مجلة شهرية - العدد (548)  | مايو 2022 م- شوال 1443 هـ

موهق الغنامي.. أبو قرون

منذ أكثر من ثلاثين عاماً وأنا أتابع أثر مُوهِق الغنّامي العتيبي، ولا أزال أقصّ أثرَه يومياً. قد يكون شِبه منسيّ في معظم أقاليم المملكة العربية السعودية، ولكني وجدته حياً يعيش في ذاكرة أهالي عشيرته بمنازلهم حول عفيف وحَرّة كِشب ومضارب ومغاني شِفا نجد بصفة عامة.
سُمي (موهق) لأنّ ولادته كانت شاقّة على أمّه، فأبوه طلّقها قبل عشرة أيام من ولادته، والولد (وهّقها) بدخوله الدنيا. وليست هذه التسمية بغريبة على وقته وبيئته البدوية، فالظروف والأحداث وكل ما حوله حياً وميتاً يلفت الانتباه، ولحظة الولادة نفسها كانت مادّة جاهزة للإيحاء بتسمية المولود.
في تلك الفترة كان موهق يزور مصر مع قوافل العقيلات لبيع الإبل في العاصمة المصرية في خدمة التاجر القصيمي محمد العبدالله البسّام، ويعمل بواباً عند مدخل إحدى العمارات الفخمة في القاهرة. وهناك التقاه أستاذ الجامعة الباحث السويسري يوحنا يعقوب هس المتخصص في لغة الفراعنة، ليدون من خلال موهق أكثر من ثلاثة عشر ألف بطاقة عن لغة البدو وعاداتهم.
من طرائف موهق كونه بدوياً أينما يكون، فقد استغرب هسّ عندما جلسوا في غرفة مغلقة بالنهار فدلّه موهق على اتجاه نجم الجدي، ولما قاسه بآلة لم يختلف عن الصحيح ولا بدرجة. (أشمَل وحَطّ الجدي على غاربه الايسر!)، هكذا يرحل البدوي على كور مطيته بالليل، ويعرف الفلك مثل جيب ثوبه. فالرسن هو المقود والمحداة هي دواسة الوقود، وحين يورّك الراكب على الدفّ ويغنّي، وقتها كنت أقصّ أثر موهق في ديرة الغنانيم. وحينما جلسنا أنا والربع في البرّ تحت النجوم طرأ لهم سؤال: (كم يبعد بلدك حقاً يا مارسيل؟)، البعض كان يعتقد أن هولندا في أمريكا، والبعض الآخر يبحث عنها جهة الهند. الجغرافيا عندهم غير. حينها تطرّقتُ جادّة موهق: (إن رحتوا بمظاهيركم، تمدّون ميتين وخمسين (شَدّة بدو)، بهذا الاتجاه)، قلت مشيراً إلى بقعة في منتصف الطريق بين النجم القطبي (الجدي) والغرب. كان هذا في رأيهم تخميناً واضحاً، فالشباب في ذلك الوقت كانوا أبخص بشَدّة البدو والنجوم، لا بنظام تحديد المواقع الإلكتروني والكيلو، ومن بقي منهم صار من الأوّلين مثلي».

ذو صلة
التعليقات