مجلة شهرية - العدد (548)  | مايو 2022 م- شوال 1443 هـ

عالم لويس كارول العجائبي

البداية:
نهر التايمز بإنجلترا ظهيرة أحد أيام عام 1862. يقوم شابانِ بالتجديف في قارب صغير ترويحاً عن أطفال رئيسهم في العمل، ومِنهم (أليس هنري ليدّل) (1852 - 1934). يتهادى القارب في المياه بين الأغصان الوارفة، فيما يرتجل أحدهما (تشارلز دودجسون) (1832 - 1898) حكاية عن فتاة خيالية اسمها (أليس) أحست بالملل فقررت أن تخرج في مغامرة، وبينما يقص حكايته ينهمر المطر ويتجمّع الماء في القارب، فيُهرع الجميع ويجدفون -تحت وقع المطر والضحك- هرباً من هذه الدعابة الشتوية التي أفسدت مغامرتهم وكادت تغرق القارب.
ولدت فكرة (مغامرات أليس في بلاد العجائب) حين طلبت (أليس) الصغيرة من دودجسون، أن يدوِّن الحكاية التي ارتجلها، فقام بتحويل مغامرة القارب الواقعية لحكايةٍ جعلَ أبطالها مجموعة من الحيوانات الناطقةِ ومعهم (أليس) بعد أن أكسبها بعض الصفات الخيالية، ومَلأ حكايته بمحادثاتٍ طفوليّةٍ قائمة على السخرية والتلاعب بالكلمات، ومن ثمَّ أهدى الكُراسة التي تحوي الحكايةَ التي كتبها ورسوماتها التي رَسمها إلى (أليس ليدّل).
دودجسون مقابل كارول
كان دودجسون الشهير باسمه المُستعار (لويس كارول) سليل عائلة مُحافِظة، لمع نجمها في الأوساط العسكرية والأكاديمية، تقلد والده مركزاً مرموقاً في الكنيسة، وحرص على تربية أبنائه تربية محافظة. في هذا المحيط الصارم، نشأ كارول في ريف (شِشَاير) الإنجليزي، وقضى سنيَّ عمره الأولى بمنزل منعزل، تسليته القراءة، ولعبتهُ فنون الترويح الشخصي المنتشرة في العصر الفيكتوري كتقليد الأشخاص ورواية الحكايات ومسرحيات الدمى، والتي كان يؤلفها ويقوم بتمثيلها لشقيقاته السّبع الصغار.
درس كارول بمدرسة (رجبي) الداخلية الشهيرة، واعترف في مذكراته أنه كرهها، ورغم لثغته التي صعَّبت عليه نطق اسمه (فكان ينطقه: دو..دو.. دودجسون، فسمّاه زملاؤه دودو)، فلا يبدو أنه تأثّر بمضايقات الأطفال الآخرين له، ويذكرُ رفاق مدرسته أنه كان يدافع عن المستجدّين من الطلبةِ ضد المتنمرين وكان متفوقاً، وهناك نسخة محفوظة لكتاب رياضيات خاصٍ به يحمل تعليقاته الشخصية، من مِثل (هذا الكتاب لي، أبعد يدك) مدوّنةً باللغةِ اللاتينية، وتعليقه على أحد أسئلة الكتاب أنه (ليس سؤالاً ذكياً).
التحق كارول بجامعة أكسفورد فكان أوّل دُفعته، وعَمل في الجامعة بعد تخرّجه كأستاذٍ للرياضيّات وذلك حتى وفاته، ولكنه كان متأرجحاً بين العمل والكتابة. وقد نبغ في الرياضيات والمنطق، تاركاً 12 كتاباً في فروعها مَهرها باسمه الحقيقي، منها (إقليدس ومعارضوه المعاصرون)، بالإضافة لأطروحات في الألغاز الرياضياتية بهدف الترفيه.
لكارول أعمالٌ أخرى كرواية الجِنيّات (سيلفيا وبرونو)، إلا أنها لم تلق نجاحاً، وله قصائد مثل (اصطياد السنَارْك) وهو وحش خرافي غامض الملامح، بقي في المخيلة الشعبية كرمز للوحوش المُبهمة.
لم يتزوج كارول، ويظن البعض أنه كان مُصاباً بالتوحد، وقد مات بالالتهاب الرئوي، وقد ترك مذكراتٍ أتلفتها عائلته حفاظاً على سمعته، مما أدى إلى العكس، فقد زادت من الشكوك المُثارة حوله.
اللعب بالأدوات أو أدوات اللعب
(سألت أليس بشيء من الخجل قِطَّ (شِشاير) الرابض مبتسماً على جذع الشجرة أمامها:
- هلّا أخبرتني فَضلاً، أي الطرق يجب أن أسلُك؟
- هذا يعتمد على أين تودين الذهاب!
- لا يُهمني كثيراً أين.
- في هذه الحالة لا يُهم أيُّ طريق تسلكين!)...
بهذا الأريحية حلَّ كارول إشكالية الهدف، التي قد تستغرق عُمُراً كاملاً، وناقش مواضيع أخرى على ألسنة أبطاله، وسَخَّر بامتيازٍ أدوات كمِثل إعادة تخيل ما حولهُ، والواقع البديل والخيال المُفرط وانعكاس الزَّمن والتضاد والعوالم المعكوسة (حيث التوقف مثلاً يعني الحركة والعكس بالعكس...)، بل حتى استخدام معاني الأمثال الحرفية للنقد الساخر، كما عَمَد كارول لاستبعاد مشاعر الألم من أحداث قصته وحوارات أبطاله، مما جرى عليه العُرف بعد ذلك في أدب الفانتازيا بغرض قطع أي صلة بالواقع، مما شكل أيضاً مهرباً له.
ظهور الكتاب
انتوى كارول إخراج الكتاب بصورة تجارية في 1865 بعد نصائح كثيرةٍ ممن حوله، واختار دار ماكميلان (والتي لا تزال قائمةً بلندن)، حيث اقترح مشرفوها تعيين السير جون تينيل (1820 - 1914) رسام الكاريكاتير بمجلة (بانش) الشهيرة لوضع مجموعة رسومٍ كاريكاتيريةٍ ساهمت في إحياء الرواية، والتي لا زالت تؤثر حتى الآن في المعالجات الفنية والطبعات المختلفة لها. نُشر الجزء الأول محققاً نجاحاً ضخماً، وأتبعه كارول بالجزء الثاني والذي شابتهُ السوداوية المفرطة بسبب الأثر الذي أحدثته وفاة والده عليه.
وتدور الرواية حول أليس ذات السبع سنوات التي ترى أرنباً في حديقتها فتتبعه إلى جُحرٍ يفضي لعالم خيالي، وفي رحلةٍ هدفها الاستكشاف، تجرّب زجاجة وكعكات كتب عليها (اشربيني) و(كليني)، مما يؤدي لتناقص حجمها ثم ازدياده، وتقابل سكان بلاد العجائب الغريبين، طائر الدودو (في إشارة لاسم الكاتب في صغره)، ومنهم الدودة التي تدخن النارجيلة فوق نبتة عش الغراب، والدوقة غريبة الأطوار، وقط شِشاير، وتنضم أليس لأشهر حفلة شاي في تاريخ الأدب مع صانع القبعات المجنون، وتلعبُ مع ملكة القلوب مباراة كروكيه عجيبة، وتواجهُ أليس حماقاتِ الملكة، قبل أن تتعارك مع جيشِ أوراق الكوتشينة لتصحو في الأخير من نومها. وفي الجزء الثاني تعود أليس إلى بلاد العجائب بعد أن كبرت، وذلك عن طريق الانغماس في مرآة منزلها، فتقابل شخصيات أخرى كـ(هامتي دامتي) الشهير والتنين.
مُستويات من الإدراك
(مغامرات أليس) أشبه بالبحر، يلهو الصغار على شاطئه صانعين قلاعاً من رمال، في حين يسبح الكبار في عرضه، أما الغواص فله أن يغوص ويستخرج من باطنه الدرر، فـ(أليس) يقرؤها الصغار على مستوى حكاية جنياتٍ خيالية مليئة بالضحك، في حين يقرؤها البالغون مدركين تأثير بيئة الكاتب في اختيار الشخصيات والأحداث، ويقرؤها المتخصصون فيستخرجون مِن مُستواها الأعمق العديد من الإسقاطات الاجتماعية والسياسية والأكاديمية، والتي وظفها النص القائم على (الهزل أو الهراء الأدبي).
يرى كارول (بلاد العجائب) من منظور طفلٍ يحدِّق في عالمنا، وينظُر لأفعال الكبارِ الغريبة غير المبررة، والرواية لا تملك عُقدة محددة، فكل لقاءٍ بين أليس وإحدى الشخصيات هو صراع ثقافي، حيث يُسبب سلوكهم غريب الأطوار مشاعر الشك والحيرة عندها، ولا يفصحُ كارول بأي عظةٍ أو عبرة في روايته، على الأقل في مستواها الطفولي الخارجي (وهو من أسباب قبول الجميع لها صغاراً وكباراً)، ولكن يطرح مفاهيم كالزمن والهوية والنضج، متمثلةً في البطلة التي تُعاني من تغيّر حجمها وعالمها، لتبدأ تدريجياً في التكيف وإدراك هويتها، وتنضج في ذروة مواجهتها مع ملكة القلوب، لتعبرِ الطفلة من عالم الخيال إلى الواقع.
رموز وألغاز.. لعبة كارول المفضّلة
إن أليس -وهي من هي كأيقونة ثقافية- هي صورةٌ رومانسية للبراءة والأحلام، متمردةٌ على السُلطة، وعلى النمط الأدبي الفيكتوري للطفل اليتيم أو الكادح. لم يَصفها كارول، تاركاً لنا فتاة يستطيع أيُّ شخص من أي عصرٍ أن يراها كما يشاء. أمّا الأرنب فهو (المُعاكس الموضوعي) إن جاز التعبير، كادحٌ، مُقيد بوقت، خائف، مُسَلِّم بالسلطة (ربما في إشارةٍ لرئيس الكاتب والذي اتصف بكثير من هذه الصفات).
أما صانع القبعات المجنون ففيه إشارة تهكّميّة لاذعة لمعاناةِ عُمّال عصره، وبخاصة أولئك الذين عملوا في صبغ الملابس وأصابتهم الأمراض العقلية بسبب التعامل غير الآمن مع مادة الزئبق في ذلك الزمن، وقد رأى كارول بعضهم في المصحة العقلية التي عمل بها عمه، ورأى حفلات الشاي التي كانوا يحضرونها على سبيل العلاج.
تمثلُ الدوقة من منظور الأطفال غموض الكبار وتقلُّبَ مشاعرِهم وأمزجتهم بغير ما تنبؤٍ بها. أما عن البطة فهي (كانون داك وورث) صديق كارول وزميلُ التجديف في مغامرةِ القارب.
ملكة القلوب هي ملكة بلاد العجائب، ويشرح كارول أنها ليست شخصية شريرة، إنما هي رمزٌ للسلطة المطلقة وما تحويه من الغضب الأعمى والعدالة الخرقاء.
الرواية تحوي إرثاً أدبياً هائلاً، بِدءاً بإحياءِ مفهوم الحيوانات الناطقة بعد غيابٍ عن ساحات الأدب امتد منذ القرون الوسطى (وهو المفهوم الذي أصبح عِماد صناعة الرسوم المتحركة فيما بعد)، مروراً باختراع الكائنات الخرافية والكلمات الجديدة في الإنجليزية، وتوظيف (عالم المرآة) في أدب ما وراء الطبيعة، والجماد الناطق ((اشربيني) على الزجاجة، في محاكاة لتعليقات كارول على كتبه (أبعد يدك))، وانتهاءً بشخصياتٍ كانت إلهاماً لأعمال تاليةٍ. كل هذا أدى لكون الرواية الأكثر قراءةً واقتباساً في التاريخ، واختيار أليس كواحدة من أهم 20 شخصية في تاريخ الأدب في 2015.
تحليلات أخرى
نشط علماء التحليل النفسي في فكِّ رموز الرواية، وكان من افتراضاتهم، أنها تعبِّر عن رغبات الكاتب المكبوتة، وأن الذِّكر المتكرر للطعام يشير للطبقية الاجتماعية، وأن رحلة أليس هي مَسلكٌ هروبي من الواقع، ولكن المُؤكد أن الرواية حَملت كثيراً من السخرية على المشهد الأكاديمي الذي انتمى إليه كارول.
وقد أعطت ثقافة (الهيبيز) الناشطة في الستينات الرواية تأويلاً (مُخدراتياً) لا يحتمله النصّ الأصلي، ولا حياة كارول الذي لم يتعاطَ المخدرات. وقد اكتشفَ د.(جون تود) في 1955 (متلازمة أليس في بلاد العجائب) ومن أعراضها تشوه بصريٍ يؤدي لتضخيم أو تقزيم الأجسام، أعراضٌ ذكرها كارول في مذكراته، لذا يَعتقد (تود) أن كارول قد استلهمَ بعض التغيرات الحاصِلة لأليس من تجربتهِ الشخصية.
عاش (دودجسون) في ظِلال تنشئته ودراسته ووظيفته الجافة، فخرج من عباءته (لويس كارول) الذي جَنَحَ لأدب خياليٍّ طفولي خارج عن قواعد العقل، بل يتلاعب بالمنطق الذي يجيده كارول تمام الإجادة، ونكاد نرى كارول كإنسانٍ بالغ يهرُب من واقعه الثقيل الضيق المحكوم بقيود القواعد والقوانين والمقتضيات، إلى عوالم سمحةٍ فسيحةٍ لا تثقل العقل أو القلب، عوالم يتوقف فيها الوقت وتنفتح جميع الأبواب وتتحرر فيها أليس أو ربما كارول نفسه من رزايا المجتمع.

ذو صلة
التعليقات