مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

عبدالرحمن الربيعي: الرواية حالة شعرية

عبدالرحمن الربيعي: الرواية حالة شعرية

عذاب الركابي: مصر


لقد خففت عبارة عبقري الرواية نجيب محفوظ من حيرتي، وهو يقول: (عندما قرأت للربيعي أحسست أنني أقرأ لأستاذ في كتابة القصة)؛ وأنا أحاول أن أقدم الصديق الكاتب والروائي الكبير عبدالرحمن الربيعي إلى قراء المجلة العربية، وهو غني عن التعريف. وإنها لسعادة باذخة فعلاً أن تدعو القارئ للإصغاء لحديث مهم عميق دافئ، تفيض به قريحة كاتب معروف، جريح بحراب الزمن، وجراح وطن داخل في الغياب.
كاتب متميز، صادق مع نفسه، ومع أدبه وإبداعه وقرائه. إنه كما قال عنه النقاد لا يكتب بقلمه، إنما بأظافره. والحقيقة أنه يكتب بجسده كله وبأدمعه ولحظات زهوه وانطفائه. وهو يؤسس للكتابة/الحفر غزير الإنتاج، أضاف للمكتبة العربية أكثر من ست عشرة مجموعة قصصية قصيرة، واثنتي عشرة رواية، بالإضافة إلى كتب في النقد الأدبي، وأخرى في قصيدة النثر. كتبت عن إبداعه السردي عديد الرسائل الجامعية، غير الدراسات المتناثرة في بطون الكتب النقدية، وعلى صفحات المجلات والصحف العربية داخل الوطن وخارجه.
فضلت أن أترك الروائي الكبير عبدالرحمن مجيد الربيعي يتحدث للقارئ العربي بنفسه، عن همومه، وجراحاته، التي هي هموم وجراحات جيل كامل، بل هي جراحات وهموم وطن وأمة كاملة. ربما بلغته الدافئة الصافية يجيب عن الكثير من الأسئلة التي أتعبت القارئ العربي ردحاً من الزمن، وربما يفتح الربيعي جراحاً أخرى أكثر ألماً وعمقاً.
فضلت أن أتركه يتحدث في هذا الحوار القصير الدافئ، وأختصر حديثي عنه كي لا أتهم بالانحياز له والانجذاب إليه، لكنني أذكر القارئ، وأرمي بوردات الضوء في طريقه، وهو يصغي إلى الربيعي، وأقول له: إن الربيعي بحق زارع الأسئلة المقلقة في ثقافتنا العربية، وإنه يثير في صحافتنا الأدبية الكثير من المحاور، وينبش الكثير من القضايا الدقيقة التي ينتج عنها الكثير من الجدل والتساؤلات والمناقشات الساخنة، والتي يهدف الربيعي من ورائها إلى إثراء الساحة الثقافية العربية، ومحاولة تحريك وتشغيل الأجزاء المعطلة في جسدها الجميل.
نترك أبا سومر عبر صفحات المجلة العربية يتحدث للقارئ عن همومه التي هي بالضرورة همومنا.
قصة، رواية، شعر، نقد، ومقال صحفي؛ وأنت سيد هذه الأقانيم؛ أي مغامرة شاقة عذبة هذه؟ قل لي أين تجد نفسك من كل هذا؟
- أجد نفسي في كل ما أكتب، إذ أنني لا أكتب من أجل الكتابة، بل أكتب عندما يكون هناك شيء أريد كتابته. هناك مسائل لا يمكن التعبير عنها إلا في مقال، وحالات لا تقترب منها إلا القصة، وامتدادات لا تعيشها إلا الرواية، أما الشعر فهو صنو اللحظات النادرة التي لا بد للقلب من اقترافها حتى يتوازن رفيفه. لكنني بعد كل هذا وذاك عُرفت روائياً، وكاتب قصة قصيرة، وأعمالي في هذين الجنسين الأدبيين هي التي نالت الاهتمام.
والرواية التي تكتبها بجدارة؛ هل هي حالة شعرية؟ أم أنها مخزون وتراكم أحداث قد عشتها؟ أهي تعليق جريء عما حدث؟
- الرواية فن الفنون، هي البيت الكامل وليست غرفة أو زاوية من هذا البيت، هي أيضاً حالة شعرية كما ورد في سؤالك، بل مدى شعري وانشغال شعري. ولا بد للرواية من الشعر حتى لا يشحب أو يدنو منها اليباس اللغوي. لكنني معك في أن الرواية الكبيرة لا تأتي من فراغ ولا من خواء حياتي، بل من مخزون متراكم من التجارب التي يعيشها الكاتب، ويعرفها من موقعه كمواطن في بلد ما وفي زمن ما، وبالتالي ليست الرواية تعليقاً جزئياً فقط كما ورد في سؤالك، بل هي تعبير متكامل، جرأته من صدقه وعدم مهادنته، ويحمل من الإضافة والتميز ما يجعله مختلفاً عما عداه من الروايات المنشورة.
إن أبطالك واقعيون دائماً، كأنك تعرفهم، وقد قابلتهم وحدثتهم، وعشت معهم، وفي براعة ترصد حركاتهم، وتؤرخ نبضهم وأفعالهم؛ إلى أي مدى هذا القول صحيح؟
- هذا القول صحيح إلى حد كبير، فكثير ممن عرفتهم أو من أصدقائي تحولوا إلى أبطال لقصصي ورواياتي، والبعض تباهوا بهذا، عندما توفي الرسام المرحوم (شاكر الطائي) ظهر مقال في رثائه (مات سعدون الصفار)، و(سعدون الصفار) هو الاسم الذي اخترته له في روايتي (الأنهار)، وقبل سنوات قدمت شهادة لإحدى الندوات الأدبية العربية حول هذا الأمر تحت عنوان: (مداخل لاختيار شخصيات رواياتي)، ظهرت في كتاب نقدي في تونس تحت عنوان (من النافذة إلى الأفق). لكن هناك مسألة مهمة هي أنني لا أحمل (كاميرا) لأنقل الشخصيات كما هي، بل أشتغل عليها كثيراً، أشطب منها جوانب وأضيف أخرى، أو أخلق شخصيتين من شخصية واحدة. ولكن ما هو أساسي في كل هذا أنني لا أوجد أي شخصية من فراغ، بل لا بد وأن يكون لها وجود ما في الواقع.
(كريم الناصري) في (الوشم) و(غياث داود) في (خطوط الطول.. خطوط العرض)؛ وعبدالرحمن الربيعي. هناك تشابه واضح، وهناك أكثر من نقطة لقاء مهمة بينهم؛ ما هي؟ هل من الممكن تحديد هذه العلاقة؟
- لعل جوابي على سؤالك هذا سيكون استطراداً لجوابي عن السؤال الذي قبله. وأوضح أكثر أنني كاتب يحاول الإفادة جدياً من سيرته الذاتية، من خلال مخزونه الخاص، وغالباً ما تتسرب حتى ملامحي الشخصية للأبطال الذين ذكرتهم في سؤالك: (كريم الناصري) في (الوشم) و(غياث داود) في (خطوط الطول.. خطوط العرض) -كما قلت، وأضيف أيضاً: (صلاح كامل) في (الأنهار) و(عماد) في (الوكر). لكن يجب الانتباه عند الدخول في هذه المقارنات، والبحث عن أوجه الشبه بين أبطال رواياتي وبيني؛ فأنا أكتب عن المثقفين واختلاطات حياتهم العاطفية والسياسية، وتشابك الأسئلة أمامهم، وهو موضوع أَثير لدي، أو أنه موضوعي الملح، ولكن الجواب الحاسم والأخير عن سؤالك هذا هو: إن أبطال رواياتي المركزيين هم أنا، ولكنهم ليسوا أنا في الوقت نفسه.
قال بعض النقاد: إن روايات عبدالرحمن الربيعي تمثل الإحباط السياسي الذي عاشه المواطن العربي في أدق صوره، وإنها عبرت أصدق تعبير عن هذه الحالة؛ هل هذا الصحيح؟
- إنني لا أميل إلى الانسياق وراء ما تحدده الأسئلة التي تحمل أجوبتها عندما تواجهني، وبعض النقاد هؤلاء كانوا ينظرون للمسألة كلها نظرة (أيديولوجية) لا إبداعية. وحيث أن هناك حالتين للبطل، إما سلبية أو إيجابية، ولا بد أن يكون إيجابياً وفق الفهم (الأيديولوجي) القاصر حتى ينال الرضا والتبريك؛ فقد عانيت شخصياً من هؤلاء النقاد، لكنهم رغم كل هذا لم يستطيعوا التأثير علي وصرفي عن المسار الذي خططته لنفسي منذ أن بدأت الكتابة، كنت أعرف ما أريد، كما كنت أعرف أحقيتي في اختيار ما أكتبه صدقاً مع النفس وإرضاء للضمير، لا محاباة لأحد. وربما من هنا السر في أنني أجد نفسي غالباً مغرداً خارج السرب، مديناً لروح القطيع أو الامتثال للأوامر التي سكنت آلاف النصوص العربية. إذاً عندما كتبت عن الإحباط الذي عاشه، ويعيشه المواطن العربي؛ فأنني فعلت هذا مع حالة قائمة وملحة وساخنة، حيث الفرح لا وميض له. من أين آتي بالفرح؟ هل أتحدث عن فرح وهمي!؟
هل صحيح أن المرأة في رواياتك هي البديل عن السياسة، أو الفشل والإحباط السياسي؟
- ربما هذه مجرد قراءة نقدية، أو وجهة نظر حول المرأة في رواياتي. لكن هناك مسألة أود أن أنبه لها هي أنه لا أحد يقوم مقام أحد، ولا شيء يكون بديلاً عن شيء، المرأة هي المرأة بكل ما تعنيه، وبكل ما فيها من ظلال، والسياسة هي السياسة. لكن المرء بحاجة لأن يلجأ إلى الظلال، المرأة مغبونة ليس من جور السياسة فقط، بل ومن قهر الدنيا كلها.
وكيف تفسر هذا الكم من النساء، وهذه العلاقات النسائية الكثيرة الطارئة في رواية (خطوط الطول.. خطوط العرض)؟
- لا تفسير لي، إلا أن موضوع الرواية هو الذي تطلب هذا الحضور النسائي الكثيف. لكنني أسألك أنت: هل لديك تفسير آخر؟ من خلال تتبعي لكل ما كتب عن روايتي هذه؛ لم أقرأ رأياً يرى أن وجود النساء الكثيف فائض عن حاجة الرواية. ولا ننسى أن الرواية تروي في جانب منها التاريخ النسائي لـ(غياث داود)، وهو تاريخ حافل ومليء.
والقصيدة، هل هي حالة خاصة؟ إجابة مكثفة عن أسئلة نارية غامضة، أم ماذا؟ واستراحة على بساط واقع، تتمناه مخملياً!
- القصيدة تولد في حالات خاصة ونادرة أكون فيها، وحيث لا منقذ لي ولا متنفس إلا القصيدة. لكن رجلاً انصبت حياته كلها انصباباً شعرياً، في سلوكه، في عشقه، في علائقه، أصبح الشعر يسكن كل سطر يخطه، ولذا لم أستغرب عندما استل الشاعر (عبدالقادر الجنابي) فقرات من بعض قصص مجموعتي الأولى (السيف والسفينة)، ووضعها في كتابه (انفرادات الشعر العراقي)، معتبراً إياها قصائد، ولم أعترض على ما فعل، هو حر في أن يرى ما يراه، ولو ترك الأمر لي لاخترت له من قصائدي المنشورة في كتبي المخصصة أصلاً لهذا الجنس الأدبي، وفي قصيدة النثر تحديداً.
تكتب النقد، وقد صدرت لك عديد الكتب النقدية المهمة؛ ما رأيك بما يكتب من النقد؟ ومَن من النقاد ترتاح له، وتنجذب إليه، وتثق في حركة أصابعه؟
- هناك نقاد كثيرون أنا مدين لهم بكتاباتهم الجادة عن أعمالي منذ بداياتي. لقد جعلوا اعتدادي بنفسي، وبقوة أعمالي لا حدود له، وبه قارعت وعليه اتكأت، وأنا أخوض معاركي مع قبائل الارتداد والتخريب ووكلاء الثقافات الأجنبية في وطننا العربي. أما تحديد الأسماء فهو من الصعوبة بمكان، عد إلى كتابين مخصصين لأعمالي، أحدهما حول رواياتي وعنوانه: (الربيعي روائياً)، والثاني (الربيعي في قصصه القصيرة)، وقد ساهم في تحرير هذين الكتابين نقاد مختلفون؛ لترى أن الحفاوة مبكرة. هذا عدا عن كتب أخرى لمؤلف واحد كالدكتور أفنان القاسم، والدكتور عبدالرضا علي، والناقد سليمان البكري مثلاً، وكتابك (عبدالرحمن الربيعي وأسئلة الزمن الصعب)، إضافة إلى فصول في كتب بأقلام نقاد معروفين.
أما ممارستي الشخصية للنقد، فقد ذكرت لك ما يشبه الجواب لسؤالك هذا، وأضيف أنني أحب توثيق كل كتاباتي ومداخلاتي وآرائي في بعض الكتب التي قرأتها، ولولا الدعوات التي توجه لي لحضور ندوات محددة المحاور، لما كتبت هذه المداخلات، ولولا العمل الصحفي لربما خفت مساهماتي في الكتابة عن عشرات الكتب، وكل هذه المداخلات والكتابات لم أهملها بل اخترت منها ما يصلح للنشر في كتب.
يقوم الكثير من النقاد العرب، وربما انبهاراً، بتطبيق المناهج النقدية عند الغرب: (ماثيو أرنولد، ت.س.إليوت، ريتشاردز وآخرون) على النص الأدبي المتميز ببيئته وظروفه ومكانه وحالة مبدعيه؛ مارأيك في ذلك؟
- كثير من المقالات النقدية تصيبني بالقرف؛ لأنك تقرؤها ولا ترى فيها لكاتبها رأياً سوى حشوها بأسماء ومصطلحات هي من نعم الترجمة عليه، وقد أصبحت أعاف أي مقال فيه هذا الكم من الحشو الذي يؤشر أن كاتبه مجرد صدى ومردد لما يقرأ، وما يصدره له الآخر. لذا يمكن القول إن نقداً كهذا ليس بنقد، لكن من المؤسف أنه الشائع، والبعض قد انقاد إليه من دون أن يدري.
ما رأيك في هذا الكم من الروائيين العرب؟ هل استطاعت الرواية أن تكون ديوان العرب؟ وهل الزمن القادم فعلاً زمن الرواية؟
- شيء جميل أن يكثر كتاب الرواية في الوطن العربي، فالفن الروائي فن عظيم، كنا إلى فترة قريبة لا نملك كتاباً كباراً فيه عدا الأستاذ (نجيب محفوظ)، ولكننا اليوم نرى المكتبات عامرة بمئات الأسماء. وكلمة ديوان العرب التي قالها أحدهم فعمت، كان القصد من ورائها كما يخيل لي إثارة حماس الشعراء لأن يكتبوا ويواصلوا وأن ينتبهوا لما يحصل للشعر العربي من تدهور وغياب الأسماء الجديدة المؤثرة؛ لأن الرواية بالتالي تظل رواية، والشعر يظل شعراً، والأجناس الأدبية تكمل بعضها، ولا يشكل تطور أحدها انتقاصاً من قيمة آخر. وسيظل الشعر مع كل ما مر به، ورغم الأزمة الحقيقية التي يعيشها؛ الأقرب إلى سيكولوجية الإنسان العربي، هذا الإنسان الذي يصغي جيداً للشعر الجيد، ويعاف الهراء الثرثار وينصرف عنه.
أما عن الفقرة الأخيرة من سؤالك؛ فأنا أرى أن الاهتمام بالرواية سيزداد كتابة وقراءة، وأضرب لك مثالاً شخصياً، هو عدد طبعات رواياتي قياساً إلى مجاميعي القصصية مثلاً، يكاد يكون الضعف، وفي أحد الملتقيات الأدبية عرضت لي أربعة أعمال: روايتان ومجموعة قصصية وكتاب نقدي، وقد انتبهت إلى كل الكتب التي اشتراها بعض الحاضرين وطلبوا مني أن أضع توقيعي عليها؛ كانت روايات. وهو أمر لم أتركه يمر عابراً، بل توقفت عنده متسائلاً بكل جدية.
والشعر، لماذا تركه القارئ العربي، وتخلت عنه دور النشر؟
- علينا أن نعترف بأن الشعر العربي الشائع هذا اليوم هو شعر بينه وبين متلقيه قطيعة، لذا تنام دواوين الشعر، ولا تجد من يشتريها إلا بكميات محدودة، وقد اعترف ناشرو هذا الشعر، بأن عملية بيعه في تراجع، وحتى لأبرز الأسماء، وأن مخازنهم تمتلئ بالمرتجع أو البائر من دواوينه. أما لماذا؟ فهو سؤال لا أستطيع أن أجيب عنه، ولعلني أتساءل معك: لماذا؟ والمهم أن ما ورد في سؤالك صحيح، وعلى الشعراء قبل متلقيهم أن يحاولوا تجاوز هذه الحالة، وإعادة ثقة القراء بشعرهم، مثلما كان عليه الأمر قبل سنوات.
هناك اهتمام ملحوظ عراقياً وعربياً بالروائي عبدالرحمن الربيعي، وبقدر ما هو مفرح ورائع على الصعيد الإبداعي، له أسبابه أيضاً؛ فما هي برأيك؟
- أسباب هذا الاهتمام ربما ينطبق عليها المثل العربي الشائع (لا يصح إلا الصحيح). وأنا واحد من أدباء لم تتبنانا أحزاب ولا مؤسسات ثقافية عربية، ولسنا من المبشرين لآداب أخرى، بل نحن أدباء عرب وطنيون شرفاء مخلصون، لم نبع أقلامنا ولا ضمائرنا، ولم ننتمِ لجوقات المهرجين، ولا ماسحي الأكتف وخونة المواقف. ولعل المواقف الصعبة هي التي تكشف معادن المبدعين، فهي التي تضع أمام الاختبار كل ما نادوا به، وتحدثوا وكتبوا عنه، وأن المسألة ليست مسألة ادعاءات فقط. ومن المؤسف أن أدبنا العربي مليء بـ(المافيات)، فهل صدفة أن لا تجد أمامك في كل المناسبات، وما تعج به الجرائد والمجلات إلا وجوهاً معينة، أصبح أصحابها أشبه بالفرق الغنائية التي يأتون بها في المناسبات، ولكن الفرق أن هؤلاء لم يأتِ بهم أحد أو يطالب بهم، وأنهم جاهزون. وأقسم لك أن بعض هؤلاء، صار ذكرهم يورث الغثيان، ويدفع بالقيء إلى بلاعيمنا.
وماذا تضيف أيضاً من الكلمات الحالمة لديك أخي المبدع والروائي الكبير عبدالرحمن مجيد الربيعي؟
- اسمع يا صديقي، أقول لك بكل غرور؛ إذ لا داعي لأي تواضع كاذب: أنا رجل جاهدت، وصبرت على مدى سنين وسنين، قرأت كثيراً، كتبت كثيراً، اهتممت بالآخرين كثيراً، وكل حركة أدبية لا بد أن تراجع نفسها بعد أن تمر عليها عدة عقود. وليس صدفة أن يعترف الشاعر (سامي مهدي) مثلاً في كتابه (جيل الستينات.. الموجة الصاخبة)؛ أنني أول من قام بتجميع أبرز أسماء هذا الجيل، وأنني أول من حاول أن ينظر لا للقصة فقط، بل وللشعر أيضاً -أي شعر ما بعد الرواد. إنني أعرف هذا الدور وأعيه وأعرف ما فعلته، ولكن الحقائق جاءت تثبت هذا وتؤكد هذا الدور. وليس صدفة أن يقول عني أحد النقاد قبل سنوات: (الربيعي رائد جيل وعلم مرحلة).
وأنا سعيد بأن ملامح أفعالي وأعمالي قد بدأت تتضح، وعادت (السيف والسفينة) مجموعتي القصصية الصادرة عام 1966م إلى الصدارة من جديد، في طبعات، ليجري الحديث عن مكانتها المؤثرة والاستثنائية في القصة العراقية، وتصلني عديد الكتابات والإشارات حول هذا الأمر. أكرر يا صديقي بأنه وفي نهاية المطاف: لا يصح إلا الصحيح.

ذو صلة