مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

فُرْجَة السماء

من نافذتي الضيقة رأيت أمي تطلُّ من فُرجة في السماء، كانت الفُرجة ضيقة بالكاد يظهر منها وجهها، وسَّعَتها بيديها فظهرت بشكل أفضل، يبدو أنّ السحب ليّنة أكثر من الطوب والإسمنت المحيط بإطار نافذتي.
أترينني وترين أبي وإخوتي؟
لا عليكِ إنْ وجدتِ أبي قد تزوّج وأجهدنا في البحث عن زوجة، وإنْ كانت عمتي ذهبت تخطب له بعد أسبوع من موتك، فقد قال لنا إنه ينفِّذ وصيّتك وكم طلبتِ منه أن يتزوج في مرضك لكنه كان حريصاً عليكِ.
وأنا لم أحقق حلمي بحضور ندوة في القاهرة، والناشرة التي نشرت روايتي لم تشارك بها في أيّ مسابقة، ولم ترسل لي نسخاً منها، فهي غاضبة لأني لم أزُرها في مقرّها في القاهرة، ولا تصدِّق أنَّني لا أستطيع السَّفر دون موافقة زوجي.
نسيتُ أن أخبركِ.. ابنتي تزوّجت والثانية على وشك، وبعدها سأفرّ لحلم الكتابة وحضور الندوات، لكني لا أعرف إن كان هناك متّسع من الوقت.
زوجة أخي المتوفى عادت تحدِّثنا عن خاطب جديد، ونحن نضع العراقيل في طريقها، لقد باتت عديمة الضمير ولا تهتم أن تتزوج من رجل متزوج وأب، تظنُّنا نقف في طريق سعادتها، ونحن نريدها أن تظلِّل على بناتها، وبعد تزويجهن تربّي أولادهنّ، وإن أرادت بعد ذلك الزواج فلتتزوج أرملاً مسنّاً.
وأخي يجاهد من أجل لقمة العيش، ولا يستطيع ادِّخار مالٍ يحرِّر به البيت بعد أبي، فزوجة أبي سترث الثُّمن في البيت.
أختي ترسل إليكِ السّلام، فهي دائماً تذكركِ وتحنّ إلى جلساتها معكِ في ليالي الشتاء، فبعد زواج أبي ما عاد البيت بيتنا، ونطمئنّ على أبي بالهاتف.
تريدين معرفة نبذة عن زوجة أبي؟
إنه الزوج الخامس لها، واحد من أزواجها وأظنُّه الرابع مقبور أمام قبرك، تقف هي وأبي كلٌّ منهما ظهره للآخر، هي تقرأ الفاتحة على الزوج السابق وأبي يقرأ الفاتحة عليكِ، ثم تتعلّق في ذراعه إلى البيت.
تقول إنها في منتصف الأربعين وهي تسير نحو الستين، لا ضرر، فأبي يعبر السبعين هذه الأيام.
تزوّجت في البداية من رجل تخلّى عنها لعدم الإنجاب، وقد كانت تريد أن تكمل معه حياتها، بعد أقل من سنة تزوّجها تاجر من الإسكندرية، أراد إخوته تزويجه من امرأة تخدمه ولا تنجب خوفاً على أملاكه، عندما مات وانتهت أيام العزاء وضعوها وأشياءها في صندوق سيارة نقل إلى بلدها، دسَّ أحد الإخوة في يدها مبلغاً من المال وأخذ خاتمها على ورقة بأنّها أخذت مستحقّاتها.
عادت تقاسم أمها الفراش، وزوجة أخيها لملمت حاجياتها في مخزن (الكراكيب).
تكرَّرت زيجاتها على المنوال نفسه بفضل الميزة التي كانت سبب انفصالها عن الزوج الأوّل وهي عدم الإنجاب، عندما وصل إليها أبي كانت قد فهمت اللعبة في زيجاتها السابقة، كان القرار في يد إخوة الرجل أو أبنائه، أمّا في حالة أبي فالقرار في يده، فقرّبته منها وباعدت بيننا، حتى أنه ما عاد يذكر أنّ له أبناء.
الفُرْجة تتَّسع، وأمي تبدو واقفة، لا... أرجوكِ لا تغادري السماء، فلا مكان لكِ هنا وسط الأموات.

ذو صلة
التعليقات