مجلة شهرية - العدد (548)  | مايو 2022 م- شوال 1443 هـ

علمني أحمد

إلى أحمد الألمعي مع التحية..
لكل منا منجم قديم من الكلمات الصعبة والصور المشوهة والمشاعر الحزينة.. نحسب بأننا قادرون على نسيانها أو تجاوزها بمجرد التخلي عنها. لكنني حين أفقت على صوته المتدفق من داخله وفكره المتجلي في ألوان لوحاته ورسم كلماته العميقة، وجدتني أمام نهر هادر من البياض والسكينة والإيمان المطلق، إيمان لا يشترط على الله، بل يخضع له ولقدره الجميل، أياً كان فهو جميل، غير أنني تفاجأت بأنني أتعلق بأذيال تلك الكلمات، تسحبها مشاعر صادقة للتغير والوقوف والتأمل فيها، لا لمواجهتها بل لتجاوزها فعلاً، حيث لا معركة في الحياة تستحق. وها أنا أمسك القلم وأكتب ماذا علمني صديقي أحمد؟ في فترة كانت الحياة باردة والزمن متوقف عند بعض الشكوك والحيرة.
علمني بأن الأيام لا يمكن أن تتساوى في منحها إيانا الطمأنينة، لكننا في لحظة صفاء ننجو بلطف الله.
علمني أحمد بأن النية الصادقة تسبق العمل، وبأن كل تيسير وفتح تجده أمامك ما هو إلا ثمرة نية عقدت العزم عليها فأوتيت أكلها وعليها استوجبت الحمد، فعلى قدر صلاح نية المرء تأتيه العطية من الرحمن.
علمني أن أستشعر كل نعمة وهبني الله إياها، أن أتذوق تفاصيلها الدقيقة مهما كانت صغيرة أو معتادة فتبدو وكأنها الدنيا حيزت كلها لي.
علمني بأن إيمان العبد يمتحن بالابتلاء وفي أقرب الناس وأكثرهم محبة، وما من حائط يستند إليه بعد أن شرب الكأس وحده وذاق المر الزؤام في ليلة الغياب الأولى، فإذ بي أجد في قصته إلهاماً وسلوى ودرساً للصابرين.
علمني أن المال لا يسوق لك الرجل الكامل، بل المواقف التي تُنضج صاحبها كفيلة بابتياع تذكرة تأذن لك بالعبور وبالعودة لبيت دافئ.
علمني بأن لهذا القلب المتعب رباً يحميه، وبأن الخلوة لمناجاة الله لا تأتي عبثاً، بل هي مسخرة لك لأن الله يحبك ويشتاق لسماع صوتك وهذا كفيل بمحبتك وقربك والاستجابة لك.
علمني أن من يهمشك ولا يقدرك ويعيق تقدمك هو ليس إلا محطة تعلمت منها وعليك مغادرتها فوراً فلا تهدر طاقتك لإصلاحها دون جدوى.
علمني أن أكسر قلبي ليعبر منه الضوء، أكسر قلبي بدمعة، ببرد اليقين، بصدقة، بخدمة محتاج، بتخلية القلب، بتفكر في ملكوت الله، بإطلاق العنان في الأقدار العجيبة وحكمة الله فيها.
علمني أن قدسية القلب هي أول من يجب أن تحميه وتصونه وتدافع عنه، تغلفه بالقناعات والأحلام الخاصة والفرص الجميلة، وإذا ما كان للقدر كلمة أخرى فلا تقاوم.. كن شجاعاً انهض ثم انهض..
علمني أن البقاء هو للرضا لا للسخط. السبل المعوجة لا بد أن تستقيم، لأننا حين نكون مع الله فإننا نكوِّن علاقة حب وتسليم لا علاقة حرب واستسلام.
علمني أن المشاعر الحقيقية قد تتقلب أحياناً ولكي يطول عمر هذه المشاعر لا بد أن تكون قراراً لا علاقة، أن يتزاوج العقل والقلب فلا يعلو أحدهما على الآخر لأن المشاعر الإنسانية أياً كان نوعها فهي وبكل بساطة مسؤولية لا تفقدنا حريتنا مع من نحب.
علمني أن ما يجمع بين قلبين ليس جوعاً عاطفياً ولا وهماً وقوده كلام معسول، ما يجمع قلبين صادقين ليس علاقة طارئة، بل ارتباط متين ميثاقه الوفاء والصفاء، فأنت حين تحب وجب عليك أن تكون النسخة الأفضل من نفسك، فتحفظ كرامتك وكرامة من يحبك.
علمني أن المحب لا يمكنه أن يلتقي بأشخاص يهابون من الوحدة أو العزلة لأننا في عزلتنا نحب حقيقتنا ونجد الأنس الكامل فيها، حينها ستجد الحقيقة وستكون قادراً على المنح.
علمني بأن الحياة موجتان تتقبل أحاديث الشدة لا الرخاء فحسب، تعري مخاوفك فأكسيه اطمئناناً وأعري مخاوفي فيكسيني عطفاً وامتناناً. فمن متع الحياة ونعمها أن نؤمن بالحب الذي لا علامات له لأنه يعاش، نعم يعاش فقط.
علمني أن أقوى سلاح يمتلكه العبد التقي هو الصبر والتجمل به، فحين لا تشكو إلا لله فإنك تنتصر على نفسك وتمنحها وسام القربى والمحبة الكاملة.
علمني أن مغادرة من خانك وظلمك بمعنى أن ترمي به بريئاً من قلبك تكون بالإحسان إليه، ترقبه شيئاً فشيئاً وهو يخطو متعثراً في سيئاته فتستقبله بكل ودٍ، وحين يكون منكساً رأسه تمنحه متسعاً في بيت يحبه بلا قيد، وتعيد على مسامعه حكاياتكم القديمة دون تذكر الصراعات والأهواء والنزوات، كأن تحدثه عن العصفور الذي أخطأه السهم فطار محلقاً يبحث عن الصوت ثم تصمت طويلاً وتنتظر لا تفعل أي شيء، بل من أجل أن تصمت فقط وتريهم قوة الله فيك وعدله.
علمني بأن الحياة قصيرة فهي تَنقص قيمة وتتقزم حين نفكر بالانتقام، لذا كان ولا بد من التصالح مع عالم قد يبتلعنا بالكلية، حينها لا يمكننا أن نحس بانعكاس صبر المحبين في عين الآخر، ولا استشعار إمكانية أن يخطو كلانا خطوةً واحدةً خارج اللون وخارج حدود العقل والحكمة وخارج المأوى نفسه، وسينتهي الأمر بغرف كثيرة وباردة، وبذاكرة ممتلئة بصور ممزقة. نحن بحاجة إلى خطوة واحدة ومائدة صغيرة لكي نؤمن في كل مرة من جديد أن خطوةً واحدة تكفي وتفيض.
علمني أن أعول على الروح، على ضمانة سكونها ونقائها، فأن تكون دؤوباً على مخاطبتها ومكاشفتها وسبر أعماقها فذلك كفيل بأن تسير في طريق يتسع إلى الله، طريق وأي طريق!

ذو صلة
التعليقات