مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

قلب في زجاجة

اعتاد الصياد العجوز جمع الزجاجات المحملة برسائل العشق المبتور الذي لم يُكتب له الصمود أمام أمواج الحياة المالحة، كانت هذه هي لذته الوحيدة في دُنياه، فمن خلال قراءة مئات الرسائل التي يستقبلها بصدر رحب من البحر، كان يُرمم قلبه الصغير الذي لطالما وُصِم بقلة الرحمة منذ أيام شبابه؛ فقد دَأبَ على كسر قلوب حبيباته عاماً تلو الآخر، لكن مع قراءة مئات الرسائل على مدار عشرين عاماً الأخيرة صار قلبه مكتظاً بمشاعر لم يجربها من قبل. الحب، الندم، الخذلان؛ حتى بات يؤلمه قلبه بعد كل رساله يقوم بقراءتها، وقد نصحه الطبيب بتقليل التعرض لمثل هذه الرسائل.
فكر كثيراً في التخلي عن هوايته التي لا تفعل به شيئاً سوى جعله أكثر هشاشة من ذي قبل، لكنه كان يضعف عندما يعثر على زجاجة جديدة، وكأن الرسالة بداخلها تتوسل إليه كي يقرأها، وفي حقيقة الأمر كان يشعر بقليل من الوخز في صدره إذا ما قرر تجاهل أي رسالة وضعت في زجاجة، وها هو يعثر في صباح هذا اليوم الغائم على زجاجتين دفعة واحدة قدمتها له الأمواج الهائجة.
فتح الزجاجة الأولى ليجد رسالة كُتبت بخط رفيع غير واضح بالكاد استطاع قراءته:
(لم أعد قادرة على تحمل نظرات اللوم والاتهام التي أحاطني بها من حولي كل هذه السنوات بعدما قرر إنهاء حياته، وهل كان ذنبي أن قلبي لم يخفق له ولو لمرة واحدة، هل أستحق كل هذا البؤس من أجل قول كلمة لا، حتى الكلمة الواحدة ليست من حقي، فلماذا أظن أنه يجب علي الاستمرار في هذه الحياة بعد الآن. أعلم أني سأصبح مجرمة في عيونهم، بينما هو سوف يذكره الجميع بشهيد الحب).
تنهد طويلاً بعد قراءة الرسالة التي لم تحمل توقيع أو اسم المرسل إليه، ومن ثم نظر إلى الزجاجة الأخرى طويلاً، واضعاً في اعتباره أنه يجب عليه الأخذ بنصيحة طبيبه الذي حذره من قراءة أكثر من رسالة في نفس اليوم خوفاً على قلبه، لكن الصياد لم يكترث.
فتح الزجاجة الثانية، وتحدياً منه لأوامر الطبيب الثرثار؛ قرأ الرسالة بصوت مرتفع هذه المرة على غير العادة:
(إلى من لا يهمه الأمر
كنت أعلم أنك لم تكن أجمل أو أذكى أو أغنى رجل قابلته، ومع ذلك أحببتك واعتقدت أنك تبادلني نفس المشاعر، لكن خوفك يمنعك من الحديث عن الأمر، لذا كنت أنا الشجاعة واتخذت الخطوة الأولى وصارحتك بحبي، لكنك لم تقل سوى هذه الجملة: أنتِ جميلة.
كنت أظنها في البداية تصريح خجول منك بحبك لي وترجمتها في عقلي: (أنا ايضاً أحبك)، لكنها لم تكن كذلك، فعندما تعمقت في قلبك علمت أنك لا تكمل حديثك حتى نهايته ثم ترحل، وأن الجملة التي قلتها كانت ناقصة، وعرفت المقصود فيما بعد، عندما تركتني خلفك بلا أي سابق اعتذار أو وداع، وعدت إلى حبيبتك السابقة. إن الجملة التي أردت قولها هي: (أنتِ جميلة، لكني لا أحبك، أنا فقط كنت بحاجة لبعض الاهتمام المؤقت).
بمجرد قراءة الكلمات الأخيرة من الرسالة الثانية، تحرك قلبه بقوة حتى أدرك أنه يكاد يخرج من بين ضلوعه، لم يتحمل الصياد كل هذه الدقات المجنونة، صرخ متألماً وأمسك صدره بيده اليسرى، وكأنه يحاول تهدئه الدقات المتسارعة، وباليد الأخرى تناول السكين الحاد الذي اعتاد استعماله في تنظيف الأسماك، وبحرص شديد شق صدره وأخرج قلبه.
حمل القلب بعناية فائقة، ملاحظاً الزيادة في حجمه وتسارع دقاته، حتى أنه كاد ينزلق من بين كفيه عدة مرات، بحث لدقائق عن زجاجة مناسبة قادرة على استيعاب هذا القلب الذي قرر بصورة مفاجئة التمرد على جسده، وأخذ يكبر رويداً رويداً، إلى أن وجد الزجاجة المثالية، وضع القلب بحرص، وألقى عليه نظرة أخيرة، ثم أقفل الزجاجة وألقاها في البحر، ووقف بعدها يراقب الأمواج الجائعة وهي تبتلعها في لمح البصر، تمنى الصياد أن يعثر على قلبه ويستخدمه أحد أولئك الذين كسروا قلوب حبيباتهم، لعله بذلك يصلح فؤاداً مكسوراً.

ذو صلة
التعليقات