مجلة شهرية - العدد (548)  | مايو 2022 م- شوال 1443 هـ

رفقاً بذائقتنا

منذُ أن شبَّ عودي وتفتق وعيي كنت ومازلت أستمع للغناء العراقي والعربي على اختلاف مشاربه ومشاغله الأدائية المنبثقة من تضاريس المكان الذي نشأ منه، متفحصاً المشهد بعناية ودقة، لأتوقف كثيراً عند مقاماته وما تفرع من أطوار غنائية، فضلاً عن الألوان التي نسبت لمطربيها؛ لأجد أن هناك ذخيرة غنائية عربية مهمة لها من التفرد والتميز ما يجعلها مستمرة. في حينها كنت مهتماً بتكنيك اللون الغنائي من قبل مبتكريه، ومن ثم صرت أتساءل عن هذا التنوع الغريب والتباين في مختلف البلدان، وظل هذا الحرص والاجتهاد مرافقاً لبعض الأسماء التي تلتها لتشكل علامات مضيئة في المشهد الغنائي العراقي، وينسحب هذا على جميع بلداننا العربية، فلها من الإرث الكثير الذي تستطيع أن تعمّر من خلاله، كذلك هناك من المدارس اللحنية العظيمة التي يشار إليها على مختلف الأزمنة، وأصبحت آثارهم الموسيقية درساً للأجيال.
في تلك الفترة كانت الأغنية تصل عبر المذياع أو من خلال التلفاز، على الرغم من شحتها في ماهية البث تبعاً لعدم وجود فضائيات بهذه الكثرة، لكنها تعبر كل الحدود لتطرق مسامع المتذوقين وتصبح متداولة، لتأخذ شعبيتها من الجمهور. كانت الأغاني في تلك الفترة رصينة مهذبة منضبطة لا تخدش الحياء، وذات قيمة أخلاقية وإنسانية فخمة، لتكون بعضاً من جملها المتوهجة محل شاهد أو مثالاً يحتذى به، كأن تبدد حالة الزعل أو الخصومة ما بين شخصين لتعيش ونعيش معها، أما في عصرنا الحالي أجد أن هناك تراجعاً مقصوداً في الأغنية العربية، تبعاً لظهور الفضائيات المتخمة ببرامجها الفنية، وثورة المد التكنولوجي؛ حتى أصبح للفنان حضور عربي سهل دون أن يبذل جهداً في ترويج فنه، بالنتيجة تتفاجأ من أن هناك تردياً وبساطة في الكلمة واللحن، ناهيك عن كم الأصوات البسيطة التي تؤديها، لنجد أنها صنعت شهرتها بين ليلة وضحاها دون أن يعوا أن هذه الشهرة سيف ذو حدين، كونها أتت مجانية لا تحتكم لسياق ممنهج. وثمة ما يجعلني أتأمل المشهد الغنائي برمّته: هل من المفترض أن أستمع إلى هذه الشريحة من المهرجين؟ وكي أكون أكثر وضوحاً فيما أقول لأبدي اعتراضي على أغلب الأسماء التي ظهرت في الآونة الأخيرة، ربما ترفّعَ القلة عن الدخول في هذه الخانة، ليغرفهم الهامش وتبقى بعضٌ من أغنياتهم التي لا تتجاوز أصابع الكف الواحدة حبيسة اليوتيوب.
هنا أتحدث كذائقة رصينة تربت على سماع أعرق الأصوات الغنائية، فما حال الأجيال التي ظهرت بعدنا وباتت مصاحبة لهذه الفورة؟! كيف لها أن تجد مستقراً في زحام الطقاطيق المعبأة بالصراخ والعويل؟ في السابق كان المطرب عندما يروم الغناء يمر في دوامة من الاختبارات التي تشترط الصوت أولاً والثقافة ثانياً، ناهيك عن اختياراته التي من المفترض أن تكون مدروسة ومتوافقة مع خامة صوته، ليمنح مقبولية كصوت أجيز ومن حقه ممارسة هوايته في الغناء؛ أما الآن فهناك انفلات مقصود ومدروس لخراب ولتفكيك البنى الذوقية للفرد العربي، كيف لنا أن نستوعب هذه الحملة من التجهيل لتمرير كم من المفاهيم غير الأخلاقية وتوظيفها في الأغنية التي من المفترض أن تكون رسالة مهمة غايتها الألفة والمحبة واستنطاق العاطفة بنقاء؟ ماذا يعني أن تكون لغة الأغاني بهذا العنف وبهذه التراكيب المهلهلة؟ هل يعقل أن نخاطب من نحبهم بمفردات الخطف والقتل واللعن.. إلخ؟ وما يجعلني أناقش بعض المغالطات الكبيرة التي مُررت لنا كتبرير ناجم عن تسليم لهذا الانحدار؛ بأنّ أي شخص بإمكانه التسجيل والغناء بأمواله الخاصة، وكأن المسألة هي أكلة معينة يستطيع أن يشتريها أو سلعة يتبضعها متى ما يشاء، ولو فرضنا أن هذا الأمر المخالف أصبح معمولاً به؛ أين دور الجهات والنقابات المعنية بالشأن الموسيقي والغنائي؟ ألا يوجد قانون رادع لمثل هذا الاستخفاف؟ سيجيبنا أحدهم أن هذه المؤسسات وشركات الإنتاج أهلية غير رسمية، وبالتالي تبثّ ما يحلو لها، طيب! هل هي منفلتة أي خارج طاولة القانون؟ وهل بالضرورة أن تراهن على مادتها الهزيلة وتسوّق لها دون أن تأبه بنتائجها على المتلقي؟
المسألة الأخرى التي أحاول أن أنوّه لها بشدة هي اللجان التي تظهر على بعض القنوات العربية، والتي ساهمت بصورة أو بأخرى بهذا التردي؛ إذ ليس لديها متن فني ناصع، وهنا أشير إلى الأعمّ الأغلب منهم، فهم لا يستطيعون أن يستحضروا مقاماً واحداً بلوازمه الموسيقية ودقته في الأداء، فكيف لهم أن يقيّموا ويشخّصوا أصوات المتسابقين بعلمية دون خلل أو خطأ يذكر؟ وهذه أيضاً مسؤولية تقع على عاتق القنوات لأنها أظهرت أناساً لا يمتلكون حرفية في التقييم.
لكن ثمة ما يجعلني أرقب الأسماء المهمة التي لها حيازتها الفنية المرموقة، فما هو شعورهم إزاء هذا القبح؟ وكيف لصوتهم الواعي أن يقشّر هذا السخام وينفد؟ أعانهم الله، وأعاننا على هذه المرحلة التي أتمنى أن تزول حفاظاً على ما بقي من ذائقتنا التي خدشتها رهانات المحشورين عنوة في الساحة الغنائية.

ذو صلة
التعليقات