مجلة شهرية - العدد (540)  | سبتمبر 2021 م- صفر 1443 هـ

عباس بيضون: النقد في العالم العربي هزيل وبائس

هو مبدع يحظى بمحبة وتقدير كبيرين بين المثقفين في العالم العربي، ناهيك عن قرائه وعشاق أسلوبه الصحافي الذي يمزج فنون النثر بين سطوره. بدأ حياته الأدبية شاعراً وكتب الشعر بعمر 15 عاماً لكنه منذ 15 عاماً سطر اسمه بحروف ساطعة في فضاء الرواية الإبداعي، وحصل على جائزة الشيخ زايد للآداب عن روايته «خريف البراءة».. أثناء وجوده في القاهرة التقته «المجلة العربية» حين كان يلقي شهادته عن تجربته الروائية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، حضوره الطاغي المسالم لن تجده في شعره أو نثره؛ كأنما يرتدي عباس بيضون عباءة أخرى أكثر مشاغبة وجموحاً، حدثنا عن غواية الشعر، وكيف اختطفه فضاء الرواية من الشعر، ويتحدث عن روايته الفائزة التي استلهم أحداثها من الحرب السورية، فإلى نص الحوار:

هل تعطي الجوائز صك الاعتراف للروائي؟
في غياب نسبي لبواعث الكتابة، تبدو الجائزة وكأنها تخلق البواعث وتروج للكاتب.
 ما هي دوافع كتابتك رواية «خريف البراءة»، بكل ما تحمله من عنف؟
الرواية قريبة من الظرف الحالي وهي مبنية على تنسيق نسبي للظرف الحالي؛ فالتنظيم الإسلامي الموجود في الرواية يقترف ما تقترفه «داعش» في عالمنا العربي. من هنا الرواية ليست غريبة عن الظرف السياسي وليست غريبة عما يجري.
قضية «الحياة والموت» ثيمة تظهر في كتاباتك الشعرية أيضاً، هل وجدت هذه الثنائية سبيلك لمعانقة الحياة والهروب من الموت؟
 الموت أمر مخيف بطبيعة الحال، وهذه الرواية تكاد تكون حالة الموت فيها جديدة على كتابتي، وجدت أن موت غسان بطل (خريف البراءة) في معركة مع والده وأتباع والده، بدا لي أن موته على هذا النحو يشكل عقوبة كاملة للمجتمع.
هل كتبت النهاية بشكل مخطط له مسبقاً؟
 عندما شارفت الرواية على النهاية وجدت نفسي وقد حملتني الرواية ووصلت إلى تلك النهاية. لم يكن في نيتي أن يُقتل غسان، خصوصاً أنه كان في سجن وخرج منه، ولكن من الواضح أن غسان يحمل جريمة لا يد له فيها. وأن يعاقب مرتين وموته الأخير وكأنه عقوبة على أنه ابن قاتل ومجرم، يبدو أنه يدفع ثمن ما لم يقترفه.
قدمت تشريحاً للجانب السوسيولوجي والسيكولوجي لشخصية البطل وشخصيات الرواية، فهل تعمقت في قراءات في هذه المجالات قبل الضلوع في كتابه الرواية؟
لم أقم بذلك، لكني على كل حال قارئ.. قرأت قليلاً أو كثيراً عن فرويد، وفيما أظن أن هناك بناء سيكولوجياً لغسان ومن حوله، مقتله وأحاسيسه تجاه والده وحياته تمثل الكثير من ترسبات فرويدية.
من آن لآخر تتوقف عن الشعر، فهل تصادفك «رايترز بلوك» أو تنتابك حالة من العزوف عن الكتابة؟
لا تواجهني تلك المسألة. بل أكتب بانتظام. وما أن أضع نفسي في الكتابة أكتب وذلك بصورة يومية، ومنتظمة إلى أن أنتهي. لا يمكنني الابتعاد عن الرواية؛ لأن الكتابة تعطيني معنى لحياتي.
ما ردك على قول النقاد أنك هجرت الشعر؟
 لم أهجر الشعر وليس في نيتي. لكن لا أجد أن الانتقال للرواية نوع من الهجرة للشعر.
 هل تجدها فضاء آخر؟
 نعم أجدها كذلك، فضاء آخر للتأليف والإبداع والكتابة، وليست بعداً عن الشعر، كل ما في الأمر هو الانتقال لنوع آخر من الكتابة.
 هل الرواية أكثر رحابة واستيعاباً للمبدع؟
 الرواية بالفعل أرحب كثيراً، الشعر يقوم على التكثيف والإلماح.. الشعر هو ناصية الكلام، ما يظهر مما يقوله الشاعر هو ما يظهر من جبل الثلج الغارق في الماء. الكتابة الشعرية هي كتابة تأتي كدفقة واحدة تنزل على الشاعر وكأنما تأتي من مكان آخر. أما كتابة الرواية أكثر سهولة ولا تتطلب انتظاراً طويلاً ولا تتطلب عمقاً أو نوعاً من الحضور اللغوي.. الكتابة الروائية للشاعر هي كتابة أكثر سهولة وأكثر مرونة.
هل أصبح العصر الحالي بدراميته «عصر الرواية»؟
 نعم. فعلاً هو عصر الرواية أو بمعنى أدق لا يزال عصر الرواية مستمراً؛ لأنه بدأ في القرن الثامن عشر، في ذلك الوقت كانت الرواية الحديثة الروسية والفرنسية مع ستاندال وبلزاك وغيرهم ومازال مستمراً والشعر كان أقل حضوراً، ما نفتقده اليوم هو صورة الشاعر أيضاً حيث يبدو أقل حضوراً وأقل مكانة، لكن في واقع الأمر ما يعانيه الشعر الآن نوع من النبذ والبهت والبعد عن القارئ وتضاؤل المكانة.
 هل لأن الشعر كان مرتبطاً بحركات النضال السياسي فكان تحت الأضواء بصورة أكبر؟
ارتباط الشعر بالنهضة السياسية أساء إلى الشعر العربي قليلاً أو كثيراً، لأن الشعر العربي السياسي ليس أفضل ما في الشعر العربي، وأغلبه عبارة عن هدير وتهويل كلامي وصراخ بلا حدود، وأظن أن أفضل ما في الشعر العربي الحديث لم يكن سياسياً. هناك شعر سياسي آخر هو الشعر الوطني والثوري وأغلب ما نسميه «شعر سياسي» ليس سوى فروسيات شعرية وتهويلات شعرية. هناك شعر سياسي مهم مثل أشعار محمود درويش، وربما نجد أن شعره السياسي جيد؛ لأنه شعر هزيمة وخيبة ورثاء وليس شعر تهويل وفخر وليس شعراً فروسياً. الشاعر الوطني هو شاعر فروسي وشاعر قبائلي. بينما الشاعر السياسي في واقع الأمر هو أمر آخر.
كونك شاعراً وتتسم بروح حالمة وطباع هادئة، ولكن القارئ يجدك بصورة أخرى في كتاباتك، فما السبب؟
الكتابة هي فن سلبي وفن نقدي بشكل أو بآخر. وفي كتابتي كما في شعري أبتعد عما أسميه تهويلاً لغوياً، أكتب تحت الجلد أو فوق الجلد، أكتب ما أرى أنه حقيقة جارحة وأكتب بهذا المعنى.
وما قولك عن تصنيف رواياتك ضمن أدب الـ»ديستوبيا»؟
 أريد أن أكتب بنوع من الواقعية الشديدة وأسميه أنا «ما تحت الواقعية»، أي أكتب عن وجود مطابق للواقع والحقيقة، هذا الوجود يبالغ في تهشيم الجسد والروح.
استعنت بتقنية الراوي العليم أو المتحدث، لماذا نجدها تظهر بصورة كبيرة في أعمالك؟
 في الروايتين الأخيرتين تقنية الروائي المتعدد تجعلني أحضر بنوع من إعادة قراءة الحوادث بأكثر من صوت، ولكن ليس توحداً مع الشخصية.
 هل ما زال في جعبتك مخزون لم يخرج بعد؟
 لدي عدد من الروايات تجاهلت نشرها وفضلت أن أؤجلها، وهي تحوي وقائع شخصية ترتبط بأشخاص آخرين، وذات مبحث سياسي يتعارض مع الواقع. ولا أريد أن أسيء لأشخاص أو أصدقاء؛ لذا أفضل حجبها خصوصاً وأنها قد تورثني عنفاً وصداما.
 إذن أنت لست صدامياً؟
 الكتابة عمل صدامي بطبيعتها. الكتابة هي عمل وبحث عن أبعد ما نستطيع أن نصل إليه من الواقع والحقيقة.
 هل نتوقع أن تتضمن مشاريعك الروائية عملاً عن ما يسمى «الربيع العربي» ومآلاته؟
ما يمنعني من كتابة رواية عن الربيع العربي لم أتحسسه عن قرب ولم أعايشه عن قرب ولكن أظن أن في بالي ذات يوم رواية تتصل بالربيع العربي. الآن أفكر بموضوعات ليست بعيدة عن الربيع العربي، أفكر بالكتابة عن حالات وأحوال سجلها الربيع العربي. مثلاً «الانقسام الطائفي».
 هل ميلك لهذا الموضوع ناجم عن تأثرك بالواقع اللبناني؟
 الواقع اللبناني موجود باستمرار في خلفية ذاكرتي ولكن ما نجده في العالم العربي هو طوفان طائفي. لبنان يبدو البروفة الأولى لهذا الانقسام الطائفي ولكن يبدو أنه تجاوز كثيراً الحالة اللبنانية، ويغلي بالعنف ويهدد بفناء المجتمعات ويهدد بنهاية الدول والمجتمعات.
 هل تقحم السيرة الذاتية نفسها على الروائي ولا يمكنه الفكاك منها؟
 فيما أظن الروائي يبحث دائماً عن نماذجه حوله، ولابد أن يتسلل بعض من نفسه إلى بعض شخصياته، ولا شك أن النماذج التي يرسمها هي نماذج قريبة منه وبشكل أو بآخر مستمدة من أشخاص يعرفهم.
ما رأيك في أن النقاد لا يمارسون دورهم المنوطين به، فهل الناقد خصم للمبدع؟ أو أنهم لم يواكبوا عصر ما بعد الحداثة؟
 الناقد هو عمل مثقف بل مبني على الفكر ورصد للعمل الأدبي بأصول ثقافية، وأرى أن الثقافة ليست الآن في أفضل حالاتها وأن النقاد الذين يكتبون يحتاجون إلى منظومة فكرية وثقافة كافية ليكتبوا. النقد في العالم العربي كان دائماً هزيلاً وبائساً وهو في حالة كارثية ولا يلعب أي دور في النهوض بالحياة الأدبية أو محاكمتها؛ لأن النقد ليس فقط كتابة قد تقوم بها الموهبة، الموهبة تؤدي لكتابة أدبية لكن الناقد يحتاج لبناء فكري وهي أمور لا تتوافر بسهولة لدى نقادنا. ما يوجد الآن تعليق صحافي على الكتابة وهو متأخر جداً عن الأدب والإبداع.
 كونك «ماركسياً» هل يؤثر في كتاباتك؟
 لم أعد الماركسي الذي كنته. الماركسية حملتني إلى أمكنة ودروب ومطارح مهمة بالنسبة لي. الماركسية جعلتني ما أنا عليه وجعلتني أبتعد في رؤيتي للأشياء وفي محاكمتي لها، لست نادماً على الماركسية ولكن لست الآن الماركسي الحزبي الذي كنته.
 ما السبب في ذلك؟
 في الأصل لم أكن ماركسياً متديناً. كنت دائماً ماركسياً ذا استقلال شخصي، كنت أقرب أن أكون ماركسياً أوروبياً.. لم أكن سوفييتياً أو ماوياً.. ماركسيتي كانت أقرب للأوروبية. لم أترب على أيديولوجيا الدولة السوفييتية أو الماوية أو أكون تروتسكياً. بل كانت معظم الماركسيات التي غزت العالم العربي هي أوروبية منفصلة عن العالم الشيوعي. الماركسية جعلتني أكثر نفاذاً للوضع الاجتماعي وأكثر جدلية. ولكنني الآن أقل ماركسية مما كنت. ثم إنني لا أشعر بأن هذه الماركسية تقيدني في شيء. وأشعر أن أي نوع من الانتماء السياسي أو الفكري لا يناسب أدباً حراً.
 بمن تأثر عباس بيضون روائياً أو شعرياً؟
تأثرت بالشاعر اليوناني يانيس ريتسوس، كما تأثرت بالشعر الإنجليزي خصوصاً توماس إليوت، والألماني ريلكه ترك أثراً مباشراً. أما في الشعر الفرنسي هناك بطبيعة الحال رامبو. أما عربياً، فقد كانت قراءاتي الأولى لنزار قباني وشعر محمد الماغوط ومازالا يعنيان لي الكثير، كما أنني مازلت أذكر بدرجة من الإعجاب «مدينة بلا قلب» لأحمد عبد المعطي حجازي، وأيضاً شعراء سوريون مثل رياض الصالح الحسين. وروائياً ما قرأته كان كثيراً جداً لكن لا وجود لروائيين عرب بالضرورة بينهم. أقرأ روايات إنجليزية وفرنسية؛ قرأت لكونديرا، ولورانس داريل، وسلمان رشدي، وغونتر غراس، لأنهما يمارسان فانتازيا مطابقة للواقع. القراءة بالنسبة لي «إدمان» أستمر في القراءة قبل وأثناء وبعد الكتابة.

ذو صلة