مجلة شهرية - العدد (542)  | نوفمبر 2021 م- ربيع الأول 1443 هـ

أميمة الخميس: الكتابة سيدة نزقة عصية على الترويض

داليا عاصم: مصر


حفرت الروائية السعودية أميمة الخميس لنفسها مكانة مميزة في عالم الرواية، حيث خاضت بروايتها الأخيرة (مسرى الغرانيق في مدن العقيق) منطقة تاريخية مليئة بالأسئلة الفكرية حول تاريخ الحضارة العربية وأفولها، تلك الرواية توجتها أول روائية سعودية تفوز بجائزة نجيب محفوظ للأدب التي تطلقها سنوياً الجامعة الأمريكية بالقاهرة في يوم ميلاد أديب نوبل من كل عام، وتفتح للروايات الفائزة باب العالمية عبر ترجمة الرواية للإنجليزية. (المجلة العربية) التقت أميمة الخميس عقب فوزها لتتعرف على سر اختيارها للقالب التراثي بعد تجارب سابقة تناولت فيها الحياة الاجتماعية السعودية المعاصرة، فإلى الحوار:
- نهنئك على فوزك أول سعودية بجائزة نجيب محفوظ للأدب، هل توقعت الفوز؟
لم أتوقع جائزة نجيب محفوظ بعينها، ولكن توقعت أن تلقى هذه الرواية صدى، لاسيما وأنها أخذت مني مجهود أربع سنوات، نحتها فيها سطراً تلو الآخر، كما أنها تقارب موضوعاً لم يبرح متداولاً في فضائنا الفكري منذ ما يربو عن الألف عام، وهو صراع العقل والنقل، صراع النصوصية من طرف والاستجابة لقانون التغير الأبدي على الطرف المقابل. ولعل غرفي من مادة التراث الخام المغيبة داخل أمهات الكتب جعل لجنة الجائزة تجد بها ما يتجاوز العادي والنمطي. يصف هذا دكتور رشيد عناني، برفيسور الأدب في جامعة لانكستر، عضو لجنة الجائزة بقوله: (رواية مسرى الغرانيق في مدن العقيق تعكس تعاطفاً كبيراً مع الاتجاهات الإنسانية في الفكر العربي، والنفور من التفسيرات الاستبدادية الصارمة. إن رؤيتها المتسامحة المتحررة على الرغم من أنها تقع في القرن الحادي عشر لها امتدادات واضحة لمناهضة التطرف والتعصب الديني في الحاضر. لتتبلور في النهاية رواية جادة تتناول الزمن الحالي من خلال التاريخ).
- ما الذي دفعك لخوض مضمار الكتابة؟
لم يكن قراراً ذاتياً مستقلاً، لكن لربما اختار نجم سعدي أن أولد وفي فضائي وحولي على مد النظر أحرف ومفردات تبرق وتسبح في مداراتي، ويتبرعم الوعي على الجدران التي ترصف فيها الكتب من الأرض حتى السقف، ونكهة الأمسيات التي كان يقضيها أبي وأمي تحت شجرة ياسمين في الحديقة المنزلية، وهما منهمكان في مراجعة كتاب حيث والدي يقرأ وأمي تدون أو أبي يقرأ وأمي تراجع، والدتي تلك الكنعانية الفلسطينية الوضيئة التي أفضت إلى قلب نجد ودخلت عباءة رجل يكابد حلماً كبيراً فشاطرته بعضاً منه.
كان الكتاب سواء مؤلفات والدي أو ما تنتجه مطابع العالم، كائناً منزلياً أليفاً يشاركنا وإخوتي جميع ردهات المنزل، إلى جوار صحيفة الجزيرة اليومية التي أنشأها والدي بالرياض في منتصف الخمسينات، فكان يتأبطها الوالد وهو يلج المنزل من العمل بحنو وحرص، فأشعر من خلال هذا الحرص بأن داخل جنبات هذه الأوراق الكبيرة التي تطوى وتنشر بين يديه تبرق حقول وتعشب حدائق وبهجة لا تندثر. لربما كانت هذه هي البئر الأولى التي تشربت أصابعي منها قداسة فعل الكتابة.
- لك مقولة بليغة (السرد أرض أنثوية) تشي بأن للحكي دوراً مهماً في إثراء مخيلتك؛ أليس كذلك؟
لطالما ارتبط السرد بالمرأة، فذاكرتها هي مستودع الجماعة و(سباحينها) تضمر المتواري والمسكوت عنه، وذلك المقصي عن المدونة الرسمية. فالمرأة عندما يضيق بها الحيز الذي تتحرك به، وترتفع دونها والعالم أستار وحجب؛ تستجير بالذاكرة والمخيلة، لتؤثث بها البيت الذي تقبع خلف جدرانه. ارتباط المرأة بالسرد هو ارتباط جيني أو لربما دعينا نقول هو ارتباط مشيمي، فالمرأة لا بد أن تسكب العالم في قوالب السرد كي تنظم فوضاه واضطرابه. يقول الروائي الشهير ماركيز (العالم الذي يدفعه الرجال إلى الهاوية، تلتقطه النساء قبل السقوط وتعيد تشكيله على شكل قصص وحكايات).
وأيضاً المرأة تستعين بالسرد مربياً ومعلماً تمرر الأم في أوعيته قيم الجماعة  وأخلاقياتها لأبنائها، ابتداء من مرحلة باكرة أثناء حكايات المهد وما قبل النوم. لنصل في النهاية إلى إن إيقاع الشعر جامح فروسي ينسجم مع خصائص الذكورة في الكون ومضمار السباق والنزال؛ بينما يبقى السرد أرضاً أنثوية.
- في روايتك (مسرى الغرانيق) أجواء عبقة تمتع القارئ وتثقفه؛ هل نعتبرها اللبنة الأولى في مشروع أدبي طويل الأمد؟
رغم أن (مسرى الغرانيق في مدن العقيق) هي تجربتي الأولى في الرواية التاريخية؛ لكن المتعة الفائقة التي كنت أشعر بها وأنا أنحتها، استدرجتني لرواية تاريخية ثانية أعمل عليها الآن. فمحاولة التنقيب عن ما وراء الواجهة التاريخية الرسمية، حتماً ستقودنا لأنسنة التاريخ وقراءته بمنظور أقل تشنجاً وأكثر تسامحاً.
- هل تعتبرين القالب التراثي نوعاً من تأصيل الرواية العربية؟
الموروث الثقافي العربي شاسع وهائل ومتنوع، لكنه أيضاً ما برح مهجوراً في حالته الخام، أسير القراءة الأحادية له؛ لذا فالتنقيب في هذا التراث، لن يمدنا بمادة ثرية فقط؛ لكنه سيفتح النوافذ، ويدخل ضوء الشمس إلى الأقبية ويحررها من النسيان عبر قراءة نضرة مختلفة قادرة على أن تسكن هذا التراث في سياقه التاريخي الزماني والمكاني.
- لماذا لم تأخذ الرواية مكانتها المستحقة في الأدب العالمي؟
الدخول إلى العالمية يتطلب ركاماً من التجارب الإبداعية المهمة والملفتة القادرة على استقطاب الذائقة العالمية، وفي عموم العالم العربي لم يوجد تجارب عالمية لافتة عدا أعمال جبران ونجيب محفوظ وأمين معلوف وبعض من أعمال غادة السمان. وهذه الأسماء التي تعد على الأصابع لا تستطيع أن تقتحم الذائقة العالمية شأنها شأن أدب أمريكا اللاتينية على سبيل المثال أو كلاسيكيات الأدب الروسي.
هذا بالإضافة إلى قصور كبير في مشاريع الترجمة في العالم العربي التي تستطيع أن تصطفي الإصدارات المتميزة وتقدمها للعالم بأسره، رغم أن القوى الناعمة التي تعكس إنسانية شعوب المنطقة ومعاناتهم هي جزء مهم من علاقتنا مع المجتمع الدولي.
- اختيارك لبطل الرواية (مزيد الحنفي) جاء ليعبر بمقاربة شديدة مع حالة الاغتراب الثقافي الذي نعايشه الآن؛ أي رسالة تريدين توجيهها عبر مسارات روايتك؟
ينطلق مزيد الحنفي من قلب الجزيرة العربية متأبطاً أحلامه الشاسعة ولواعج السؤال المعرفي في أعماقه. ومنطقة وسط الجزيرة العربية شهدت تحييداً وإقصاء عن الواجهة الثقافية عبر التاريخ، تلك الواجهة التي استأثرت المراكز الثقافية بها على حساب الأطراف. فوسط جزيرة العرب كانت منطقة غنية بإنتاجها الثقافي، ومنها خرج شعراء المعلقات، وأبرز شعراء العصر الأموي، وفي ذاتها رحم ولّادة بالمبدعين، قبل أن تطمس تلك التجارب تحت رمال النسيان والإهمال. ومن هنا تحاول شخصية مزيد الحنفي أن تشد الانتباه إلى تاريخ وإرث هذه المنطقة العريقة.
 - جعلت بطل الرواية يجوب العالم من الشرق إلى الغرب؛ فهل تعشق أميمة الخميس الترحال؟
الرحلة دوماً تأخذ بعداً أسطورياً في الحكاية ومعراجاً تصاعدياً يرمز به إلى حالة الانتقال، والمخيال الجمعي يكمن فيه دائماً رمز الرحلة والانتقال، سواء عبر رحلة عوليس في الإلياذة والأوديسة أو رحلة السندباد في الأدب العربي؛ جميعها تحيلنا إلى أن الهجرة هي حالة تجب ما قبلها، لتستأنف مساراً ومصيراً مختلفاً. ورحلة مزيد الحنفي المحلقة بأجنحة الغرانيق هي رحلة تحاول أن تستجلي معميات السؤال، لتصل إلى تلك المنطقة الغامضة في ثقافتنا وذلك البرزخ العميق الذي يقع ما بين شغب العقل وبلادة النقل.
 - هل يمكنك أن تحدثينا أكثر عن أهمية الأمكنة في أعمالك؟ هل تختارينها أولاً، أم تقودك الشخصيات إليها؟
رواية مسرى الغرانيق في مدن العقيق تضج بالأمكنة التي تشكل في مجملها كامل المشهد الثقافي في القرن الرابع الهجري: فبغداد كانت موطن الخلافة العباسية وقبلة الأدباء والشعراء والمفكرين والتي كانت بدورها تكابد صراعاً بين التيارات الفكرية والسياسية. حتى إذا انتقلنا للقدس سنجد أنها كانت تلعق جراحها وتمسح دموعها بعد هدم كنيسة القيامة ومساواة طولها بعرضها بأمر من الحاكم بأمر الله الفاطمي والذي كان بدوره يستأثر بحكم مصر بشكل يغلب عليه الاستبداد والطغيان. حتى إذا انتقلنا إلى الأندلس سنجدها تعاني من ما يشبه الحرب الأهلية بعد سقوط الدولة الأموية المركزية القوية في القرن الرابع الهجري، وتفتت الأندلس إلى شيع وطوائف متنافرة تعاني في نفس الوقت من تهديد الفرنجة. جميع ما سبق نتج على هامشه مادة تاريخية غنية استثمرت جزءاً منها في رواية مسرى الغرانيق في مدن العقيق.
- (زبدة الحقب) ما الذي أثار اهتمامك بتلك الحقبة تحديداً وأغراك بالكتابة عنها؟
أطلق المؤرخون على القرن الرابع الهجري (زبدة الحقب)؛ لأن الحياة الفكرية والثقافية في العالم العربي والإسلامي قد نضجت واتضحت معالم هويتها، فشبه اكتملت المذاهب الفقهية الأربعة، وكان هناك تيار المعتزلة وانعكاس حمولته الفكرية على الاشتغالات الفكرية، أيضاً مؤلفات إخوان الصفا. وانتشرت لدى الوراقين آلاف المترجمات التي خرجت عن دار الحكمة نقلاً عن الإغريقية أو اليونانية، وسوى ذلك كثير من النشاط الفكري والأدبي الذي كان يكتنف المساجد ودور العلم وبلاط السلاطين، وبالتالي نتج عن هذا حركة فكرية ثرية ونشطة أمدت العالم بأسره بكم ثمين من المؤلفات ذات الأسقف الفكرية الفلسفية المرتفعة.
  - كيف رأيت المعتزلة في حنايا التاريخ؟ وكيف صورتيهم في روايتك؟
لا نستطيع أن نستقطع جماعة المعتزلة عن مساراها التاريخي الزمكاني، وبالتالي هي حركة. وإن كان يحسب لها في بعض مسائلها الفكرية توظيف العقل واستعمال الأدوات الفلسفية في تفسير القضايا الفكرية الشائكة؛ إلا إنها تظل جماعة مخلصة لطبيعة عصرها، فقد استبدت وطغت ضد الآخر المختلف، ولوحت بقبضة السلطة في صراعها مع النقيض، وذلك عندما كانت تحت الحماية السياسية في زمن الخليفة المأمون، وهو أمر نجد ما يشبهه في عصرنا الحاضر، وذلك بالتأكيد ينتج عن غياب قيم الإنسان والتعايش والتسامح وقبول المختلف عن فضائنا الفكري عموماً.
- كتبت عن زمن تفجرت فيه الأسئلة الكبرى؛ هل نحن في زمن ماتت فيه الأسئلة؟
بالعكس الأسئلة لم تمت، بل هي تعيد استيلاد نفسها عند كل منعطف تاريخي، والمفارقة بأن سؤال العقل والنقل ما برح حاضراً بقوة في مجالنا الفكري، وذلك بعد ألف عام من طرحه. ولكن لن أنظر إليه عبر الجانب المعتم المتشائم؛ لأنه يحيلنا بدوره إلى شعوب تتقن اجتراح الأسئلة، وهذا بحد ذاته مؤشر إيجابي ومكتنز بالوعود.
- ما رأيك فيما يسمى (الرواية الرقمية) أو التفاعلية؟
الرواية الرقمية أو التفاعلية خاضعة لقوانين الاضمحلال والتلاشي، وهي القوانين التي أسماها الفيلسوف البولندي الحديث (باومان) بالأزمنة السائلة. فالنص التفاعلي حينما ينسكب في نهر العالم الافتراضي الهائل يصبح مادة قابلة للتغير للتبديل.. للاجتزاء.. للذوبان والاضمحلال. النص الرقمي وإن أسهم بانتشار النصوص المكتوبة على نطاق واسع إلا أنه لن يستطيع أن يجد له حيزاً ثابتاً مكيناً في ظل التدفق الهائل لتيار الأزمنة السائلة.
- بين لذة الكتابة وعذابها؛ هل حققت أميمة الخميس ذاتها عبر السرد؟
الكتابة ليست غاية أو هدفاً للوصول؛ بقدر ماهي نمط حياة. تظهر بها تجليات الرحلة وصبواتها وألقها، وأيضاً منعطفاتها. فخلف كل (هناك) يبزغ (هناك) جديد آخر يلوح لنا ببروقه ورعوده، فيشد عندها القلم الرحلة صوبه.
- درست اللغة الإنجليزية وتتقنينها، هل تفكرين يوماً في الكتابة بها أم أنك تؤمنين بأن الكاتب ابن ثقافته الأم؟
الكتابة حبرها من نسغ العروق، وبئر الذاكرة، وأسرار المفردات المكتنزة بتاريخها وإرثها، لذا سيبدو مستحيلاً توظيف أي لغة عدا لغتي الأم في اقتراف فعل شاهق ومقدس كالكتابة.
- كيف تقيمين المشهد السعودي الآن؟
النتاج الفكري والثقافي والإبداعي السعودي ليس جديداً أو طارئاً على المشهد، وله حقوله العريقة جذوراً وأغصاناً، إضافة إلى إن المشهد الآن يبرق بالوعود، لاسيما إن النتاج الثقافي يمثل ركناً من الأركان التي تقوم عليها الخطط التنموية المستقبلية 2030.
 - ما هي نصيحتك للكاتبات في بداية الطريق؟
أن تجعل من الكتابة هدفاً ومصيراً، وتحدب عليها وتعطيها جل وقتها ونضارة ساعاتها. فالكتابة هي سيدة البلاط، لا تقبل بهوامش الوقت وفتاته. وأن تغذيها بشتى أنواع المعارف، فالكتابة الأصيلة نهمة ومتطلبة. وأخيراً أن تنسجم مع نزوات السيدة الكتابة وأمزجتها فهي سيدة نزقة عصية على الترويض.
- هل يمكن أن تراودك القصيدة مرة أخرى، أم أنك هجرت الشعر إلى فضاء الرواية؟
القصيدة لم تغادرني، ولم أهجر الشعر قط. ويظل حاضراً في كل نتاجي، وكثيراً ما تكون اللغة الشعرية هي أبرز ما يظهر في كتاباتي الروائية. الشعر بالنسبة لي حالة متصلة لا تخبو ولا تندمل.

ذو صلة