هو هنا يتحدث لـ(المجلة العربية) عبر هذا الحوار الخاص.
أنت شاعر، ومسرحي، ومؤرخ، وباحث في شؤون الأديان والحضارات، وميثولوجي، ومنظر أدبي. كيف استطعت أن تتعايش مع كل هذا الزخم المعرفي وهذه المجالات؟
لم تتشكل هذه الاهتمامات دفعة واحدة، بل جاءت بتواتر مع الزمن. فقد بدأت شاعراً منذ السبعينات من القرن الماضي، وظهرتُ مع جيل واسع من شعراء السبعينات، لكنه اقتصر في النهاية على مجموعة نوعية ظلت تبتكر شعراً جديداً وما زال بعضها كذلك، وفي مطلع التسعينات بدأ اهتمامي بالمسرح بكثافة، وانصرفت لكتابة عدد كبير من المسرحيات التي عُرضت على المسارح العراقية والعربية، جاء ذلك متوافقاً مع وجودي كموظف في دائرة السينما والمسرح، واقترابي من نخبة مبدعة من المسرحيين العراقيين في التمثيل والإخراج والتقنيات. وقد لاقت أعمالي رواجاً ملفتاً في حينها، واستمر ظهور أعمالي المسرحية منذ ذلك الوقت وإلى الآن.
وخلال التسعينات، أيضاً، أكملت دراستي الأكاديمية في التاريخ القديم، وكان شغفي بالأساطير كبيراً ومترافقاً مع تجربتي الشعرية والمسرحية، لكني هذه المرة سعيت نحو علم الأساطير (الميثولوجي) بعدة أكاديمية رصينة، وبدأت كتبي في هذا المجال بالظهور في عمّان، لكني وجدت أن الأساطير جزء من الأديان، فقررت الخوض في علم الأديان، وجاء مشروعي في تأريخ الأديان عبر ثمانية كتب صدرت تحت عنوان: التراث الروحي للإنسان، ولم ينقطع اهتمامي بالميثولوجيا والمسرح والشعر، بل ازداد سعة ونوعاً بسبب هذه الأغوار العميقة، للغوص في أعماق التاريخ الروحي.
ازداد شغفي بهذه الحقول وتوسع، وتكاثرت مؤلفاتي فيها، ووجدت أن الأديان جزء من الحضارات، فقررت أن أخوض أصعب تجربة في حياتي مع مطلع القرن الحالي، وهي: البحث في تاريخ الحضارات والدراسات الحضارية، وكان ذلك عبر تأليف ونشر مشروع تأريخ الحضارات وعلومها. وهكذا ترى أني بدأت من قلب النواة (الشعر)، ثم (الأساطير)، ثم (الأديان)، وأتوسع حولها وفي محيطها، حتى وصلت إلى (الحضارات) التي هي شبكة معقدة من المعارف والعلوم، وما زلت إلى اليوم أحرص بعناية شديدة على إثراء تخصصاتي هذه والكتابة فيها، وأجد أن بعضها ينشّط الآخر ولا يأخذ منه.
واضح أن الأسطورة حاضرة بكثافة في شعرك، هل يرجع هذا إلى قراءاتك المتعددة في علم الأديان، وفي تاريخ العراق القديم؟
بدأت بتطوير اهتمامي بالأسطورة من خلال الشعر، من خلال معرفتي بأن الشعر بدأ في رحم الأساطير، ثم انفصل تدريجياً، لكني وجدت أن انفصاله هذا لم يقطعه عن عالم الأساطير، بل إن ما نشهده في حياتنا من أساطير جديدة ذات طابعٍ دنيويّ قد بدأ للتوّ، وخلال ذلك، انتبهت لما يُعرف بـ(الأسطورة الشخصية) التي يقضي الشاعر حياته كلها في نسجها وتكوينها. لكني، أضيف لذلك، أمراً في غاية الأهمية، وهو اطلاعي على الأساطير السومرية والبابلية التي وجدت أنها من أكبر ينابيع الأساطير في العالم القديم وأديانها، وكان لذلك الاهتمام أثره الكبير في تطوير تعاملي مع الأساطير عموماً، ومع الشعر بشكل خاص.
ما تقييمك لدائرة الأجيال الشعرية التي ظهرت في العراق، بدءاً من (1947) وحتى (2003)، وأين تقع مكانة الشعر العراقي حالياً على الساحتين العربية والعالمية؟
كان قدر العراق أن يكون المكان الأول الذي ظهرت فيه بدايات الشعر الحديث، في نهاية الأربعينات، عبر مجموعة الرواد المعروفين، ثم ظهر جيل الخمسينات الثري برومانسيته ورمزيته واهتمامه السياسي، وفي الستينات ظهر جيل عراقيّ نشط ودؤوب، يختلف عن بقية مجايليهم في الوطن العربي، بولعهم الوجودي والعبثي، وكذلك في السبعينات ظهر جيل رسّخ جماليات جديدة، وأضفى على الشعر العراقي روحانية، كان يفتقدها، فضلاً عن إعادة فتحه لبوابات قصيدة النثر والنص المفتوح، ثم ظهر جيل الثمانينات الذي رسخ قصيدة النثر في العراق، وتوغل في الحياة اليومية. وهكذا فعل جيل التسعينات. هذه الأجيال الشعرية في العراق، بدت كما لو أنها ثورة كبرى في الشعر الحديث، أبلى فيها الشعراء العراقيون بلاء عظيماً، وأوقدوا جذوة الحداثة في الشعر العربي الحديث بقوة. ورغم أن العقدين الأخيرين شهدا جموداً في التحديث، سواء في العراق أو في العالم العربي، لكني أثق تماماً بقدرة الشعراء الجدد على تجاوز هذا الظرف، والانطلاق إلى رحاب جديدة.
 قلت من قبل: إن الشعر الحقيقي لا يقاس بمدى حداثته، بل بمدى شعريته، فسِّرْ لنا ذلك؟
هذا صحيح، فالحداثة ألهمت الجميع ونبّهتهم للاهتمام بجوهر الشعر، فضلاً عن تحديث الشعر، ولذلك، عادت نظرتنا إلى الماضي، وعرفنا أن الشعر قد يكمن في بيت أو انتباهة شعرية عميقة، ولذلك، أصبحت الحداثة مرحلة من مراحل الشعر، وليس الشعر بأكمله، وكان من المناسب القول: إن الشعرية، لا الحداثة، هي أساس الشعر في العالم كله، فهل يجوز التغاضي عن جماليات الشعر السومري أو البابلي أو المصري أو الهندي أو الهايكو أو التاناكا.. إلخ، كل الشعر الذي كتبه الإنسان فيه نبض شعري حقيقي، ربما تكون الآليات الشكلية والميكانزمات اللزومية قد أنهكت هذا الشعر، لكن تحت القيود ينبض الشعر ويتدفق.
سعيتَ إلى تأسيس علم اسمه (عراقولوجيا)، ما حقيقة هذا العلم، ولماذا تأسيسه أصلاً؟
في الدراسات الحضارية (التي هي نواة علم الحضارات)، هناك علوم حضارية متخصصة بالحضارات العريقة تتناول الحضارات منذ جذورها ما قبل التأريخية وحتى زمننا الحاضر، فمثلاً، هناك علم المصريات (إيجيبتولوجي) الذي نما مبكراً بسبب الاهتمام الفائق بحضارة مصر، منذ بدايات عصر النهضة، وتوسّع هذا العلم وشمل كل تاريخ وتراث مصر من جذوره وحتى حاضره. وهناك علم الهنديات، وعلم الإيرانيات. وقد وجدت أن العراق لم يحظ بمثل هذا العلم رغم أن حضاراته لا تقل أهمية عن هذه الحضارات، إن لم تكن متفوقة عليها وأسبق منها زمنياً، وهكذا شحذت الهمم لتأسيس هذا العلم (عراقولوجي)، خصوصاً أن عدتي المعرفية بتاريخ وعلوم الحضارات، قد ازدادت وقويت، وأن تخصصي الأساس في الدكتوراه، كان عن وادي الرافدين.
هذا من ناحية، أما الناحية المهمة والعملية، والتي مهدت لهذا الموضوع، فقد كانت في المشروع الذي باشرت بطرحه كمحاضرات في الجمعيات العراقية في أوروبا، فبعد وصولي إلى هولندا، وضعت مشروعاً طموحاً لمحاضرات تزيد على الأربعين محاضرة بعنوان: (وحدة وتنوع حضارات العراق)، وباشرت بها منذ (2010)، وما زلت مستمراً بها، رغم توقف ظرفي قبل سنتين، وقد أنجزت ما يقرب من 30 محاضرة متخصصة ونوعية، بدأت بتاريخ وحضارات العراق منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى الآن، وما زال هناك بعض التفاصيل.
الحضارة السوبرية، متى بدأت، وما أهم توجهاتها وملامحها، وهل من فروق جوهرية بينها وبين الحضارة السومرية؟
الحضارة السوبرية حضارة سامية موازية للحضارة السومرية، ظهرت في أربع مراحل متواصلة هي: سوبارتو، سبّار، كيش، أكد. وكانت تتميز عن الحضارة السومرية بلغتها السامية، وبعبادتها الشمسية. قام ملوك الدولة الأكدية فيها بتكوين أول إمبراطورية في التأريخ منذ سرجون الأكدي. أصبحت الأساس الذي بنيت عليه الحضارتان البابلية والآشورية اللتان كانتا حضارتين ساميتين. ولقد تحدثت عنها بالتفصيل في كتابي: (الحضارات السامية المبكرة)، وسوف أصدر كتاباً خاصاً بها أكثر توسعاً.
  بصفتك مسرحياً، كان المسرح العراقي موجوداً في طليعة المسرح العربي في السابق. حالياً، هو يعاني، ما الأسباب التي أدت إلى تدهوره، وما الحل من وجهة نظرك؟
مازال جمر المسرح العراقي متوقداً تحت الرماد، وما زال رغم كل الظروف يختطف أهم وأكبر الجوائز المسرحية في مهرجانات المسرح العربي. قد يرى كثيرون أنه لا جدوى من الفن، وربما يحرّمونه في العلن وفي الخفاء، ومن الطبيعي أن يتعثر. لكن، تأكد أن هذا سيزول، لأنه ضد الحياة وضد الإبداع، وهو سير معاكس لحركة التأريخ، وستنتصر الثقافة والفنون، وسيسطع وجه العراق المثقف الفنان العالم المبدع.
ماذا عن مشاريعك المستقبلية؟
لي في مشروع تأريخ الحضارات كتب: (الحضارة الهندية، الحضارة الصينية)، وفي مشروع تأريخ الأديان كتب: (الديانة المصرية، الديانة المندائية)، وفي مشروع الميثولوجيا كتب: (الميثولوجيا الشامية، الميثولوجيا البابلية)، وفي مشروع العراقولوجي: (رموز الحضارات والديانات في وادي الرافدين).

ذو صلة