مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

ابتسامة قديمة

ما إن فُتح الباب ورأيت وجهها خلفه حتى انفرجت أسارير ابتسامتها وتلألأ البِشر في عينيها المتعبتين.
(هاه يمه.. بشر؟ عساهم وظفوك؟)
كنت أتكئ على إطار الباب بلا حركة، أتأمل التفاؤل الذي ترتديه كقطعة ملابس لتخبئ تحته سريرتها. مرتفعة عني بثلاث درجات إلى داخل المنزل، تستغل خبرتها في الابتسام على مدى ثلاثين عاماً هي على الأقل سنوات عمري التي عرفت فيها ابتسامتها. أنا أعرف هذه الابتسامة، إنها ابتسامتها التي ولدت بها، التي جاءت معها إلى العالم. ألف مرة تخيلتها تنزلق من رحم أمها بطمأنينة وثقة والابتسامة تعمر وجهها الطفولي. لم أتخيلها تبكي ككل المواليد الذين يبادرون الوجود بصراخهم الثائر معبرين عن رفضهم له، الذين يفاوضون بنحيبهم واستنكارهم العالم عله يسترضيهم في أعمارهم المقبلة بدفعاتٍ مسجلة من السعادة والهبات المفرحة.
أطالت تمهلها مع القنوط المسيطر على وجهي ثم أمالت رأسها وثابرت: (لاااا.. وجهك يقول إنهم قبلوك)
انسحبتُ من أمامها ولم أجبها، ولجت الدار وهي تستدير خلفي لتطاردني ببصرها ورميت جسدي في مجلسنا الأرضي. تركتها واقفةً بجانب الباب تنظر إليّ ولا تستسلم، تضع كفها على فمها وتناور توقعاتها لتهزمها. تحاول مباغتة حزني وامتصاص خيبتي لتبث فيهما أملها العقيم وتفاؤلها المريض والممرض. تقف في مكانها متكهنةً ما حدث مع لجنة التوظيف، تتخيل وجوههم وأسئلتهم وأرديتهم وتنسج سيناريوهات الاختبار في مخيلتها. ثم لم تلبث طويلاً حتى أخرجت زفيرها بعد أن رأت كما رأيت أعينهم الهازئة بأحلامي التي قدمتُ بها شهاداتي مغفلاً أن أحشر بينها واسطة.
أعدتُ ظهري إلى الخلف ما إن جلستُ وجلتُ بنظري في حطام المنزل الممزق. رائحة الفقر تضوع من الزوايا فتعبئ خياشيم الكرامة وتمرغها بوحل الحاجة. أتقبل البؤس الموزع على أركانه رغم صموده كأنما أبتلعُ كومةً من الشوك. جدرانه الباهتة وأرائكه المتهالكة والفراغات الواسعة، منها إليّ، ومني إليها، نتبادل بها هزائم الأعطيات باللاشيء كما لو كان شيئاً. أتابع قطرات الماء المترشحة في النصف الأسفل من الزير، تتدافع وتتناكب حتى تلقي بنفسها واحدة بعد الأخرى في السلطانية تحته لتذكرني بسنوات عمري المهدرة.
(متى يعلنون النتائج؟)
رمت سؤالها ولم تنتظر إجابته، اتجهتْ إلى داخل الدار مبقيةً على باب الأمل موارباً أو ربما لتؤجل موعد الخيبة فلم أستطع سوى النظر إليها بحنق وهي تدب نحو مطبخها بسكينتها الثقيلة.
لستُ أعلم كيف تستطيع فعل هذا! أن تضمر كل هذا الحزن الأسود وتُظهر كل هذا الفرح الأبيض. أن تقابل إساءة الدنيا بالشكر وخيبات الحياة بالرغبة فيها. لا تحزن، لا تندب، لا تثور، لا تيأس، حتى شعرتُ أن ما تفعله فطرة نُفخت في روحها الجنينية مع شهرها الرابع. ليستْ أخلاقاً فتتغير أو تفاؤلاً فيتكسر أو تديناً فيتمكن منه الشيطان في لحظات ضعفها ليخرجها عن دائرة المؤمنين. تتشبث بتفاؤل السذج وآمالهم المخالفة للمنطق وأحلامهم بأن لا شيء يبقى على حاله سواءً أكان سيئاً أم جيداً. إيمانهم بأن القادم أجمل وطريقتهم في مهادنة الحياة دون أن تتوقف هذه الأخيرة عن إهدائهم خيباتها.
سمعتها في المطبخ ترمي جملها تباعاً مستغرقةً فيما تفعله. تفتح درجاً وتغلق خزانةً والتفكير باستسلامها يستفزني ولستُ بحاجته في الوقت الراهن، كنتُ مثاراً بالهزيمة وراغباً في النقمة والاحتجاج وهي ليست مؤهلةً بالقدرات ولا بالخبرات لتساند ثورتي. تتملكني سورة الغضب فيتمثل لي استسلامها كسببٍ أول لحزنها الدائم وتسلط الحياة عليها. تستجلب المآسي بخضوعها ويجب عليها أن تثور، أن ترفض وتصرخ برغبتها في السعادة فربما تنصاع الحياة لأمرها.
كل المآسي التي أوقعتها أرضاً لم تمنعها من الوقوف مجدداً والابتسامة ترتسم على وجهها. تاريخها مع الحزن، أو بشكلٍ أدق، تاريخ الحزن معها يشعرني دائماً بزيف ابتسامتها، لم تكن يوماً حقيقيةً أو متوافقة مع مجريات حياتها التي بدأتها بطفولةٍ بائسة هجرتها فيها أمها صبيةً في حجر والدها هاربةً من الفقر فكانت أولى مراحل الحزن الابتدائية معها قبل أن يعبث بعدها بها والدي على مدى خمسة عشر عاماً ثم يرميها في الشارع ومن خلفها ملابسها ليتزوج أخرى لم تكن تملك ما يجعلها أفضل منها سوى أنها أصغر، أصغر فقط. ثم لم تُظهر سوى الامتنان لأعمامها الذين احتالوا عليها وسرقوا ميراث أخيهم المتواضع وكأنها لا تستحق مواساةً بالمال على فقد أبيها! كل هذا ولم يتوقف حزنها ولم تتوقف ابتسامتها، تناوبها القدر بالحزن بين العام والآخر فأسقط لها حملين وأخذ منها صبيةً في عامها الخامس ولكن ثقتها به لم تتزعزع. يا إلهي! ما الذي تنتظره بعد كل هذا؟ لا أعرف سبباً واحداً يجعلها تبتسم! أشعر بابتسامتها اليوم وجعاً يجتاحني من حيث أرادتْ لها أن تكون بلسماً يجمع أشلاء المهزومين ويعيد ترميمهم.
نظرتُ إلى المطبخ حيث تجرجر قدميها وأنا أمتلئ حنقاً لموقفها المستسلم من الحياة. يغرغر الحزن بحنجرتها ويصلبها على أبواب الخيبة. تنشق المرارة وصوتها يتحشرج بنشيجٍ خافت تحاول إخفاءه ولكنها لا تنجح. أصغي لما يحدث لها خلف حائط المطبخ حتى خرجت منه تحمل في يدها كأساً من الماء. تمشي نحوي وتلثم أنف حزنها بيدها لتبعد نشيجه وتنظر إليّ وهي تستعيد ابتسامتها القديمة. جلستْ بجانبي ووضعت الكأس أمامي وألقت بيدها على يدي: (لا تخاف يا وليدي.. الفرج من عند الله قريب)
نظرتُ إليها والثورة تكاد تندلع بي، جسدي ينتفخ بالحنق ويوشك نفث ألسنة غيضه. ترتدي ابتسامتها القديمة بكل إتقان وكأنها لم تكن تبكي منذ وهلة. لمستها تتخفف على يدي، وجراح أيامها تنساب بصدري لتنفخ فقاعة الغضب وتنفجر بداخلي لتستحيل برداً وسلاماً مفاجئين، يتسربان عبر أوردتي فينهكان الحزن حتى يضمحل ويتراجعان بالثورة حتى تتلاشى. كابدت رغبتي عندها وأمسكت وجهها وارتديت ابتسامتها القديمة على وجهي وقلت: (ابتسامتك هي الفرج يا أمي).

ذو صلة
التعليقات