مجلة شهرية - العدد (532)  | يناير 2021 م- جمادى الأولى 1442 هـ

حمور زيادة: (المرجعية الثقافية) للمبدع سقوط!

منى حسن: السودان


حمور زيادة كاتب صحفي وروائي سوداني، من مواليد مدينة أم درمان أو (أم دُر) كما يحلو لعشاقها تسميتها، العاصمة الوطنية والثقافية، وحاضنة تاريخ الحضارات والبطولات والأدباء والفنانين.. اشتغل زيادة بالمجتمع المدني لفترة ثم اتجه للعمل العام والكتابة الصحفية. نال في مسيرته الأدبية عدة جوائز وتكريمات أهمها جائزة نجيب محفوظ 2014، عن روايته (شوق الدرويش)، ودخلت الرواية نفسها القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) في 2015. كما صدرت ترجمة إنجليزية عن روايته (شوق الدرويش) عن دار Hoopoe في 2016.
ولا يخفى على المطلع على أعمال زيادة ارتكازها على فنية عالية في التصوير تجيء في ثوب سرد شيق يحيط القارئ بعوالم من الخيال والرمزية تستقي دهشتها من ثنائية الزمان والمكان الغافيين بحضن التاريخ، بينما تبتكر الشخوص والأفكار في محاولة لإعادة قراءة التاريخ عبر الرواية كما صرح للمجلة العربية في الحوار أدناه الذي يتناول تجربته الكتابية ومحاور أخرى:
- وقعت تفاحة فألهمت نيوتن نظريته، فما الذي ألهمك فكرة الكتابة؟
يقولون إن حكاية نيوتن والتفاحة هي أسطورة حضرية. وإن الرجل كوّن نظريته عن الجاذبية على مهل وعبر سنوات طويلة. لم يكن الأمر إلهاماً مفاجئاً. أعتقد أني دخلت لعالم الكتابة بذات التمهل والتراكم، فأنا أكتب وأرسم منذ أن كانت لي ذاكرة.. لماذا؟ لا أعرف!. كانت المجلات وروايات الصبيان تشعلني شغفاً، فكنت أحب أن أكتب وأرسم مثلها. كيف قادني ذلك لأصبح كاتباً؟ لا أدري!. فجأة وجدتني كذلك. مهنتي التي ليس لدي غيرها. وهُويّتي التي أُعرف بها.
- بين الرواية والقصة القصيرة أين تجد نفسك أكثر؟
لا أجيد كتابة القصة القصيرة. أكتب الرواية وأكتب القصة، لكن القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً هما نوعان استعصيا عليّ. أحسد من يكتبهما، فأنا أرتاح لكتابة القصة الطويلة ربما أكثر من الرواية. أحس فيها أنني متدفق بلا حواجز. كعدَّاءٍ يجري بلا قيود. الرواية أصعب.. عملية بناء الهيكل والشخوص والمحافظة على إيقاع يشد القارئ، لكن لهذه الصعوبة متعتها أيضاً. من الصعب أن أختار بين النوعين. ربما سأظل أتنقل بينهما حتى النهاية.
- برأيك ما أهم مقومات القصة القصيرة الناجحة؟
التكثيف الشديد طبعاً، وصدمة النهاية. ذروة القصة القصيرة في رأيي يجب أن تكون مدهشة وصادمة وتنهي كل شيء. لكن لكل كاتب طريقته، ولكل قارئ ما يفضله. حين أقرأ القصة القصيرة فإن هذا ما أحبه فيها.
- مما لا شك فيه أننا نعيش أزمة تلقٍّ في مجتمعاتنا العربية، فهل استطعت كروائي النجاة من فخ كتابة نفسك، والوصول إلى بر موت المؤلف؟
منذ أول عمل لي كان هاجسي ألاّ أقع في الكتابة عن نفسي. أنا لا أؤمن بالكتابة عن الذات. أنا أؤمن بالحكاية. القارئ يريد مني حكاية، لا يريد أوجاعي الشخصية ورؤيتي الفلسفية وأفكاري في الحياة والناس. أعني أنه لا يريد ذلك بشكل مباشر، وإلا فإن كل عمل فني فيه من صاحبه وأفكاره ورؤيته. لذلك فأنا أقدم رؤيتي عبر اختياري لما أحكيه، وكيف أحكيه. لست مهتماً أن أكون محور كتابتي.
- لكل كاتب مرجعياته الثقافية، كيف تصف التفاعل بين مرجعياتك التراثية والثقافية فيما تكتب؟
لا أعرف هل وصف (المرجعية الثقافية) دقيق بالنسبة للكاتب أم لا. الكاتب ابن خليط من الثقافات. هو ابن تراث العالم. فوعي الكاتب متأثر بالأدب الروسي والأدب اللاتيني والأدب العربي والشعر والأساطير المحلية والميثلوجيا العالمية والسينما والموسيقى والنحت. إن حكايات آلهة الأولمب في الإلياذة جزء من تكوين أي روائي اليوم. وكلما قرأ أكثر واطلع أكثر ازداد وعيه الثقافي. لذلك قد لا أصف أن ما لدي هو (مرجعية ثقافية)، بقدر ما أحاول أن تكون ذخيرة فنية من شتى أنواع الفن.
- هل تفضل كروائي إعادة إنتاج التاريخ من خلال ما تكتب، أم هدمه برؤية جديدة وشاملة؟
الرواية لا يمكن أن تهدم التاريخ. الرواية تتكئ عليه. تسبق المؤرخين بخطوة لاعتمادها على الخيال. تنشئ واقعاً موازياً. تعيد تفكيك المرويات التاريخية. لكنها أبداً لا تهدم التاريخ.
إن التاريخ هو مجموعة روايات تخضع للتمحيص لتنقيتها من الخيال. أما الرواية فهي خيال محض، مهما اعتمدت على واقع أو تأريخ أو علم. لذلك فأنا أفضل إعادة قراءة التاريخ عبر الرواية، لا إعادة إنتاجه ولا هدمه.
- كنت السوداني الأول الذي ينال جائزة نجيب محفوظ عن (شوق الدرويش)، كما دخلت الرواية نفسها القائمة القصيرة للبوكر، فهل أنصفك النقد أم الجمهور؟
أظن أن الرواية لقيت قبولاً من الجانبين. لا أستطيع أن أشتكي من أي منهما. إنها رواية محظوظة.
- إلى أي مدى يؤثر النقد في لحظات الكتابة عندك؟
لا يؤثر في لحظة الكتابة. لكني أهتم بالاطلاع عليه بعد النشر. فميزة النقد المتخصص أنه يقرأ ما قدمته بأشكال ربما لم ترد على ذهنك. لكنه الفن وما يفعله. فلكل عمل فني مستويات قد لا ينتبه لها أحياناً الكاتب. لذلك فأنا أتعرف أحياناً على ما أكتبه حين أقرأ نقده.
- هل تسعى لتغيير الواقع من خلال رواياتك، أم تحاول تصحيحه بنقض الموروثات الخاطئة وتسليط الضوء عليها؟
أنا أكتب لأني أحب الكتابة. وأكتب لأني لا أحسن عمل شيء آخر. لكن الكتابة -وهذا من محامدها هي لا من محامدي- مشروع جمالي مقاوم لقبح العالم الذي نعيش فيه. أنا لا أدعي بطولات بكتابتي ولا أتبنى بها مشاريع عظمى. أنا أكتب لأن هذا ما أحبه وأجيده. مثلما يزرع شخص محب للنباتات الزهور في حديقة منزله. إنه يسعد نفسه. لكن هذا العمل الأناني الصغير يقاوم فناء العالم ويحارب الاحتباس الحراري، رغم أن صاحبه لم يدَّعِ التزامه باتفاق باريس للمناخ!.
- ما أهم مشروعاتك الإبداعية القادمة؟
هناك رواية قريبة بإذن الله من إصدار دار العين. ربما تصدر في الشهور القريبة المقبلة.

ذو صلة