مجلة شهرية - العدد (542)  | نوفمبر 2021 م- ربيع الأول 1443 هـ

جميلة عمايرة: الكتابة إعلان جريء عن الذات أمام الملأ

جميلة عمايرة: الكتابة إعلان جريء عن الذات أمام الملأ
محمد الهلال: الأحساء


 هنالك جدل حول الكتابة النسائية، أو السرد النسائي، أو الأدب النسائي، هل هو حضور ثقافي للمرأة وتشكيل لنسق ثقافي جديد تكون المرأة فيه المعبرة عن ذاتها الثقافية المسلوبة أولاً، ومن ثم الهم المجتمعي مقابل نسق ثقافي كان الرجل محوره والوجه الثقافي الأوحد فيه. هناك من ترفض من الكاتبات مصطلح الأدب النسائي، وترى فيه تجنياً على المرأة وإنقاصاً من قدرها، وكأن نعت الأدب بالنسائي فيه منقصه لهن مقابل خطاب ثقافي ينضح بالفحولة التي تبدو بارزة في الكثير من جوانبه. لهذا قد يتعجب القارئ حينما يجد رائدة من رواد القلم النسائي وهي باحثة البادية (مي زيادة) وهي توجه حديثها للمرأة قائلة: (نحن بحاجة إلى نساء تتجلى فيهن عبقرية الرجال).
 هذا الجدل القديم الحديث هو من يشغل الأديبة الأردنية جميلة عمايرة، وإن كان بطريقة غير مباشرة محاولة للخروج من ثنائية قد تبعد الإنسان عن إنسانيته.
من المسؤول عن خيبات المرأة الرجل أم المجتمع أم المرأة نفسها؟
بداية يحتاج هذا التساؤل المشروع للكثير من المداخلات والنقاشات وذلك لتعدد مصادره وتشعباته. كل شيء مسؤول عن الخيبات التي تمنى بها المرأة، بدءاً من منظومة المجتمع وآليات قمعه الموجودة في أبسط الأشياء. وأولها الرجل الذي ورث -والأمر ليس بيده- ورث هذه المنظومة وتماهى معها وبدأ بتطبيقها في حياته. مع أن وجود رجل مساند وحقيقي في حياة المرأة هو العامل الأساسي الأول للخروج من (الصندوق الأسود) الذي لا تزال تعيش بداخله كثير من النساء في عالمنا الشرقي هذا. وأحياناً تكون المرأة هي المسؤولة عن خيباتها لعدم قدرتها على المقاومة أو المواجهة أو لظروف قاهرة كعدم التعليم وغيرها الكثير. ولا شك أن وجود امرأة قوية واثقة من نفسها ومن قدراتها ومن أحلامها كفيل بأن يجعل من حياة الرجل حياة حقيقية مليئة بالمسرات والثمار، وبالتالي المجتمع بأسره.
 عن روايتك المعنونة (بالأبيض والأسود) لماذا الأبيض والأسود، وهل الحياة في عالمنا لم تتجاوز هذين اللونين؟
 لا أعرف لم جاء عنوان الرواية بهذا الاسم. ولكن ربما يحيل العنوان بهذين اللونين الأساسيين من عائلة الألوان وما يحملانه من دلالات وتأويل للكثير. فالبطل هنا في هذه الرواية القصيرة هو من يمثل (اللون الأسود) ربما لأنه رجل عتيق، أي رجل قديم منذ زمن الأبيض والأسود، أيضاً ربما لأنه كان يمثل أو يرمز للون الأسود لكل ما يحمله من دلالات تشير للحزن والكآبة وأشياء أخرى عديدة. أما المرأة فكانت تمثل اللون الأبيض بما يحمله من دلالات النقاء والصفاء والطهر، وربما لأنها جاءت بالرواية من موقع الضد والمعاكس للرجل. أيضاً في عالمنا الموسوم (بالشرق) فلا يحتمل أحدنا رأياً يختلف عن رأيه، فإما أن تكون معي أو ضدي. ولا نزال بحاجة للكثير من احتمال الآخر وتقبل الاختلاف ووجهات النظر الأخرى في مجتمعاتنا. وكأن الحياة لدينا لا تتسع إلا لهذين اللونين في حين ثمة ألوان أخرى تقترب أو تبتعد عنهما. أي ثمة الكثير مما يحتمله الأمر هنا.
 من الذي يقف خلف كتابات جميلة عمايرة؟
حقيقة لا أعرف من الذي يحتمل كل هذا الأمر الشائك برمته ويقف خلف الكاتب؟ لا أعرف حقاً. ربما يبدأ الأمر عند أب كريم ومتسامح ومحب لابنته (المدللة)، فهو من شد على يدي وعلمني القراءة منذ كنت طفلة في البيت. أنا مدينة له بالكثير وكل ما كتبته وما قد أكتبه أتمنى أن يطال قامته العالية في حياتي وحتى بعد رحيله. ولا يبتعد الأمر عن الموهبة في القراءة والكتابة، وما للقراءة من أثر في الشخصية وبنائها وصقلها كي تكون قادرة على مواجهة الحياة ومتطلباتها.
 تكتبين بكل جرأة مع أنك من بيئة محافظة، من أين لك كل تلك القوة؟
لا أعرف حقيقة ماذا تعني بالبيئة المحافظة؟ هل هي البيئة المغلقة وغير المنفتحة على غيرها من بيئات وثقافات وتعددية؟ ما أعرفه أن لكل كاتب بصمة، وعلى الكاتب المبدع أن تكون له بصمته الخاصة به. وإلا لماذا يكتب ويتعب نفسه ويكررها كما الآخرين؟ نشأت في عائلة منفتحة تحترم المرأة وقدراتها ربما هذا ما جعلني قادرة على مواجهة نفسي قبل الآخرين، فالكتابة إعلان جريء عن الذات أمام الملأ دون خجل أو مواربة أو اختباء خلف أنوثتها. وعلى الكاتب أن يكتب بجرأة دون مواربة، أو التستر وراء ستار اللغة أو المفاهيم الاجتماعية ويسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية وألا يدع المصور أو الباحث يوثق ولا يقترب هو من هذا الحقل الشائك والمليء بالألغام والتعب والمفاجآت.
 من يتتبع نتاجك الأدبي يجد ثيمة رئيسة مسيطرة عليه، وهي تبعية المرأة لرجل، إلى هذا الحد المرأة مهمشة في عالمنا العربي؟ وما هو المطلوب كي تستقل؟
دعني أخالفك بهذا الرأي قليلاً من يتتبع نتاجاتي الأدبية سيجد أن ثيمة المرأة والرجل معاً، ستجد المرأة المهمشة والمرأة الضحية والمرأة التي كسرها المجتمع، لكنك ستجد الرجل في هذه الحالات جميعها كما هي المرأة تماماً. أحياناً تكون المرأة هي من تحسم الأمر لصالحها وتخرج لتعانق الحياة من جديد وتخط مسيرتها كما في أكثر من قصة، وأحياناً تجد الرجل البطل الذي يحقق مراده في نهاية الأمر ومع المرأة يداً بيد. كتبت عن المرأة الوحيدة والمهمشة، وكتبت عن المرأة المتزوجة، وعن المرأة في مجمل حالاتها ولا خلاص لأحدهما دون الآخر. المطلوب كي تستقل المرأة الكثير الكثير. حين يتوقف الأمر من المجتمع/ الرجل عن النظر لها كأنثى ويبدأ بمعاملتها كإنسان ندٍ له. بما يحيل إليه موضوع أو ثنائية الأنثى والذكر. فتحرر المرأة يعني تحرر الرجل، وبالتالي نشوء مجتمع قوي أفراده متساوون بالحقوق والواجبات أمام القانون.

ذو صلة